إيضاح

هذه الخطبة من مشهورات خطبه صلوات اللّه عليه روتها الخاصّة و العامّة في كتبهم و شرحوها و ضبطوا كلماتها كما عرفت رواية الشيخ الجليل المفيد و شيخ الطائفة و الصدوق ، و رواها السيّد الرضيّ رضي اللّه عنه في نهج البلاغة و الطبرسيّ في الاحتجاج قدّس اللّه أرواحهم و روى الشيخ قطب الدّين الراونديّ قدّس سرّه في شرحه على نهج البلاغه بهذا السند : أخبرني الشيخ أبو نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم ، عن الحاجب أبي الوفا محمد بن بديع و الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن ، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الإصفهاني ، عن سليمان بن أحمد الطبرانيّ ، عن أحمد بن عليّ الآباد ، عن اسحاق بن سعيد أبي سلمة الدمشقيّ ، عن خليد بن دعلج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عبّاس قال كنّا مع عليّ عليه السلام بالرحبة فجرى ذكرى الخلافة و من تقدّم عليه فيها ، فقال : « أما و اللّه لقد تقمّصها فلان . . . » إلى آخر الخطبة .

و من أهل الخلاف رواها ابن الجوزيّ في مناقبه ، و ابن عبد ربّه في الجزء الرابع من كتاب العقد ، و أبو عليّ الجبائيّ في كتابه ، و ابن الخشّاب في درسه على ما حكاه بعض الأصحاب ، و الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكريّ في كتاب المواعظ و الزواجر على ما ذكره صاحب الطرائف ، و فسّر ابن الأثير في النهاية لفظ الشقشقة ثمّ قال : و منه حديث علي عليه السّلام في خطبة له : « تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت » ، و شرح كثيرا من ألفاظها .

و قال الفيروز آبادي في القاموس عند تفسيرها : « الشقشقة » بالكسر ، شي‏ء كالرية يخرجه البعير من فيه إذا هاج . و الخطبة الشقشقيّة العلويّة لقوله لابن عبّاس لمّا قال : لو أطردت مقالتك من حيث أفضيت : « يا ابن عبّاس هيهات ، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت » .

و قال عبد الحميد ابن أبي الحديد ردّا على من قال إنّها تأليف السيّد الرضيّ :

قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخيّ امام البغداديّين من المعتزلة و كان في دولة مقتدر قبل أن يخلق السيّد الرضي بمدّة طويلة ،

[ 61 ]

و وجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبّة أحد متكلّمي الاماميّة و كان من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخيّ و مات قبل أن يكون الرضيّ موجودا . ثمّ حكى عن شيخه مصدّق الواسطيّ أنّه قال : لمّا قرأت هذه الخطبة على الشيخ أبي محمّد عبد اللّه بن أحمد المعروف بابن الخشاب قلت له : أتقول : إنّها منحولة ؟

فقال : لا و اللّه ، و إنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدّق .

قال : فقلت له : إنّ كثيرا من الناس يقولون : إنّها من كلام الرضيّ فقال لي : أنّى للرضيّ و لغير الرضيّ هذا النفس و هذا الأسلوب ؟ قد وقفنا على رسائل الرضيّ و عرفنا طريقته و فنّه في الكلام المنثور .

ثمّ قال : و اللّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب قد صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمائتي سنة ، و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرف أنّها خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ . 79 و قال ابن ميثم البحرانيّ قدّس سرّه : وجدت هذه الخطبة بنسخة عليها خطّ الوزير أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات وزير المقتدر باللّه و ذلك قبل مولد الرضيّ بنيّف و ستّين سنة . انتهى . 80 و من الشواهد على بطلان تلك الدعوى الواهية الفاسدة أنّ القاضي عند الجبّار الّذي هو من متعصّبي المعتزلة قد تصدّق في كتاب المغني لتأويل بعض كلمات الخطبة و منع دلالتها على الطّعن في خلافة من تقدّم عليه و لم ينكر استناد الخطبة إليه .

و ذكر السيّد المرتضي رضي اللّه عنه كلامه في الشافي و زيّفه و هو أكبر من أخيه الرضيّ قدّس اللّه روحهما و قاضي القضاة متقدّم عليهما ، و لو كان يجد للقدح في استناد الخطبة اليه عليه السلام مساغا لما تمسّك بالتأويلات الركيكة في مقام الاعتذار و قدح في صحّتها كما فعل في كثير من الروايات المشهورة و كفى للمنصف وجودها في تصانيف الصدوق رحمه اللّه و كانت وفاته سنة تسع و عشرين و ثلثمائة

-----------
( 79 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 205 206 ، ط بيروت .

-----------
( 80 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 1 ، ص 252 .

[ 62 ]

و كان مولد الرضيّ رضي اللّه عنه سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة . [ 81 ] و لنشرح الخطبة ثانيا لمزيد الإيضاح و التبيين و للإشارة إلى ما ذكره في تفسيرها و شرحها بعض المحقّقين و نبني الشرح على ما أورده السيّد قدّس سرّه في النهج ليظهر مواضع الاختلاف بينه و بين ما سلف من الروايات مستعينا بخالق البريّات .

قال السيّد : و من خطبة له عليه السلام المعروفة بالشّقشقيّة : « أما و اللّه لقد تقمّصها فلان » أي اتّخذها قميصا ، و في التشبيه بالقميص الملاصق للبدن دون سائر الأثواب تنبيه على شدّة حرصه عليها ، و الضمير راجع إلى الخلافة كما ظهر من سائر الروايات . و « فلان » كناية عن أبي بكر و كان في نسخة ابن أبي الحديد : « ابن أبي قحافه » 82 بضمّ القاف و تخفيف الحاء كما في بعض الروايات الأخر ، و في بعضها « أخوتيم » ، و الظاهر أنّ التعبير بالكناية نوع تقيّة من السيّد رحمه اللّه ، و النسخة المقروءة عليه كانت متعدّدة فلعلّه عدل في بعضها عن الكناية لزوال الخوف ، و يمكن أن تكون التقيّة من النسّاخ و يدلّ على أنّ الكناية ليست من لفظه عليه السّلام .

إنّ قاضي القضاة في المغني تصدّى لدفع دلالة تعبيره عليه السلام عن أبي بكر بابن أبي قحافة دون الألقاب الما دحة على استخفاف به بأنّه قد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمّي أحدهم صاحبه و يكنّيه و يضيفه إلى أبيه حتّى كانوا ربّما قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : يا محمّد فليس في ذلك استخفاف و لا دلالة على الوضع .

فأجاب السيّد رضي اللّه عنه بما في الشافي عنه بأنّه ليس ذلك صنع من يريد التعظيم و التبجيل و قد كانت لأبي بكر عندهم من الألقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه ، و قوله « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان ينادى باسمه » فمعاذ اللّه ، ما كان ينادي باسمه إلاّ شاكّ فيه أو جاهل من طغام الأعراب ، و قوله : إنّ

[ 81 ] الظاهر أنّ مراده بالصدوق عليّ بن بابويه ( المتوفّي سنة 329 ) و الد أبي جعفر الصدوق رحمه اللّه و إلاّ فوفاة الصدوق كانت سنة 381 ، فتأمّل .

