بيان

قوله « قد ذمّر » يروى بالتخفيف و التشديد و أصله الحثّ و الترغيب .

و « الجلب » الجماعة من النّاس و غيرهم يجمع و يؤلّف . قوله عليه السلام « إلى أوطانه » يروى : « ليعود الجور إلى قطابه » . و « القطاب » مزاج الخمر بالماء ، أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان ، و يجوز أن يعنى بالقطاب قطاب الجيب و هو مدخل الرأس فيه ، أي ليعود الجور إلى لباسه و ثوبه . و « النصاب » الأصل . و الّذي أنكروه ، قتل عثمان . و « النّصف » بالكسر ، الاسم من الانصاف .

قوله عليه السلام « يرتضعون أمّا » أي يطلبون » الشي‏ء بعد فواته لأنّ الأم إذا فطمت ولدها فقد انقضى رضاعها ، و لعلّ المراد به أنّ طلبهم لدم عثمان لغولا فائدة فيه . و قال ابن ميثم : استعار لفظة الأمّ للخلافة فبيت المال لبنها ، و المسلمون أولادها المرتضعون ، و كنّى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه عليه السلام من الصلات و التفضيلات مثل ما كان عثمان يصلهم ، و كونها قد فطمت عن منعه عليه السلام .

و قوله عليه السلام « يحيون بدعة قد أميتت » إشارة إلى ذلك التفضيل فيكون بمنزلة التأكيد للقرينة السابقة ، و يحتمل أن يكون المراد بالأمّ الّتي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهليّة من الحميّة و الغضب و إثارة الفتن و بفطامها اندراسها بالإسلام فيكون ما بعده كالتفسير له . و النداء في قوله عليه السلام « يا خيبة الداعي » كالنداء في قوله تعالى : يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ 122 . أي يا خيبة احضري فهذا أوانك ، و الداعي هو أحد الثلاثة : طلحة و الزبير و عائشة . ثمّ قال على سبيل الاستحقار لهم : « من دعا ، و إلى مما أجيب » أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي و أقبح بالأمر الّذي أجابوه إليه فما أفحشه و أرذله . و قال الجوهريّ : « هبلته أمّه » بكسر الباء ، أي ثكلته ، و « الهبول من النساء » الثكول .

قوله عليه السلام « لقد كنت » قال ابن أبي الحديد : أي مازلت لا أهدّد بالحرب ، و الواوزائدة ، و هذه كلمة فصيحة كثيرا ما يستعملها العرب ، و قد ورد في القرآن

-----------
( 122 ) يس : 30 .

[ 109 ]

العزيز « كان » بمعنى « ما زال » في قوله وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . 123 أقول : قال ابن ميثم رحمه اللّه بعد إيراد تلك الفقرات : أكثر هذا الفصل من الخطبة الّتي ذكرنا أنّه عليه السلام خطبها حين بلغه أنّ الطلحة و الزبير خلعا بيعته ،

و فيه زيادة و نقصان و نحن نوردها بتمامها و هي بعد حمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله :

أيّها النّاس إنّ اللّه افترض الجهاد فعظّمه و جعله نصرته و ناصره ، و اللّه ما صلحت دين و لا دنيا إلاّ به ، و قد جمع الشيطان حزبه ، و استجلب خيله و من أطاعه ليعود له دينه و سنّته . و قد رأيت أمورا قد تمخّضت ، و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا ، و إنّهم ليطلبون حقّا تركوه ، و دما سفكوه . فإن كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم منه ، و إن كانوا لولوه دوني فما الطّلبة إلاّ قبلهم ، و إنّ أوّل عدلهم لعلى أنفسهم ، و لا أعتذر ممّا فعلت ، و لا أتبرّأ ممّا صنعت ، و إنّ معي لبصيرتي ، ما لبّست و لا لبّس عليّ ، و إنّها للفئة الباغية فيها الحمّ و الحمّة طالت جلبتها ، و انكفت جونتها ، ليعودنّ الباطل إلى نصابه . يا خيبة الدّاعي ، لو قيل : ما أنكر من ذلك ، و ما أمامه و فيمن سنّته ، و اللّه إذا لزاح الباطل عن نصابه و انقطع لسانه ، و ما أظنّ الطريق له فيه واضح حيث نهج ، و اللّه ما تاب من قتلوه قبل موته و لا تنصّل عن خطيئته و ما اعتذر إليهم فعذّروه ، و لا دعا فنصروه ، و أيم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بريّ و لا يعبّون حسوة أبدا ، و إنّها لطيّبة نفسي بحجّة اللّه عليهم و علمه فيهم ، و إنّي داعيهم فمعذّر إليهم ، فإن تابوا و قبلوا و أجابوا و أنابوا فالتوبة مبذولة و الحقّ مقبول و ليس عليّ كفيل ، و إن أبوا أعطيتهم حدّ السيف و كفى به شافيا من باطل و ناصر المؤمن ، و مع كلّ صحيفة شاهدها و كاتبها .

