بيان

قال الشّرّاح : الكلام الّذي اعترضه الأشعث أنّه عليه السلام كان يذكر في خطبته أمر الحكمين فقام رجل من أصحابه و قال له : نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا به فماندري أيّ الأمرين أرشد ؟ فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى و قال : « هذا جزاء من ترك العقدة » و كان مراده عليه السلام : هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأي و الحزم ، فظنّ الأشعث أنّه عليه السلام أراد : هذا جزائي حيث تركت الحزم و الرأي . و قيل : كان مراده عليه السلام : هذا جزائي حيث وافقتكم على ما ألزمتموني من التحكيم ، و كان موافقته عليه السلام لهم خوفا منهم على أن يقتلوه فجهل الأشعث أو تجاهل أنّ المصلحة قد تترك لأمر أعظم منها فاعترضه .

قوله عليه السلام « حائك بن حائك » قيل : كان الأشعث و أبوه ينسجان برود اليمن ، و قيل : إنّه كان من أكابر كندة و أبناء ملوكها ، و إنّما عبّر عنه عليه السلام بذلك لأنّه إذا كان مشى يحرّك منكبيه و يفحج بين رجليه ، و هذه المشية تعرف بالحياكة ، و على هذا فلعلّ الأقرب أنّه كناية عن نقصان عقله . و ذكر ابن أبي الحديد أنّ أهل اليمن يعيرون بالحياكة و ليس هذا ممّا يخصّ الأشعث . 119 و أمّا التعبير بالحياكة فقيل : إنّه لنقصان عقولهم ، و قيل لأنّه مظنّة الخيانة و الكذب ، و يمكن أن يكون المراد بالحياكة نسج الكلام فيكون كناية عن كونه كذّابا

-----------
( 119 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 297 ، ط بيروت .

[ 105 ]

كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه ذكر عنده عليه السلام « أنّ الحائك ملعون » فقال : إنّما ذاك الّذي يحوك الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله .

قوله عليه السلام « لقد أسرك » إلى قوله « فما فداك » أي ما نجاك من الوقوع فيها مالك و لا حسبك ، و لم يردا الفداء الحقيقيّ فإنّ مرادا لمّا قتلت أباه خرج الأشعث طالبا بدمه فأسر ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير ، و هذا هو المراد بأسره في الكفر ،

و أمّا أسره في الإسلام فإنّه لمّا قبض رسول اللّه ارتدّ بحضر موت و منع أهلها تسليم الصدقة ، فبعث أبو بكر إليه زياد بن لبيد ثمّ اردفه بعكرمة بن أبي جهل في جمّ غفير من المسلمين فقاتلهم الأشعث بقبائل كندة قتالا شديدا ، فالتجأ بقومه إلى حصنهم ، و بلغ بهم جهد العطش فبعث إلى زياد يطلب منه الأمان لأهله و لبعض قومه و لم يطلبه لنفسه ، فلمّا نزل أسره زياد و بعث به مقيّدا إلى أبي بكر فأطلقه أبو بكر و زوّجه أخته أمّ فروة .

قوله عليه السلام « دلّ على قومه » ، قال ابن ميثم : إشارة إلى غدره بقومه ،

فإنّ الأشعث لمّا طلب الأمان من زياد طلبه لنفر يسير من وجوه قومه فظنّ الباقون أنّه طلبه لجميعهم فنزلوا على ذلك الظنّ ، فلمّا دخل زياد الحصن ذكروه الأمان فقال الأشعث : لم يطلب الأمان إلاّ العشرة من قومه فقتل منهم من قتل حتى وافاه كتاب أبي بكر بالكفّ عنهم و حملهم إليه ، فحملهم .

و قال ابن أبي الحديد 120 : فيما ذكره السيّد لم نعرف في التواريخ هذا و لا شبهه ، و أين كندة و اليمامة ؟ كندة باليمن و اليمامة لبني حنيفة ، و لا أعلم من أين نقله السيّد رضي اللّه عنه . 121

-----------
( 120 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 296 ، ط بيروت .

-----------
( 121 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 621 ، ط كمپاني و ص 571 ، ط تبريز .

[ 106 ]