-----------
( 82 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 151 ، ط بيروت .

[ 63 ]

ذلك عادة العرب » فلا شكّ أنّ ذلك عادتهم فيمن لا يكون له من الألقاب أفخمها و أعظمها كالصدّيق و نحوه .

« و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى » الواو للحال ، و « قطب الرّحى » الحديدة المنصوبة في وسط السفلى من حجري الرّحى الّتي تدور حولها العليا ،

أي تقمّص الخلافة مع علمه : بأنّي مدار أمرها و لا تنتظم إلاّ بي و لا عوض لها عنّي كما أنّ الرّحى لا تدور إلاّ بالقطب و لا عوض لها عنه . و قال ابن أبي الحديد : عندي أنّه أراد أمرا آخر و هو أنّي من الخلافة في الصميم و في وسطها و بحبوحتها كما أنّ القطب وسط دائرة الرحى ، و و لا يخفى نقصان التشبيه حينئذ .

و قال في المغني : أراد أنّه أهل لها و أنّه أصلح منه للقيام بها ، يبيّن ذلك أنّ القطب من الرّحى لا يستقلّ بنفسه و لابدّ في تمامه من الرحى فنبّه بذلك على أنّه أحقّ و إن كان قد تقمّصها .

وردّه السيّد رضي اللّه عنه بأنّ هذا التّأويل مع أنّه لا يجري في غير هذا اللّفظ من الألفاظ المرويّة عنه عليه السلام فاسد لأنّ مفاد هذا الكلام ليس إلاّ التفرّد في الاستحقاق و أنّ غيره لا يقوم مقامه ، لا أنّه أهل للأمر و موضع له . و قوله « إنّ القطب لا يستقلّ بنفسه » تأويل على عكس المراد فإنّ المستفاد من هذا الكلام عند من يعرف اللّغة عدم انتظام دوران الرّحى بدون القطب ، لا عدم استقلال القطب بدون الرّحى .

« ينحدر عنّي السّيل ، و لا يرقى إليّ الطّير » ، « انحدار السّيل » لعلّه كناية عن إفاضة العلوم و الكمالات و سائر النّعم الدنيويّة و الأخرويّة على الموادّ القابلة . و قيل :

المعنى أنّي فوق السّيل بحيث لا يرتفع إليّ و هو كما ترى . ثمّ إنّه عليه السلام ترقّى في الوصف بالعلوّ بقوله « و لا يرقى إليّ الطّير » ، فإنّ مرقى الطّير أعلى من منحدر السّيل فكيف مالا يرقى إليه ، و الغرض إثبات أعلى مراتب الكمال للدّلالة على بطلان خلافة من تقمّصها لقبح تفضيل المفضول .

« فسدلت دونها ثوبا ، و طويت عنها كشحا » يقال : « سدل الثّوب يسدله » بالضمّ ، أي أرخاه و أرسله . « و دون الشي‏ء » أمامه و قريب منه . و المعنى : ضربت

[ 64 ]

بيني و بينها حجابا و أعرضت عنها و يئست منها . و « الكشح » ما بين الخاصرة إلى أقصر الأضلاع ، و يقال : « فلان طوى كشحه » أي أعرض مهاجرا و مال عنّي . و قيل : أراد غير ذلك و هو أنّ من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أنّ من أكل و شبع فقد ملأ كشحه .

« و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء » ، « طفق في كذا » أي أخذ و شرع . و « أرتئي في الأمر » أي أفكّر في طلب الأصلح و هو افتعل من رويّة القلب أو من الرأي . و « الصولة » الحملة و الوثبة . و « الجذّاء » بالجيم و الذال المعجمة ، المقطوعة و المكسورة أيضا كما ذكره الجوهريّ . و قال في النهاية في حديث عليّ عليه السلام : « أصول بيد جذّاء » كنّي به عن قصور أصحابه و تقاعدهم عن الغزو ، فإنّ الجند للأمير كاليد . و يروي بالحاء المهملة و فسّره في موضعه باليد القصيرة الّتي لا تمدّ إلى ما يراد ، قال : و كأنّها بالجيم أشبه . و « الطخية » بالضم كما صحّح في أكثر النسخ ، الظلمة أو الغيم ، و في بعضها بالفتح . في القاموس : « الطخية » الظلمة ، و يثلّب ، و لم يذكر الجوهريّ سوى الضمّ و فسّره بالسحاب . و في النهاية : « الطخية » الظلمة و الغيم . و « العمياء » ثأنيث الأعمى و وصفه الطخية بها لأنّ الرائي لا يبصر فيها شيئا ، يقال : « مفازة عمياء » أي لا يهتدي فيها الدليل ، و هي مبالغة في وصف الظلمة بالشدّة . و حاصل المعنى أنّي لمّا رأيت الخلافة في يد من لم يكن أهلا لها كنت متفكّرا مردّدا بين قتالهم بلا أعوان و بين معاينة الخلق على جهالة و ضلالة و شدّة .

« يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصغير ، و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه » يقال : « هرم » كفرح أي بلغ أقصى الكبر . و « الشّيب » بالفتح ، بياض الشّعر . و « الكدح » الكدّ و العمل و السعي . و الجمل الثلاثة أوصاف للطخية العمياء ، و إيجابها لهرم الكبير و شيب الصغير إمّا لكثرة الشدائد فيها فإنّها ممّا يسرع بالهرم و الشيب أو لطول مدّتها و تمادي أيّامها و لياليها أو للأمرين جميعا ، و على الوجهين الأوّلين فسّر قوله تعالى : يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانُ شَيباً . 83 و كدح المؤمن يمكن أن يراد به لاذعه

-----------
( 83 ) المزمّل : 17 .

[ 65 ]

أعني التعب و مقاساة الشدّة في الوصول إلى حقّه ، و قيل : يسعى فلا يصل إلى حقّه فالكدح بمعناه ، و قيل : المراد به أنّ المؤمن المجتهد في الذبّ عن الحقّ و الأمر بالمعروف يسعى فيه و يكدّ و يقاسي الشدائد حتّى يموت . و في رواية الشيخ و الطبرسيّ : « يرضع فيها الصغير ، و يدبّ فيها الكبير » و هو كناية عن طول المدّة أيضا أي يمتدّ إلى أن يدبّ كبيرا من كان يرضع صغيرا ، يقال : « دبّ يدبّ دبيبا » أي مشى على هيئته . « فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا » ، كلمة « ها » في « هاتا » للتنبيه و « تا » للإشارة إلى المؤنّث ، اشير بها إلي الطّخية الموصوفة . و « أحجى » أي أولى و أجدر و أحقّ ، من قولهم « حجى بالمكان » إذا أقام و ثبت ، ذكره في النهاية . و قيل : أي أليق و أقرب بالحجى و هو العقل . و « القذى » جمع « قذاة » و هي ما يسقط في العين و في الشّراب أيضا من ثبن أو تراب أو وسخ . و « الشّجى » ما اعترض في الحلق و نشب من عظم و نحوه . و « التراث » ما يخلفه الرجل لورثته ، و التاء فيه بدل من الواو . و « النّهب » السّلب و الغارة و الغنيمة . و الجملة بيان لوجود القذى و الشّجى .