و اللّه إنّ الزبير و طلحة و عائشة ليعلمون أنّي على الحقّ و هم مبطلون .

و قال رحمه اللّه : « تمخّضت » تحرّكت . و « التّبعة » ما يلحق الإنسان من درك . و « الحمّ » بفتح الحاء و تشديد الميم ، بقيّة الالية الّتي اذيبت و أخذ دهنها . و

-----------
( 123 ) النساء : 17 .

[ 110 ]

« الحمة » السواد ، و هما استعارتان لأراذل النّاس و عوامهم لمشابهتهم حمّ الألية و ما اسودّ منها في قلّة المنفعة و الخير . و « الجلبة » الأصوات . و « جونتها » بالضمّ ، سوادها .

« و انكفت و استكفت » أي استدارت . و « زاح و انزاح » تنحّى . و « تنصّل من الذنب » تبرّأ منه . و « العبّ » الشرب من غير مصّ . و « الحسوة » بضمّ الحاء ، قدر ما يحسى مرّة واحدة . و « الجلاد » المضاربة بالسيف . و « الهبول » الثّكلى ، و « الهبل » الثّكل .

و اعلم أنّه عليه السلام نبّه أوّلا على فضل الجهاد لأنّ غرضه استفادهم لقتال أهل البصرة . و قوله « و قد رأيت أمورا » إشارة الى تعيين ما يستنفرهم إليه و هو ما يحسّ به من مخالفة القوم و رهبتهم لقتاله . و قوله « و اللّه ما أنكروا » إشارة إلى بطلان ما ادّعوه منكرا و نسبوه إليه من قتل عثمان و السكوت عن النكير على قاتليه ، فأنكر أوّلا إنكارهم عليه تخلّفه عن عثمان الّذي زعموا أنّه منكر و لمّا لم يكن منكرا كان ذلك الإنكار عليه هو المنكر .

و قوله « و إنّهم ليطلبون » إشارة إلى طلبهم لدم عثمان مع كونهم شركآء فيه .

روى الطبريّ في تاريخه أنّ عليّا عليه السلام كان في مال بخيبر لمّا أراد النّاس حصر عثمان فقدم المدينة و النّاس مجتمعون على طلحة في داره ، فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة ،

فقال : أنا أكفيكه ، فانطلق إلى دار طلحة و هي مملوءة بالنّاس ، فقال له : يا طلحة ما هذا الأمر الّذي صنعت بعثمان ؟ فقال طلحة : يا أبا الحسن أبعد أن مسّ الحزام الطّبيين فانصرف عليّ عليه السلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح ، فكسر الباب و فرّق ما فيه على النّاس ، فانصرفوا من عند طلحة حتّى بقي وحده ، فسّر عثمان بذلك ، و جاء طلحة إلى عثمان فقال له يا أمير المؤمنين إنّي أردت أمرا فحال اللّه بيني و بينه و قد جئتك تائبا فقال : و اللّه ما جئت تائبا و لكن جئت مغلوبا ، اللّه حسيبك يا طلحة .

و روى الطبريّ أيضا أنّه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما : قد تهيّأ مالك فاقبضه ، فقال : هو لك معونة على مروّتك . فلمّا حضر عثمان ، قال عليّ عليه السلام لطلحة : أنشدك اللّه أن لا كففت عن عثمان ، فقال : لا و اللّه حتّى

[ 111 ]

تعطي بتو أميّة الحقّ من أنفسها . فكان علىّ بعد ذلك يقول : لحا اللّه ابن الصعبة ، أعطاه عثمان ما أعطاه و فعل به ما فعل . و روي أنّ الزبير لمّا برزلعليّ عليه السلام يوم الجمل قال له : ما حملك يا أبا عبد اللّه على ما صنعت ؟ قال : أطلب بدم عثمان ، فقال له : أنت و طلحة ولّيتماه ، و إنّما توبتك من ذلك أن تقدّم نفسك و تسلّمها إلى ورثته . و بالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر .

