إيضاح

« فذمّتي بما أقول رهينة و أنا به زعيم » ، « الذمّة » العهد و الأمان و الضمان و الحرمة و الحقّ . أي حرمتي أو ضماني أو حقوقي عند اللّه مرهونة لحقّيّة ما أقوله .

قال في النهاية : و في حديث عليّ عليه السلام : « ذمّتي رهينة و أنابه زعيم » أي ضماني و عهدي رهن في الوفاء به . و قال : « الزعيم » الكفيل . « إنّه لا يهيج على التقوى زرع قوم » ، قال الجزريّ : « هاج النبت هياجا » أي يبس و اصفّر ، و منه حديث عليّ عليه السلام : لا يهيج على التقوى زرع قوم . أراد من عمل للّه عملا لم يفسد عمله و لا يبطل كما يهيج الزرع فيهلك . « و لا يظمأ عنه سنخ أصل » ، « الظمأ » شدّة العطش ،

قال الجزريّ : و في حديث عليّ عليه السلام : « و لا يظمأ على التقوى سنخ أصل » السنخ و الأصل واحد فلمّا اختلف اللّفظان أضاف أحدهما إلى الآخر .

أقول : الفقرتان متقاربتان في المعنى ، و يحتمل أن يكون المراد بهما عدم فوت المنافع الدنيويّة أيضا بالتقوى ، و يحتمل أن يراد بإحداهما إحداهما و بالأخرى الأخرى . و في نهج البلاغة : « لا يهلك على التقوى سنخ أصل ، و لا يظمأ عليها زرع قوم » .

« و إنّ الخير كلّه فيمن عرف قدره » قال ابن ميثم : أي مقداره و منزلته بالنسبة إلى مخلوقات اللّه تعالى و أنّه أيّ شي‏ء منها ، و لأيّ شي‏ء خلق ، و ما طوره المرسوم له في كتاب ربّه و سنن أنبيائه .

« جائر عن قصد السبيل » ، « الجائر » الضالّ عن الطريق ، و « القصد » استقامة الطريق و وسطه ، و في بعض نسخ الكافي : « حائر » بالحاء المهملة من الحيرة . « مشغوف بكلام بدعة » ، قال الجوهريّ : « الشغاف » غلاف القلب و هو جلدة دون الحجاب ،

[ 99 ]

يقال : « شغفه الحبّ » أي بلغ شغافه . « قد لهج فيها بالصوم و الصلاة » ، قال الجوهريّ :

« اللّهج بالشي‏ء » الولوع به ، و ضمير فيها راجع إلى البدعة أي هو حريص في مبتدعات الصلاة و الصوم ، و « فيها » غير موجود في الكافي . « ضالّ عن هدى من كان قبله » هدى بضمّ الهاء و فتح الدال أو فتح الهاء و سكون الدال . و في النهج بعد ذلك : مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد وفاته . و في الكافي : و بعد موته .

« رهين بخطيئته » أي هو مرهون بها ، قال المطرزيّ : « هورهين بكذا » أي مأخوذبه . « قد قمش جهلا في جهّال » . و في الكتابين : و رجل قمش جهلا . و « القمش » جمع الشي‏ء المتفرّق . « غشوه » أي أحاطوا به و ليس فيهما . « غارّ بأغباش الفتنة » ، قال الجوهريّ : « الغبش » ظلمة آخر اللّيل و الجمع « أغباش » أي غفل و انخدع و اغترّ بسبب ظلمة الفتن و الجهالات أو فيها . « و لم يغن فيه يوما سالما » ، قال الجزريّ : و في حديث عليّ عليه السلام : « و رجل سمّاه الناس عالما و لم يغن في العلم يوما تامّا » من قولك « غنيت بالمكان أغني » إذا أقمت به . انتهى .

قوله « سالما » أي من النقص بأن يكون نعتا لليوم ، أو سالما من الجهل بأن يكون حالا عن ضمير الفاعل . « بكّر فاستكثر ممّا قلّ منه خير ممّا كثر » أي خرج في الطلب بكرة ، كناية عن شدّة طلبه و اهتمامه في كلّ يوم أو في أوّل العمر و ابتداء الطلب ، و « ما » موصولة ، و هي مع صلتها صفة لمحذوف أي من شي‏ء ما قلّ منه خير ممّا كثر ،

و يحتمل أن تكون « ما » مصدريّة أيضا و قيل : « قلّ » مبتدأ بتقدير « أن » و « خير » خبره ، كقولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، و المراد بذلك الشي‏ء إمّا الشبهات المضلّة و الآراء الفاسدة و العقائد الباطلة ، أو زهرات الدنيا . « حتّى إذا ارتوى من آجن » ، « الآجن » الماء المتعفّن المتغيّر ، استعير للآراء الباطلة و الأهواء الفاسدة .

« و استكثر من غير طائل » ، قال الجوهريّ : « هذا أمر لا طائل فيه » إذا لم يكن فيه غناء و مزيّة .

و ان نزلت به إحدى الملهمّات و في الكتابين : المبهمات هيّأ لها حشوا » أي كثيرا لا فائدة فيها . « ثمّ قطع عليه » أي جزم به . « فهو من لبس الشبهات في مثل غزل

[ 100 ]

العنكبوت » ، قال ابن ميثم : وجه هذا التمثيل أنّ الشبهات الّتي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حلّ قضية مبهمة تكثر فتلتبس على ذهنه وجه الحقّ منها فلا يهتدي له لضعف ذهنه ، فتلك الشبهات في الوهاء تشبه نسج العنكبوت و ذهنه فيها يشبه لذباب الواقع فيه ، فكمالا يتمكّن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه كذلك ذهن هذا الرجل لا يقدر على التخلّص من تلك الشبهات .