و في رواية الشيخين و الطبرسيّ : « فرأيت الصبر » و في رواية الشيخ : « تراث محمّد صلّى اللّه عليه و آله نهبا » و في تلخيص الشافي : « من أن أرى تراثي نهبا » .

و الحاصل أنّي بعد التردّد في القتال استقرّ رأيي على أنّ الصبر أجدر و ذلك لأداء القتال إلى استيصال آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله كلمة الإسلام لغلبة الأعداء .

و قال بعض الشارحين : في الكلام تقديم و تأخير و التقدير : و لا يرقى إليّ الطّير فطفقت أرتئي بين كذا و كذا فرأيت الصبر على هاتا أحجى فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا و صبرت و في العين قذى . . . الى آخر الفصل . لأنّه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا و يطوي عنها كشحا ثمّ يرتئي . و التقديم و التأخير شايع في لغة العرب ،

قال اللّه تعالى : الَّذِي أتْزَلَ عَلىِ عَبْدِهِ الكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً . 84

-----------
( 84 ) الكهف : 1 .

[ 66 ]

انتهى . و يمكن أن يقال : سدل الثوب و طيّ الكشح لم يكن على وجه البّت و تصميم العزم على الترك ، بل المراد ترك العجلة و المبادرة إلى الطلب من غير تدبّر في عاقبة الأمر ، و لعلّ الفقرتين بهذا المعنى أنسب .

« حتّى مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده » قيل : تقديره مضى على سبيله ، و أدلى بها إلى فلان أي ألقاها إليه و دفعها . و التعبير بلفظ « فلان » كما مرّ . و في نسخة ابن أبي الحديد بلفظ ابن الخطّاب 85 و في بعض الروايات إلى عمر . و « إدلاؤه إليه بها » نصبه للخلافة . و كان ابن الخطّاب يسمّي نفسه خليفة أبي بكر ، و يكتب إلى عمّاله : من خليفة أبي بكر . . . حتّى جاءه لبيدبن ربيعة و عديّ بن حاتم ، فقالا لعمرو بن العاص : استأذن لنا على أمير المؤمنين ، فخاطبه عمرو بن العاص بأمير المؤمنين ،

فجرى ذلك في المكاتيب من يومئذ ، ذكر ذلك ابن عبد البرّ في الاستيعاب .

ثمّ تمثّل عليه السلام بقول الأعشى :

شتّان ما يومي على كورها
و يوم حيّان أخي جابر

تمثّل بالبيت أنشده للمثل ، و الأعشى ميمون بن جندل . و « شتّان » اسم فعل و فيه معنى التعجّب . و « الكور » بالضم ، رحل البعير بأداته و الضمير راجع إلى الناقة . و « حيّان » كان صاحب حصن باليمامة و كان من سادات بني حنيفة مطاعا في قومه يصله كسرى في كلّ سنة و كان في رفاهية و نعمة مصونا من وعثاء السفر ، لم يكن يسافر أبدا ، و كان الأعشى يناديه و كان أخوه جابر أصغر سنّا منه . يروى أنّ حيّان عاتب الأعشى في نسبته إلى أخيه فاعتذر بأن اضطرّني إلى ذلك ، فلم يقبل عذره .

و معنى البيت كما أفاده السيّد المرتضى رضي اللّه عنه إظهار البعد بين يومه و يوم حيّان لكونه في شدّة من حرّ الهواجر و كون حيّان في راحة و خفض ، و كذا غرضه عليه السلام بيان البعد بين يومه صابرا على القذى و الشجى و بين يومهم فائزين بما طلبوا من الدنيا . و هذا هو الظاهر المطابق للبيت التالي له ، و هو ممّا تمثّل به عليه السلام على ما في بعض النسخ و هو قوله :

-----------
( 85 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 162 ، ط بيروت .

[ 67 ]

أرمى بها البيد 86 إذ هجّرت
و أنت بين القرو و العاصر

و « البيد » بالكسر ، جمع البيداء و هي المفازة . و « التهجير » السير في الهاجرة و هي نصف النهار عند شدّة الحرّ . و « القرو » قدح من الخشب و قيل : إنآء صغير أو إجّانة للشرب . و « العاصر » الّذي يعصر العنب للخمر ، أي أنا في شدّة حرّ الشمس أسوق ناقتي في الفيافي و أنت في عيش و شرب . و قال بعض الشارحين : المعنى : ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب و أنصب و بين يومي منادما حيّان أخي جابر في خفض و دعة . فالغرض عن التمثّل إظهار البعد بين يومه عليه السلام بعد وفات الرسول صلّى اللّه عليه و آله مقهورا ممنوعا عن حقّه و بين يومه في صحبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . « فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته » أصل « يا عجبا » يا عجبي قلبت الياء ألفا كأنّ المتكلّم ينادي عجبه و يقول له : احضر فهذا أو إنّ حضورك . و « بينا » هي « بين » الظرفيّة أشبعت فتحتها فصارت ألفا و تقع بعدها إذا الفجائيّة غالبا . و « الاستقالة » طلب الإقالة و هو في البيع فسخه للندم ، و تكون في البيعة و العهد أيضا . و استقالته قوله بعد ما بويع : « أقيلوني فلست بخيركم و عليّ عليه السلام فيكم » . و قدروى خبر الاستقالة الطبريّ في تاريخه ، و البلاذريّ في أنساب الأشراف ، و السمعانيّ في الفضائل ، و أبو عبيدة في بعض مصنّفاته على ما حكاه بعض أصحابنا ، و لم يقدح الفخر الرازيّ في نهاية العقول في صحّته و إن أجاب عنه بوجوه ضعيفة ، و كفى كلامه عليه السلام شاهدا على صحّته . و كون العقد الآخر بين أوقات الاستقالة لتنزيل اشتراكهما في التحقيق و الوجود منزلة اتّحاد الزمان أو لأنّ الظاهر من حال المستقيل لعلمه بأنّ الخلافة حقّ لغيره بقاء ندمه و كونه متأسّفا دائما خصوصا عند ظهور أمارة الموت . و قوله « بعد وفاته » ليس ظرفا لنفس العقد بل لترتّب الآثار على المعقود بخلاف قوله « في حياته » ، و المشهور أنّه لمّا احتضر أحضر عثمان و أمره أن يكتب عهدا و كان يمليه عليه فلمّا بلغ قوله « أمّا بعد » اغمي عليه ، فكتب عثمان : « قد استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب » ، فأفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ

-----------
( 86 ) في شرح النهج لابن أبي الحديد : البيداء .