قوله عليه السلام « و إنّ أوّل عدلهم » أي إنّ العدل الّذي يزعمون أنّهم يقيمونه في الدم المطلوب ينبغي أن يضعوه أوّلا على أنفسهم . قوله « و لا أعتذر » أي الاعتذار الّذي فعلته في وقت قتل عثمان لم يكن على وجه تقصير في الدين يوجب الاعتذار و التبرّء منه . و قوله « طالت جلبتها » كناية عمّا ظهر من القوم من تهديد هم و توعّدهم بالقتال . « و انكفت جونتها » أي استدار سوادها و اجتمع كناية عن تجمّع جماعتهم لما يقصدون . و قوله عليه السلام « ليعودنّ » توعّد لهم بعود ما كانوا عليه من الباطل في الجاهليّة ، و استفار إلى القتال . و قوله « يا خيبة الدّاعي » خرج مخرج التعجّب من عظم خيبة الدعاة إلى قتاله و من دعا . « و إلى ما أجيب » استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوّين لقتاله و النّاصرين إذ كانوا عوامّ النّاس و رعاعهم ،

و للمدعوّ إليه و هو الباطل الّذي دعوا لنصرته .

و قوله « لو قيل » إلى قوله « و انقطع لسانه » متّصلة معناه ، لو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاة إلى الباطل عمّا أنكروه من أمري و عن إمامهم الّذي به يقتدون و فيمن سنّتهم الّتي إليها يرجعون لشهد لسان حالهم بأنّي أنا إمامهم و في سنّتهم ، فانزاح باطلهم الّذي أتوابه ، و انقطع لسانه على الاستعارة ، أو بحذف المضاف ، أي لسان صاحبه . و قوله « و ما أظنّ » عطف على قوله « و انقطع لسانه » . و « واضح » مبتدأ و « فيه » خبره ، و الجملة في محلّ النصب مفعول ثان ل « أظنّ » ، أي ما أظنّ لوسأل السائل عن ذاك أنّ الطريق الّذي يرتكبه المجيب له فيه مجال بيّن و مسلك واضح حيث سلك بل كيف توجّه في الجواب انقطع . و قوله « و اللّه ما تاب » إلى قوله « فنصروه » إشارة إلى عثمان و ذمّ لهم من جهة طلبهم بدم من اعتذر إليهم قبل موته فلم يعذروه ، و دعاهم إلى نصرته في

[ 112 ]

حصاره فلم ينصروه مع تمكّنهم من ذلك . و قوله « و لا يعبّون حسوة » كناية عن عدم تمكينه لهم من هذا الأمر أو شي‏ء منه . و قوله « و إنّها لطيبة نفسي بحجة اللّه عليهم » نفسي منصوب بدلا من الضمير المتّصل بأن ، أو بإضمار فعل تفسيرا له . و « حجّة اللّه » إشارة إلى الأوامر الصادرة بقتل الفئة الباغية كقوله تعالى : « فقاتلوا الّتي تبغي » . 124 أي إنّي راض بقيام حجّة اللّه عليهم و علمه بما يصنعون . و قوله « و ليس عليّ كفيل » أي لا أحتاج فيما أبذله لهم من الصفح و الأمان على تقدير إنابتهم إلى ضامن . و « شافيا » و « ناصرا » منصوبان على التمييز . و قوله « و مع كلّ صحيفة » الواو للحال ، أي إنّهم إن لم يرجعوا أعطيتهم حدّ السيف ، و الملائكة الكرام الكاتبون يكتب كلّ منهم أعمال من و كلّ به في صحيفته و يشهد بها في محفل القيامة . 125 انتهى .

قوله « من اعتذر إليهم » الظاهر أنّه حمل الكلام على الاستفهام الإنكاريّ ، و يحتمل وجها آخر بأن يكون المراد نفي توبته و تنصّله و اعتذاره و دعوته فليستحقّ النصرة ، لكن ما ذكره أوفق بالأخبار . و الضمير في « أنّها » يحتمل أن يكون للقصّة .

