بيان

94 : قوله عليه السلام : « و تسنّمتم العلياء » أي ركبتم سنامها ، و سنام

-----------
( 94 ) هذه الخطبة رواها من « الإرشاد » للمفيد رحمه اللّه و فسّره ثمّ قال : « و رواه في النهج بأدنى تغيير » ، و نحن نذكر ذلك التفسير في شرحنا هذا .

[ 82 ]

كلّ شي‏ء أعلاه ، أي بتلك الهداية على قدركم . « و بنا انفجرتم » و روي « أفجرتم » ،

قال ابن أبي الحديد : هو نحو « أغد البعير » أي صرتم ذوي فجر . 95 و « عن » للمجاوزة أي منتقلين عن السرار . و « السرار » الليلة و الليلتان يستر فيهما القمر في آخر الشهر . أقول :

و على الرواية الأخرى لعلّ المعنى : انفجرتم انفجار العين من الأرض أو الصبح من الليل .

« و قرسمع » دعاء على السمع الّذي لم يفقه كلام الداعي إلى اللّه بالثقل و الصمّ .

« كيف يراعي النّبأة » أي من أصمّته الصيحة القويّة فإنّه لم يسمع الصوت الضعيف ،

و المعنى : من لم ينتفع بالمواعظ الجليّة كيف ينتفع بالعبر الضعيفة ، و لعلّه كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى دعاء اللّه و رسوله . « ربط جنان » دعاء للقلوب الخائفة الوجلة الّتي لا تزال تخفق من خشية اللّه و الإشفاق من عذابه بالسكينة و الثبات و الاطمئنان ،

و التقدير : ربط جنان نفسه ، و من روى بضمّ الراء فالمعنى : ربط اللّه جنانا كانت كذلك و هو أظهر . « الخفقان » بالتحريك ، التحرّك و الاضطراب . « ما زلت أنتظربكم » الخطاب لبقيّة أصحاب الجمل أو مع المقتولين أو الأخير فقط و إضافة عواقب الغدر بيانيّة أولاميّة . و « التوسّم » التفرّس ، أي كنت أتفرّس منكم أنّكم ستغترّون بالشبه الباطلة .

« سترني عنكم جلباب الدين » أي الدين حال بينكم و بيني فلم تعرفوا ما أقوى عليه من الغلظة عليكم و قتلكم ، و سترني عن أعين قلوبكم ما وقفني عليه الدين من الرفق و الشفقة و سحب ذيل العفو على الجرائم ، و يحتمل أن يكون المعنى : إظهاركم شعار الإسلام عصمكم منّي مع علمي بنفاقكم فأجريتكم مجرى المخلصين ، و هذا أنسب بما رواه بعضهم « ستركم عنّي » . « و بصّرنيكم صدق النيّة » أي يجعلني بصيرا بكم إخلاصي للّه تعالى و به صارت مرآة نفسي صافية كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « المؤمن ينظر بنور اللّه » ، ذكره ابن ميثم 96 و الراونديّ . و يحتمل أن يكون المراد بصدق النيّة العلم الصادق الحاصل له عليه السلام بنفاقهم من العلامات كما

-----------
( 95 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 208 ، ط بيروت .

-----------
( 96 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 1 ، ص 273 ، ط بيروت .

[ 83 ]

قال اللّه تعالى : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ 97 . أي أنزلكم منزلة المخلصين لظاهر إسلامكم مع علمي واقعا بنفاقكم .

و قال الراونديّ رحمه اللّه : و يحتمل وجه آخر و هو أن يكون المعنى : إنّما أخفى رتبتي و منزلتي عليكم ما أنا متباطئة التخلّق بأخلاق الديانة و هو أنّه لا يعرّفهم نفسه لمفاخرها و مآثرها فيكون من باب قوله « إنّ هيهنا لعلما جمّا لو أصبت له حملة » ،

و على هذا يكون معناه : إنّكم إن قد صدقت نيّاتكم و نظرتم بعين صحيحة و أنصفتموني أبصرتم منزلتي .

« أقمت لكم على سنن الحقّ » أي قمت لكم على جادّة طريق الحقّ حيث يضلّ من تنكب عنه و لا دليل غيري ، و حيث تحتفرون الآبار لتحصيل الماء . « و لا تميهون » أي لا تجدون ماء . « اليوم أنطق لكم العجماء » كنّي بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة و ما حلّ لقوم فسقوا عن أمرربّهم و عمّا هو واضح من كمال فضله عليه السلام و عن حال الدين و مقتضى أوامر اللّه تعالى فإنّ هذه الأمور عجماء لا نطق لها مقالا ذات البيان حالا . و لمّا بينّها عليه السلام لهم و عرّفهم ما يقوله لسان حالها فكأنّه عليه السلام أنطقها لهم ، و قيل : « العجماء » صفة لمحذوف ، أي الكلمات العجماء ، و المراد بها ما في هذه الخطبة من الرموز الّتي لا نطق لها مع أنّها ذات بيان عند أولي الألباب . « عزب » أي بعد ، و يحتمل الإخبار و الدعاء . و « أوجس في نفسه خيفة » أضمر . « اليوم تواقفنا » أي أنا واقف على سبيل الحقّ و أنتم على الباطل .

« من وثق بماء » لعلّ المراد من كان على الحقّ و أيقن ذلك و اعتمد على ربّه لا يبالي بما وقع عليه كما أنّ من وثق بماء لم يفزعه عطشه .

و قال الشارحون : أي إن سكنتم إلى قولي و وثقتم به كنتم أبعد عن الضلال و أقرب الى اليقين .

و قال القطب الراونديّ رحمه اللّه : أخبرنا بهذه الخطبة جماعة عن جعفر الدوريستيّ ، عن أبيه محمّد بن العبّاس ، عن محمّد بن عليّ بن موسى ، عن محمّد بن

-----------
( 97 ) محمّد : 30 .

[ 84 ]

عليّ الاسترآباديّ ، عن عليّ بن محمّد بن سيّار ، عن أبيه ، عن الحسن العسكريّ ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام . 98