[ 68 ]

فقرأه ، فكبّر أبو بكر و قال : أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي ؟

قال : نعم .

قال : جزاك اللّه خيرا عن الإسلام و أهله .

ثمّ أتمّ العهد و أمره أن يقرأه على الناس . و ذهب إلى عذاب اللّه في ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة من سنة ثلاثة عشر على ما ذكره ابن أبي الحديد . و قال في الاستيعاب : قول الأكثر أنّه توفّي عشيّ يوم الثلثاء المذكور . و قيل : ليلته ، و قيل :

عشيّ يوم الاثنين . قال : و مكث في خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلاّ خمس ليال أو سبع ليال ، و قيل : أكثر من ذلك إلى عشرين يوما . و السبب على ما حكاه عن الواقديّ أنّه اغتسل في يوم بارد فحمّ و مرض خمسة عشر يوما ، و قيل : سلّ ، و قيل : سمّ . و غسلته زوجته أسماء بنت عميس و صلّى عليه عمر بن الخطّاب و دفن ليلا في بيت عايشة .

« لشدّما تشطّرا ضرعيها » اللام جواب القسم المقدّر ، و « شدّ » أي صار شديدا ،

و كلمة « ما » مصدريّة و المصدر فاعل شدّ ، و لا يستعمل هذا الفعل إلاّ في التعجّب . و « تشطّرا » إمّا مأخوذ من « الشطر » بالفتح بمعنى النصف ، يقال : « فلان شطر ماله » أي نصفه . فالمعنى : أخذ كلّ واحد منهما نصفا من ضرعي الخلافة . و إمّا منه بمعنى خلف الناقة بالكسر ، أي حلمة ضرعها ، يقال : « شطّر ناقته تشطيرا » إذا صرّ خلفين من أخلافها ، أي شدّ عليهما الصرار و هو خيط يشدّ فوق الخلف لئلاّ يرضع منه الولد ، و للناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان و هما اللّذان يليان السرّة و خلفان آخران ، و سمّى عليه السلام خلفين منها ضرعا لاشتراكهما في الحلب دفعة ، و لم نجد التشطّر على صيغة التفعّل في كلام اللغويّين .

و في رواية المفيد رحمه اللّه و غيره « شاطرا » على صيغة المفاعلة ، يقال :

« شاطرت ناقتي » إذا احتلبت شطرا و تركت الآخر ، و « شاطرت فلانا مالي » إذا ناصفته . و في كثير من روايات السقيفة إنّه عليه السلام قال لعمر بن الخطّاب بعد يوم السقيفة : « احلب حلبا لك شطره ، اشد دوله اليوم يردّه عليك غدا » . و قد مهّد عمر أمر البيعة لأبي بكر يوم السقيفة ثمّ نصّ أبو بكر عليه لمّا حضر أجله و كان قد استقضاه

[ 69 ]

في خلافته و جعله وزيرا في أمرها مساهما في وزرها ، فالمشاطرة تحتمل الوجهين . و في رواية الشيخ و الطبرسيّ ذكر التمثّل في هذا الموضع بعد قوله « ضرعيها » .

« فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، و يخشن مسّها ، و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها » و ليست « فيها » في كثير من النسخ و « الحوزة » بالفتح ، الناحية و الطبيعة . و « الغلظ » ضدّ الرقّة . و « الكلم » بالفتح ، الجرح ، و في الإسناد توسّع .

و خشونة المسّ و الإيذاء و الإضرار و هي في غير ما يستفاد من الخشناء فإنّها عبارة عن كون الحوزة بحيث لا ينال ما عندها و لا يفوز بالنجاح من قصدها ، كذا قيل ، و قال بعض الشرّاح : يمكن أن يكون من في « الاعتذار منها » للتعليل ، أي و يكثر اعتذار الناس عن أفعالهم و حركاتهم لأجل تلك الحوزة . و قال بعض الأفاضل : الظاهر أنّ المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولّي للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوي ، و تشبيه الخلافة بالراكب السائر فيها أو بالناقة ، أي أخرجها عن مسيرها المستوي و هو من يستحقّها إلى تلك الناحية الحزنة فيكثر عثارها أو عثار مطيّها فيها فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها الناشية من خشونة الناحية ، و هو في الحقيقة اعتذار من الناحية فالعاثر و المعتذر حينئذ هي الخلافة توسّعا و الضمير المجرور في منها راجع إلى الحوزة أو الى العثرات المفهومة من كثرة العثار ، و من صلة للاعتدار أو للصفة المقدّرة للاعتذار أو حالا عن يكثر ، أي الناشي أو ناشيا منها ، و على ما في كثير من النسخ يكون الظرف المتضمّن لضمير الموصوف أعني « فيها » محذوفا . و العثار و الاعتذار على النسختين إشارة إلى الخطأ في الأحكام و غيرها و الرجوع عنها كقصّة الحاملة و المجنونة و ميراث الجدّ و غيرها .

و في الاحتجاج : « فصيّرها و اللّه في ناحية خشناء يجفو مسّها ، و يغلظ كلمها ،

فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحّم ، يكثر فيها العثار ، و يقلّ فيها الاعتذار » ، فالمعنى أنّه كان يعثر كثيرا و لا يعتذر منها لعدم المبالاة أو للجهل أو لأنّه لم يكن لعثراته عذر حتّى يعتذر ، فالمراد بالاعتذار إبداء العذر ممّن كان معذورا و لم يكن مقصّرا . و في رواية الشيخ رحمه اللّه « فعقدها و اللّه في ناحية خشناء يخشن مسّها » . و في بعض النسخ : « يخشى مسّها ، و يغلظ كلمها ، و يكثر العثار و الاعتذار فيها ، صاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها عصفت به » .

[ 70 ]

« فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحّم » الصعبة من النوق غير المنقادة . و « أشنق بعيره » أي جذب رأسها بالزمام ، و يقال :

« أشنق البعير بنفسه » إذا رفع رأسه ، يتعدّى و لا يتعدّى ، و اللغة المشهورة « شنق » كنصر متعدّيا بنفسه ، و يستعملان باللام كما صرّح به في النهاية .