أقول : قال ابن أبي الحديد : روى أبو مخنف عن مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس قال : لمّا رجعت رسل عليّ عليه السلام من عند طلحة و الزّبير و عائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله ثمّ قال :

أيّها النّاس إنّي قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا ، و وبختهم بنكثهم ،

و عرّفتهم بغيهم فلم يستحيوا ، و قد بعثوا إليّ أن أبرز للطّعان و أصبر للجلاد ، إنّما تمنّيك نفسك أمانيّ الباطل و تعدك الغرور ، ألا هبلتهم الهبول لقد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب ، و لقد أنصف القارة من راماها ، فليرعدوا و ليبرقوا فقد رأوني قديما و عرفوا نكايتي فقد [ فكيف خ ل ] رأوني أنا أبو الحسن الّذي فللت حدّ المشركين ، و فرّقت جماعتهم ، و بذلك القلب ألقى عدوّي اليوم و إنّي لعلى ما وعدني ربّي من النصر و التأييد و على يقين من أمري و في غير شبهة من ديني .

-----------
( 124 ) الحجرات : 9 .

-----------
( 125 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 1 ، ص 333 337 ، ط بيروت .

[ 113 ]

أيّها النّاس إنّ الموت لا يفوته المقيم ، و لا يعجزه الهارب ، ليس عن الموت محيد و لا محيص ، من لم يقتل مات ، إنّ أفضل الموت القتل ، و الّذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش . اللّهمّ إنّ طلحة نكث بيعتي و ألّب على عثمان حتّى قتله ثمّ عضهني به روماني . اللّهمّ فلا تمهله ، اللّهمّ إنّ الزّبير قطع رحمي و نكث بيعتي و ظاهر عليّ عدوّي فاكفينّه اليوم بما شئت .

قال : و روى أبو الحسن المدائنيّ عن عبد اللّه بن جنادة قال : قدمت من الحجاز أريد العراق في أوّل إمارة عليّ عليه السلام فمررت بمكّة فاعتمرت ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا نودي : الصلاة جامعة ،

فاجتمع النّاس و خرج عليّ عليه السلام متقلّدا سيفه ، فشخصت الأبصار نحوه ،

فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله ثمّ قال :

أمّا بعد ، فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه قلنا نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس ،

لا ينازعنا سلطانه أحد ، و لا يطمع في حقّنا طامع ، إذا تنزّى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا فصارت الإمرة لغيرنا ، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزّز علينا الذليل ،

فبكت الأعين منّا لذلك و خشنت الصدور و جزعت النفوس ، و أيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين و أن يعود الكفر و يبور الدين لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه ، فولّى الأمر ولاة لم يألوا النّاس خيرا ، ثمّ استخرجتموني أيّها النّاس من بيتي فبايعتموني على شين منّي لأمركم و فراسة تصدقني عمّا في قلوب كثير منكم ، و بايعني هذان الرجلان في أوّل من بايع تعلمون ذلك و قد نكثا و غدرا و نهضا إلى البصرة بعايشة ليفرّقا جماعتكم و يلقيا بأسكم بينكم ، اللّهمّ فخذهما بما عملا أخذة رابية و لا تنعش لهما صرعة ، و لا تقلّ لهما عثرة ، و لا تمهلهما فواقا فإنّهما يطلبان حقّا تركاه و دما سفكاه ، اللّهمّ إنّي أقتضيك و عدك فإنّك قلت و قولك الحقّ لمن بغى عليه لينصرنّه اللّه ، اللّهمّ فأنجزلي موعدك و لا تكلني إلى نفسي إنّك على كلّ شي‏ء قدير .

ثمّ نزل .

[ 114 ]

و روى الكلبيّ ، قال : لمّا أراد عليّ عليه السلام المسير إلى البصرة ، قام فخطب النّاس فقال بعد أن حمد اللّه و صلّى على رسوله :

إنّ اللّه لمّا قبض نبيّه استأثرت علينا قريش بالأمر و دفعتنا عن حقّ نحن أحق به من النّاس كافّة فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين و سفك دمائهم ، و النّاس حديثوا عهد بالإسلام ، و الدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى و هن و يعكسه أقلّ خلق ، فولّى الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثمّ انتقلوا إلى دار الجزآء ، و اللّه وليّ تمحيص سيّئاتهم و العفو عن هفواتهم . فما بال طلحة و الزّبير و ليسا من هذا الأمر بسبيل لم يصبرا عليّ حولا و لا شهرا حتّى وثبا و مرقا و نازعاني أمرا لم يجعل اللّه لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أمّا قد فطمت و يحييان بدعة قد أميتت ، أدم عثمان زعما و اللّه ما التّبعة إلاّ عندهم و فيهم ، و إنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم و أناراض بحجّة اللّه عليهم و علمه فيهم ، فإن فاءا و أنابا فحظّهما أحرزا و أنفسهما غنما و أعظم بها غنيمة و إن أبيا أعطيتهما حدّ السيف و كفى به ناصرا لحقّ و شافيا من باطل .