أقول : و يحتمل أيضا أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها و ظهور بطلانها ، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلّص منها لجهلهم وضعف يقينهم ، و الأوّل أنسب بما بعده .

« لا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهبا » أي أنّه لوفور جهله يظنّ أنّه بلغ غاية العلم فلبس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد مذهب و موضع تفكّر . « فهو خائض عشوات » أي يخوض و يدخل في ظلمات الجهالات و الفتن . « خبّاط جهالات » ، « الخبط » المشي على غير استواء ، أي خبّاط في الجهالات أو بسببها . « و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع » كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعيّة و إحاطته بها ، يقال : « لم يعضّ فلان على الأمر الفلانيّ بضرس » إذا لم يحكمه . « يذري الروايات ذروالريح الهشيم » ، قال الفيروز آباديّ : « ذرت الريح الشي‏ء ذروا و أذرته و ذرّته » أطارته و أذهبته . و قال : « الهشيم » نبت يا بس متكسّر ، أو يابس كلّ كلاء و كلّ شجر ، و وجه التشبيه صدور فعل بلارويّة من غير أن يعود إلى الفاعل نفع و فائدة ، فإنّ هذا الرجل المتصفّح للروايات ليس له بصيرة بها و لا شعور بوجه العمل بها بل هو يمرّ على رواية بعد أخرى و يمشي عليها من غير فائدة ، كما أنّ الريح الّتي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها ، و لا يعود إليها من ذلك نفع و إنّما أتى الذر و مكان الإذراء لا تّحاد معنييهما . و في بعض الروايات : يذروا الرواية .

قال الجزريّ : يقال : « ذرته الريح و أذرته تذروه و تذريه » إذا أطارته ، و منه حديث عليّ عليه السلام : « يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم » أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت .

« تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء » . الظاهر أنّهما على المجاز ، و يحتمل

[ 101 ]

حذف المضاف أي أهل المواريث و أهل الدماء . « لا يسلم بإصدار ما عليه ورد » أي لا يسلم عن الخطأ في إرجاع ما عليه ورد من المسائل أي في جوابها . و في الكتابين :

« لامليّ و اللّه بإصدار ما عليه ورد » أي لا يستحقّ ذلك و لا يقوي عليه . قال الجزرىّ : « الملي‏ء » بالهمز ، الثقة الغنيّ و قد ملؤ فهو الملي‏ء بيّن الملآءة بالمدّ و قد أولع الناس بترك الهمزة و تشديد الياء و منه حديث عليّ عليه السلام : « لا مليّ و اللّه بإصدار ما ورد عليه » .

« و لا يندم على ما منه فرّط » أي لا يندم على ما قصّر فيه . و في الكافي : « و لا هو أهل لما منه فرط » بالتخفيف ، أي سبق على الناس و تقدّم عليهم بسببه من ادّعاء العلم ، و ليست هذه الفقرة أصلا في نهج البلاغة ، و قال ابن أبي الحديد : في كتاب ابن قتيبة : « و لا أهل لما فرط به » أي ليس بمستحقّ للمدح الّذي مدح به .

ثمّ اعلم أنّه على نسخة المنقول عنه جميع تلك الأوصاف لصنف واحد من الناس ، و على ما في الكتابين من زيادة : و رجل عند قوله : « قمش جهلا » ، فالفرق بين الرجلين إمّا بأن يكون المراد بالأوّل الضالّ في اصول العقائد كالمشبّهة و المجبرة ، و الثاني هو المتفقّه في فروع الشرعيّات و ليس بأهل لذلك ، أو بان يكون المراد بالأوّل من نصب نفسه لسائر مناصب الإفادة دون منصب القضاء ، و بالثاني من نصب نفسه له .

« فأين يتاه بكم » من « التيه » بمعنى التحيّر و الضلال ، أي أين يذهب الشيطان أو الناس بكم متحيّرين ؟ بل أين تذهبون ؟ إضراب عمّا يفهم سابقا من أنّ الداعي لهم على ذلك غيرهم ، و أنّهم مجبورون على ذلك ، أي بل أنتم باختياركم تذهبون عن الحقّ إلى الباطل . « يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة » ، « النسخ » الإزالة و التغيير ، أي كنتم في أصلاب من ركب سفينة نوح فأنزلتم عن تلك الأصلاب فاعتبروا بحال أجدادكم و تفكّروا في كيفيّة نجاتهم فإنّ مثل أهل البيت كمثل سفينة نوح .

و « تي » و « ذي » للإشارة إلى المؤنّث . « قسما حقّا » أي أقسم قسما حقّا . « و ما أنا من المتكلّفين » أي المتصنّعين بما لست من أهله ، و لست ممّن يدّعي الباطل و يقول الشي‏ء من غير حقيقة .

[ 102 ]

« إنّي تارك فيكم الثقلين » ، قال الجزريّ : فيه : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي سمّاهما ثقلين لأنّ الأخذبهما و العمل بهما ثقيل و يقال لكلّ خطير نفيس : ثقيل . فسمّا هما ثقلين إعظاما لقدرهما و تفخيما لشأنهما . « ما إن تمسّكتم بهما » بدل من الثقلين . « و إنّهما لن يفترقا » يدلّ على أنّ لفظ القرآن و معناه عندهم عليهم السّلام . 117 « ألا هذا » أي سبيل الحقّ الّذي أريتكموه « عذب فرات » أي شديد العذوبة ، و « هذا » أي سبيل الباطل الّذي حذّرتكموه « ملح اجاج » أي مالح شديد الملوحة و المرارة . 118