قال السيّد رحمه اللّه في النهج بعد إتمام الخطبة : قوله عليه السلام في هذه الخطبة « كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحّم » يريد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها ، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها ، يقال : « أشنق الناقة » إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ،

و شنقها أيضا . ذكر ذلك ابن سكّيت في إصلاح المنطق ، و إنّما قال : « أشنق لها » و لم يقل « أشنقها » لأنّه جعله في مقابلة قوله « أسلس لها » فكأنّه عليه السلام قال : إن رفع رأسها بالزمام بمعنى أمسكه عليها . انتهى . فاللام للازدواج . و « الحزم » الشقّ ،

يقال : « خرّ فلانا » كضرب أي شقّ وترة أنفه ، و هي ما بين منخريه ، فخرم هو كفرح ، و المفعول محذوف و هو ضمير الصعبة كما يظهر من كلام بعض اللغويّين أو أنفها كما يدلّ عليه كلام السيّد و ابن الاثير و بعض الشارحين . و « أسلس لها » أي أرخى زمامها لها . و « تقحّم » أي رمى نفسه في مهلكة ، و « تقحّم الانسان الأمر » أي رمى فيها من غير رويّة . و ذكروا في بيان المعنى وجوها :

منها : أنّ الضمير في « صاحبها » يعود إلى الحوزة المكنّى بها عن الخليفة أو أخلافه ، و المراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار و غيره ، و المعنى أنّ المصاحب للرجل المنعوت حاله في صعوبة الحال كراكب الناقة الصعبة فلو تسرّع إلى إنكار القبائح من أعماله أدّى إلى الشقاق بينهما و فساد الحال ، و لو سكت و خلاّه و ما يصنع أدّى إلى خسران المال .

و منها : أنّ الضمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة ، و المراد بصاحبها نفسه عليه السلام و المعنى أنّ قيامي في طلب الأمر يوجب مقاتلة ذلك الرجل و فساد أمر الخلافة رأسا و تفرّق نظام المسلمين ، و سكوتي عنه يورث التقحّم في موارد الذلّ و

[ 71 ]

الصغار .

و منها : أنّ الضمير راجع إلى الخلافة ، و صاحبها من تولّى أمرها مراعيا للحق و ما يجب عليه ، و المعنى أنّ المتولّي لأمر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحقّ و زجر الناس عمّا يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم و تفرّقهم عنه لشدّة الميل إلى الباطل ،

و إن فرّط في المحافظة على شرائطها ألقاه التفريط في موارد الهلكة ، و ضعف هذا الوجه و بعده واضح .

هذا ما قيل من الوجوه و لعلّ الأوّل أظهر و يمكن فيه تخصيص الصاحب به عليه السلام فالغرض بيان مقاساته الشدائد في أيّام تلك الحوزة الخشناء للمصاحبة ،

و قد كان يرجع إليه عليه السلام بعد ظهور الشناعة في العثرات و يستشيره في الأمور للأغراض .

و يحتمل عندي وجه آخر و هو أن يكون المراد بالصاحب عمر ، و بالحوزة سوء أخلاقه ، و يحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة ، و الحاصل أنّه كان لجهله بالأمور و عدم استحقاقه للخلافة و اشتباه الأمور عليه كراكب الصعبة فكان يقع في أمور لا يمكنه التخلّص منها ، أو لم يكن شي‏ء من أموره خاليا عن المفسدة ، فإذا استعمل الجرأة و الجلادة و الغلظة كانت على خلاف الحقّ ، و إن استعمل اللّين كان للمداهنة في الدين .

« فمني الناس لعمر اللّه بخبط و شماس ، و تلوّن و اعتراض » ، « مني » على المجهول ، أي ابتلى . و « العمر » بالضمّ و الفتح ، مصدر « عمر الرجل » بالكسر ، إذا عاش زمانا طويلا ، و لا يستعمل في القسم إلاّ « العمر » بالفتح ، فإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء و اللام لتوكيد الابتداء و الخبر محذوف ، و التقدير « لعمر اللّه قسمي » ، و إن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر . و المعنى على التقديرين : أحلف ببقاء اللّه و دوامه . و « الخبط » بالفتح ، السير على غير معرفة و في غير جادّة . و « الشماس » بالكسر ، النفار ،

يقال : « شمس الفرس شموسا و شماسا » أي منع ظهره فهو فرس شموس بالفتح و به شماس . و « التلوّن » في الإنسان أن لا يثبت على خلق واحد . و « الاعتراض » السير على

[ 72 ]

غير استقامة كأنّه يسير عرضا ، و الغرض بيان شدّة ابتلاء الناس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهله و استبداده برأيه مع تسرّعه إلى الحكم و إيذائهم بحدّته و بالخشونة في الأقوال و الأفعال الموجبة لنفارهم عنه و بالنفار عن الناس كالفرس الشموس ، و التلوّن في الآراء و الأحكام لعدم ابتنائها على أساس قويّ و بالخروج عن الجادّة المستقيمة الّتي شرعها اللّه لعباده ، أو بالوقوع في الناس في مشهدهم و مغيبهم ، أو بالحمل على الأمور الصعبة و التكاليف الشاقّة ، و يحتمل أن يكون الأربعة أوصافا للناس في مدّة خلافته ،

فإنّ خروج الوالي عن الجادّة يستلزم خروج الرعيّة عنها أحيانا ، و كذا تلوّنه و اعتراضه يوجب تلوّنهم و اعتراضهم على بعض الوجوه ، و خشونته يستلزم نفارهم . و سيأتي تفاصيل تلك الأمور في الأبواب الآتية إن شاء اللّه تعالى .

« فصبرت على طول المدّة ، و شدّة المحنة حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم » ، و في تلخيص الشافي : « زعم أنّي سادسهم » ، و « المحنة » البليّة الّتي يمتحن بها الإنسان . و « الزعم » مثلّثة ، قريب من الظنّ ، و قال ابن اثير ، إنّما يقال :

زعموا في حديث لاسند له و لا ثبت فيه . و قال الزمخشريّ : هي ما لا يوثق به من الأحاديث . و روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال : « كلّ زعم في القرآن كذب » . و كانت مدّة غصبه للخلافة على ما في الاستيعاب عشر سنين و ستّة أشهر ،

و قال : قتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و عشرين . و قال الواقدي و غيره : لثلاث بقين منه ، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة . و اشتهر بين الشيعة أنّه قتل في التاسع من ربيع الأوّل ، و سيأتي فيه بعض الروايات و الجماعة الّذين أشار عليه السلام إليهم أهل مجلس الشورى و هم ستّة على المشهور : عليّ عليه السلام و عثمان و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقّاص و عبد الرحمن بن عوف . و قال الطبريّ لم يكن طلحة ممّن ذكر في الشورى و لا كان يومئذ بالمدينة . و قال أحمد بن أعثم : لم يكن بالمدينة ،

فقال عمر : انتظروا بطلحة ثلاثة أيّام فإن جاء و إلاّ فاختاروا رجلا من الخمسة .

« فياللّه و للشورى » ، « الشورى » كبشرى مصدر بمعنى المشهورة ، و اللام في « فياللّه » مفتوحة لدخولها على المستغاث ، ادخلت للدلالة على اختصاصها بالنداء

[ 73 ]

للاستغاثة ، و أمّا في « و للشورى » فمكسورة دخلت على المستغاث له ، و الواو زائدة أو عاطفة على محذوف مستغاث له أيضا ، قيل : كأنّه قال : « فيالعمر و للشورى ، أولي و للشورى » و نحوه ، و الأظهر فياللّه لما أصابني عنه أو لنوائب الدهر عامّة و للشورى خاصّة ، و الاستغاثة للتألّم من الاقتران بمن لا يدانيه في الفضائل و لا يستأهل للخلافة . و سيأتي قصّة الشورى في بابها .

« متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت اقرن إلى هذه النظائر » . و في رواية الشيخ و غيره « فيا للشّورى ، و اللّه متى اعترض الريب فيّ مع الأوّلين فأنا الآن اقرن » . و في الاحتجاج « مع الأوّلين منهم حتّى صرت الآن يقرن بي هذه النظائر » . يقال : « اعترض الشي‏ء » أي صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر .

و « الريب » الشكّ . و المراد بالأوّل أبو بكر ، و « أقرن إليهم » على لفظ المجهول ، أي اجعل قرينا لهم و يجمع بيني و بينهم . و النظائر الخمسة أصحاب الشورى ، و قيل :

الأربعة ، كما سيأتي . و التعبير عنهم بالنظائر لأنّ عمر جعلهم نظائر له عليه السلام ،

أو لكون كلّ منهم نظير الآخرين .

« لكنّي أسففت إذ أسفّوا ، و طرت إذ طاروا » . و في رواية الشيخ : « و لكنّي أسففت مع القوم حيث أسفّوا ، و طرت مع القوم حيث طاروا . » قال في النهاية في شرح هذه الفقرة : « أسفّ الطائر » إذا دنا من الأرض ، و « أسفّ الرجل للأمر » إذا قاربه .

و « طرت » أي ارتفعت استعمالا للكلّي في أكمل الأفراد بقرينة المقابلة . و قال بعض الشارحين : أي لكنّي طلبت الأمر إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة لأنّه حقّي و لم أستنكف من طلبه ، و الأظهر أنّ المعنى أنّي جريت معهم على ماجروا ، و دخلت في الشورى مع أنّهم لم يكونوا نظرآء لي ، و تركت المنازعة للمصلحة ، أو الأعمّ من ذلك بأن تكلّمت معهم في الاحتجاج أيضا بما يوافق رأيهم و بنيت الكلام على تسليم حقيّة ما مضى من الأمور الباطلة ، و أتممت الحجّة عليهم على هذا الوجه .

« فصغى رجل منهم لضغنه ، و مال الآخر لصهره ، مع هن و هن » ، « الصغي » الميل ، و منه : « أصغت إليه » إذا ملت بسمعك و نحوه ، و « الضغن » بالكسر ،

[ 74 ]

الحقد و العداوة . و « الصهر » بالكسر ، حرمة الختونة ، و قال الخليل : « الأصهار » أهل بيت المرأة ، و من العرب من يجعل الصهر من الأحماء و الأختان جميعا . و « هن » على وزن أخ ، كلمة كناية و معناه شي‏ء ، و أصله هنو ، و قال الشيخ الرضي رضي اللّه عنه : « الهن » الشي‏ء المنكر الّذي يستهجن ذكره من العورة ، و الفعل القبيح و غير ذلك . و الّذي مال للضغن سعد بن أبي وقّاص لأنّه عليه السلام قتل أباه يوم بدر و سعد أحد من قعد عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام عند رجوع الأمر إليه ، كذا قال الراوندي رحمه اللّه ، و ردّه ابن أبي الحديد بأنّ أبا وقّاص و اسمه مالك بن وهيب مات في الجاهليّة حتف أنفه ، و قال : المراد به طلحة و ضغنه لأنّه تيميّ و ابن عمّ أبي بكر ، و كان في نفوس بني هاشم حقد 87 شديد من بني تيم لأجل الخلافة و بالعكس ،

و الرواية الّتي جائت بأنّ طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى و إن صحّت ، فذو الضغن هو سعد لأنّ امّه حمنة بنت سفيان بن اميّة بن عبد شمس ، و الضغنة الّتي كانت عنده من قبل أخواله الّذين قتلهم عليّ عليه السلام و لم يعرف أنّه عليه السلام قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضّغن إليه . و الّذي مال لصهره هو عبد الرّحمن لأنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجة عبد الرّحمن و هي أخت عثمان من أمّه أروى بنت كويزبن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس . و في بعض نسخ كتب الصدوق رحمه اللّه « فمال رجل بضبعه » بالضّاد المعجمة و الباء ، و في بعضها باللام . و قال الجوهريّ : « الضبع » العضد و « ضبعت الخيل » مدّت أضباعها في سيرها . و قال الأصمعيّ : « الضبع » أن يهوي بحافره إلى عضده و كذا في ضبع فلان بالضمّ ، أي في كنفه و ناحيته ، و قال : يقال : « ضلعك مع فلان » أي ميلك معه و هواك ، و يقال :

« خاصمت فلانا فكان ضلعك عليّ » أي ميلك . و في رواية الشيخ : « فمال رجل لضغنه ، و أصغى آخر لصهره » . و لعلّ المراد بالكناية رجاءه أن ينتقل الأمر إليه بعد عثمان و ينتفع بخلافته و الانتساب إليه باكتساب الأموال و الاستطالة و الترفّع على الناس ، أو نوع من الانحراف عنه عليه السلام و قد عدّ من المنحرفين ، أو غير ذلك ممّا

-----------
( 87 ) في بعض النسخ : حنق .

[ 75 ]

هو عليه السلام أعلم به . و يحتمل أن يكون الظرف متعلّقا بالمعطوف و المعطوف عليه كليهما فالكناية تشتمل ذا الضغن أيضا .

« إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله و معتلفه ، و قام معه بنو أبيه يخضعون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع » . و في رواية الشيخ : « أن قام الثالث نافجا حضنيه ، بين نثيله و معتلفه منها ، و أسرع معه بنو أبيه في مال اللّه يخضعونه » . و « الحضن » بالكسر ، مادون الإبط إلى الكشح . و « النفج » بالجيم ، الرفع يقال : « بعير منتفج الجنين » إذا امتلأ من الأكل فارتفع جنباه ، و « رجل منتفج الجنبين » إذا افتخر بما ليس فيه ، و ظاهر المقام التشبيه بالبعير . و قال ابن الأثير : كنّي به عن التعاظم و الخيلآء ، قال : و يروى « نافخا » بالخاء المعجمة ، أي منتفخا مستعدّا لأن يعمل عمله من الشرّ . و الظاهر على هذه الرواية أنّ المراد كثرة الأكل . و « النثيل » الرّوث . و « المعتلف » بالفتح ، موضع الاعتلاف و هو أكل الدابّة العلف ، أي كان همّه الأكل و الرجع كالبهائم ، و قد مرّ تفسير ما في رواية الصدوق رحمه اللّه . قال في القاموس :

« النّثيل » بالكسر ، وعاء قضيب البعير أو القضيب نفسه . و « الخضم » الأكل بجميع الفم ، و يقابله القضم أي بأطراف الأسنان .

و قال في النهاية : في حديث عليّ عليه السلام « فقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع » . « الخضم » الأكل بأقصى الأضراس ، و « القضم » بأدناها ، و منه حديث أبي ذرّ : « تأكلون خضما ، و نأكل قضما » و قيل : « الخضم » خاصّ بالشي‏ء الرطب و « القضم » باليابس ، و الفعل « خضم » كعلم على قول الجوهريّ و ابن الأثير ، و في القاموس : كسمع و ضرب . و اعرب المضارع في النسخ على الوجهين جميعا . و قالوا : « النبتة » بالكسر ، ضرب من فعل النبات ، يقال : إنّه لحسن النّبتة ، و الكلام إشارة إلى تصرّف عثمان و بني أميّة في بيت مال المسلمين و إعطائه الجوائز و إقطاعه القطايع كما سيأتي إن شاء اللّه .

« إلى أن انتكث عليه فتله ، و أجهز عليه عمله ، و كبت به بطنته » . و في الاحتجاج : « الى أن كبت به بطنته ، و أجهز عليه عمله » . و « الانتكاث » الانتقاض ،

[ 76 ]

يقال : « نكث فلان العهد و الحبل فانتكث » أي نقضه فانتقض . و « فتل الحبل » برمه وليّ شقيّه . و « الإجهاز » إتمام قتل الجريح و إسراعه ، و قيل : فيه إيماء إلى ما أصابه قبل القتل من طعن أسنّة الألسنة و سقوطه عن أعين الناس . و « كبا الفرس » سقط على وجهه و « كبابه » . . . أسقطه . و « البطنة » الكظّة أي الامتلاء من الطعام . و الحاصل أنّه استمرّت أفعالهم المذكورة إلى أن رجع عليه حيله و تدابيره و لحقه و خامة العاقبة فوثبوا عليه و قتلوه كما سيأتي بيانه .

« فما راعني إلاّ و الناس ينثالون عليّ من كلّ جانب » . و في الاحتجاج : « إلاّ و الناس رسل إلىّ كعرف الضبع يسألوني [ أن ] أبايعهم و انثالوا عليّ حقّي » . و في رواية الشيخ : « فما راعني من الناس إلاّ و هم رسل كعرف الضبع يسألوني أبايعهم و آبى ذلك و انثالوا عليّ » . و « الرّوع » بالفتح ، الفزع و الخوف ، يقال : « رعت فلانا و روّعته فارتاع » أي أفزعته ففزع و « راعني الشي‏ء » أي أعجبني ، و الأوّل هنا أنسب . و « الثول » صبّ ما في الإناء و « انثال » انصبّ ، و في بعض النسخ الصحيحة : « و الناس إليّ كعرف الضّبع ينثالون » . و « العرف » الشعر الغليظ النابت على عنق الدابّة ، و « عرف الضبع » ممّا يضرب به المثل في الازدحام ، و في القاموس : « الرّسل » محرّكة ، القطيع من كلّ شي‏ء و « الرّسل » بالفتح ، المترسّل من الشعر ، و « قد رسل كفرح رسلا » أي ما أفزعني حالة إلاّ حالة ازدحام الناس للبيعة ، و ذلك لعلمهم بقبح العدول عنه عليه السلام إلى غيره .

« حتّى لقد وطي‏ء الحسنان ، و شقّ عطفاي » . « الوطء » الدّوس بالقدم .

و « الحسنان » السبطان صلوات اللّه عليهما . و نقل عن السيّد المرتضى رضي اللّه عنه أنّه قال : روى أبو عمرو أنّهما الإبهامان ، و أنشد للشفريّ : « مهضومة الكشحين حزماء الحسن » . و روي أنّه صلوات اللّه عليه كان يومئذ جالسا محتبيا و هي جلسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المسمّاة بالقرفصاء فاجتمعوا ليبايعوه ، زاحموا حتّى و طؤوا إبهاميه و شقّوا ذيله . قال : و لم يعن الحسن و الحسين عليهما السلام و هما رجلان كسائر الحاضرين . و « عطف الرجل » بالكسر ، جانباه ، فالمراد شقّ جانبي قميصه

[ 77 ]

عليه السلام أوردائه لجلوس النّاس أو وضع الأقدام و زحامهم حوله ، و قيل : أراد خدش جانبيه عليه السلام لشدّة الاصطكاك و الزّحام . و في بعض النّسنخ الصّحيحة : « و شقّ عطافي » و هو بالكسر الرداء و هو أنسب .

« مجتمعين حولي كربيضة الغنم » ، « الربيض و الربيضة » الغنم المجتمعة في مربضها أي مأويها ، و قيل : إشارة إلى بلادتهم و نقصان عقولهم لأنّ الغنم توصف بقلّة الفطنة .

« فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، و مرقت أخرى ، و فسق آخرون » . و في رواية الشيخ و الاحتجاج : « و قسط آخرون » . « نهض » كمنع قام و « النكث » النقض . و « المروق » الخروج . و « فسق الرجل » كنصر و ضرب فجر ، و أصله الخروج . و « القسط » العدل و الجور ، و المراد به هنا الثاني ، و المراد بالنّاكثة أصحاب الجمل و قد روي أنّه عليه السلام كان يتلو وقت مبايعتهم : « فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه » 88 و بالمارقة أصحاب النهروان و بالفاسقة أو القاسطة أصحاب صفّين . و سيأتي إخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بهم و بقتاله عليه السلام معهم .

كأنّهم لم يسمعو اللّه سبحانه يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيُدونَ عُلُوّاً فِي الْأَرضِ وَ لاَ فَسَاداً وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 89 الظاهر رجوع ضمير الجمع إلى الخلفاء الثلاثة لا إلى الطوائف كما توهّم إذ الغرض من الخطبة ذكرهم لا الطوائف و هو المناسب لما بعد الآية لا سيّما ضمير الجمع في « سمعوها و وعوها » . و الغرض تشبيههم في الإعراض عن الآخرة و الإقبال على الدنيا و زخارفها للأغراض الفاسدة بمن أعرض عن نعيم الآخرة لعدم سماع الآية و شرائط الفوز بثوابها ، و المشار إليها في الآية هي الجنّة و الإشارة للتعظيم ، أي تلك الدار الّتي بلغك وصفها . و « العلوّ » هو التكبّر على عباد اللّه و الغلبة عليهم و الاستكبار عن العبادة . و « الفساد » الدّعاء إلى عبادة غير اللّه أو أخذ المال

-----------
( 88 ) الفتح : 10 .

-----------
( 89 ) القصص : 83 .

[ 78 ]

و قتل النفس بغير حقّ أو العمل بالمعاصي و الظلم على النّاس . و الآية لمّا كانت بعد قصّة قارون و قبله قصّة فرعون فقيل : العلوّ إشارة إلى كفر فرعون لقوله تعالى : « علا في الأرض » 90 و الفساد إلى بغي قارون لقوله تعالى : وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي اْلأَرْضِ 91 . ففي كلامه يحتمل كون الأوّل إشارة إلى الأوّلين ، و الثاني إلى الثالث ، أو الجميع إليهم جميعا ، أو إلى جميع من ذكر في الخطبة كما قيل .

« بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم ، و راقهم زبرجها » . و في رواية الشيخ : « بلى و اللّه لقد سمعوها و لكن راقتهم دنياهم ، و أعجبهم زبرجها » . « وعى الحديث » كرمى فهمه و حفظه . و « حلى فلان بعيني و في عيني » بالكسر ، إذا أعجبك ، و كذلك « حلى بالفتح يحلو حلاوة » . و « راقني الشي‏ء » أعجبني . و « الزبرج » الزينة من وشي أو جوهر أو نحو ذلك ، قال الجوهريّ : و يقال :

الذهب . و في النهاية : الزينة و الذهب و السحاب .

« أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لولا حضور الحاضر ، و قيام الحجّة بوجود النّاصر » . و في رواية الشيخ : « لولا حضور النّاصر ، و لزوم الحجّة ، و ما أخذ اللّه من أولياء الأمر » . « الفلق » الشقّ . و « برأ » أي خلق ، و قيل : قلّما يستعمل في غير الحيوان .

و « النّسمة » محرّكة ، الإنسان أو النفس و الروح ، و الظاهر أنّ المراد بفلق الحبّة شقّها و إخراج النّبات منها ، و قيل خلقهما ، و قيل : هو الشّقّ الّذي في الحبّ . و « حضور الحاضر » إمّا وجود من حضر للبيعة فما بعده كالتفسير له ، أو تحقّق البيعة على ما قيل ، أو حضوره سبحانه و علمه ، أو حضور الوقت الّذي وقّته الرّسول صلّى اللّه عليه و آله للقيام بالأمر .

« و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم » ، كلمة « ما » مصدريّة و الجملة في محلّ النصب لكونها مفعولا ل « أخذ » ، أو موصولة و العائد مقدّر و الجملة بيان لما أخذه اللّه بتقدير حرف الجرّ ، أو بدل منه ، أو عطف بيان له . و « العلماء »

-----------
( 90 ) القصص : 4 .

-----------
( 91 ) القصص : 77 .

[ 79 ]

إمّا الأئمّة عليهم السّلام أو الأعمّ فيدلّ على وجوب الحكم بين النّاس في زمان الغيبة لمن جمع الشرائط ، و في الاحتجاج : « على أولياء الأمر أن لا يقرّوا » و « المقارّة » على ما ذكره الجوهريّ أن تقرّ مع صاحبك و تسكن ، و قيل : إقرار كلّ واحد صاحبه على الأمر و تراضيهما به . و « الكظّة » ما يعتري الإنسان من الامتلاء من الطعام . و « السغب » بالتحريك ، الجوع .

« لألقيت حبلها على غاربها ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها » الضمائر راجعة إلى الخلافة . و « الغارب » ما بين السنام و العنق أو مقدّم السنام . و « إلقاء الحبل عليه » ترشيح لتشبيه الخلافة بالناقة الّتي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء و لا يبالي من يأخذها و ما يصيبها ، و ذكر الحبل تخييل . و « الكأس » إنآء فيه شراب أو مطلقا . و سقيها بكأس أوّلها تركها و الإعراض عنها لعدم النّاصر ، و قال بعض الشارحين : التّعبير بالكأس لوقوع النّاس بذلك الترك في حيرة تشبه السكر .

« و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز » . و في الاحتجاج :

« و لألفوا دنياهم أهون عندي » . قوله عليه السلام « ألفيتم » أي وجدتم ، و إضافة الدنيا إلى المخاطبين لتمكّنها في ضمائرهم و رغبتهم فيها ، و الإشارة للتحقير . و « الزهد » خلاف الرغبة ، و « الزهيد » القليل ، وصيغة التفضيل على الأوّل على خلاف القياس كأشهر و أشغل . و « العنز » بالفتح ، أنثى المعز ، و « عفطها » ما يخرج من أنفها عند النّثرة و هي منها شبه العطسة ، كذا قال بعض الشارحين . و أورد عليه أنّ المعروف في العنز النفطة بالنون و في النعجة العفطة بالعين ، صرّح به الجوهريّ و الخليل في العين ، و قال بعض الشارحين : العفطة من الشاة كالعطاس من الإنسان و هو غير معروف ، و قال ابن الأثير : أي ضرطة عنز .

« قالوا : و قام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ،

فناوله كتابا فأقبل ينظر فيه ، فلمّا فرغ من قراءته قال ابن عباس رحمة اللّه عليه : يا أمير المؤمنين لو أطردت مقالتك من حيث أفضيت . فقال له : هيهات يا بن عباس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت » . « أهل السواد » ساكنوا القرى ، و تسمّى القرى سوادا

[ 80 ]

لخضرتها بالزرع و الأشجار ، و العرب تسمّي الأخضر أسود . و « ناوله » أعطاه ، و يحتمل أن يكون « أطردت » على صيغة الخطاب من باب الإفعال ، و نصب المقالة على المفعوليّة أو على صيغة المؤنّث الغايب من باب الافتعال و رفع المقالة على الفاعليّة و الجزاء محذوف أي كان حسنا ، أو كلمة « لو » للتمنّي . و قد مرّ تفسير « الشّقشقة » بالكسر . و « هدير الجمل » ترديده الصوت في حنجرته و إسناده إلى الشّقشقة تجوّز . و « قرّت » أي سكنت ، و قيل : في الكلام إشعار بقلّة الاعتناء بمثل هذا الكلام إمّا لعدم التأثير في السامعين كما ينبغي ، أو لقلّة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنها سلطنة ، أو للإشعار بانقضاء مدّته عليه السلام فإنّها كانت في قرب شهادته عليه السلام ، أو لنوع من التقيّة ، أو لغيرها .

« قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على ذلك الكلام ألاّ يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد » ، « الأسف » بالتحريك ، أشدّ الحزن ، و الفعل كعلم ، و « قطّ » من الظروف الزمانيّة بمعنى أبدا .

و حكى ابن أبي الحديد عن ابن الخشّاب أنّه قال : لو سمعت ابن عبّاس يقول هذا لقلت له : و هل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه لتتأسّف ؟ و اللّه ما رجع عن الأوّلين و لا عن الآخرين . 92 أقول . إنّما أطنبت الكلام في شرح تلك الخطبة الجليلة لكثرة جدواها و قوّة الاحتجاج بها على المخالفين و شهرتها بين جميع المسلمين و إن لم نوفّ في كلّ فقرة حقّ شرحها حذرا من كثرة الإطناب و تعويلا على ما بيّنته في سائر الأبواب . 93

-----------
( 92 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 205 ، ط بيروت .

-----------
( 93 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، كتاب « الفتن و المحن » ، ص 154 ، ط تبريز .

[ 81 ]