ثمّ نزل .

و روى أبو مخنف عن زيدبن صوحان ، قال : شهدت عليّا عليه السلام بذي قار و هو معتمّ بعمامة سوداء ملتفّ بساج يخطب فقال في خطبته :

الحمد للّه على كلّ أمر و حال في الغدوّ و الآصال و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله ابتعته رحمة للعباد و حياة للبلاد حين امتلأت الأرض فتنة و اضطرب حبلها و عبد الشيطان في أكنافها و اشتمل عدوّ اللّه إبليس على عقائد أهلها فكان محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب الّذي أطفأ اللّه به نيرانها ، و أخمد به شرارها ، و نزع به أوتادها ،

و أقام به ميلها ، إمام الهدى النبيّ المصطفى صلّى اللّه عليه و آله فلقد صدع بما أمر به و بلّغ رسالات ربّه ، فأصلح اللّه به ذات البين ، و آمن به السبل ، و حقن به الدّماء ، و ألّف به بين ذي الضغائن الواغرة في الصدور حتّى أتاه اليقين ، ثمّ قبضه اللّه إليه حيمدا . ثمّ استخلف النّاس أبابكر فلم يأل جهده ، ثمّ استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ، ثمّ استخلف النّاس عثمان فنال منكم و نلتم منه حتّى إذا كان من أمره

[ 115 ]

ما كان أتيتموني لتبايعوني ، فقلت : لا حاجة لي في ذلك ، و دخلت منزلي ،

فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها ، و تداككتم عليّ حتّى ظننت أنّكم قاتلي و أنّ بعضكم قاتل بعض ، فبايعتموني و أنا غير مسرور بذلك و لا جذل ، و قد علم اللّه سبحانه أنّي كنت كارها للحكومة بين امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و لقد سمعته صلّى اللّه عليه و آله يقول : « ما من وال يلي شيئا من أمر امّتي إلاّ أتى به من يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق ثمّ ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا ، و إن كان جائرا هوى » . حتّى اجتمع عليّ ملأكم و بايعني طلحة و الزبير و أنا أعرف الغدر في أوجههما و النكث في أعينهما ، ثمّ استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليسا العمرة يريدان فسارا إلى مكّة و استخفّا عائشة و خدعاها و شخص معهما أبناء الطلقاء ، فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين و فعلوا المنكر ، و يا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر و عمر و بغيهما عليّ و هما يعلمان أنّي لست دون أحدهما ، و لو شئت أن أقول لقلت ، و لقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عنّي و خرجا يوهمان الطغام و الأعراب أنّهما يطلبان بدم عثمان ، و اللّه ما أنكرا عليّ منكرا و لا جعلا بيني و بينهم نصفا ، و إنّ دم عثمان لمعصوب بهما و مطلوب منهما ، يا خيبة الدّاعي إلام دعا و بماذا أجيب ؟ و اللّه إنّهما لعلى ضلالة صمّاء و جهالة عمياء ، و إنّ الشيطان قد ذمّر لهما حزبه و استجلب منهما خيله و رجله ليعيد الجور إلى أوطانه و يرد الباطل إلى نصابه .

ثمّ رفع يديه فقال :

اللّهمّ إن طلحة و الزبير قطعاني و ظلماني و ألّبا عنّي و فكثا بيعتي فاحلل ما عقدا و انكث ما أبرما و لا تغفر لهما أبدا ، و أرهما المساءة فيما عملا و أملا .

قال أبو مخنف : فقام إليه الأشتر فقال :

الحمد للّه الّذي منّ علينا فأفضل ، و أحسن إلينا فأجمل ، قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين و لقد أصبت و وفّقت و أنت ابن عمّ نبيّنا و صهره و وصيّه و أوّل مصدّق به

[ 116 ]

و مصلّ معه ، شهدت مشاهده كلّها فكان لك الفضل فيها على جميع الأمّة فمن اتّبعك أصاب حظّه و استبشر بفلجه ، و من عصاك و رغب عنك فإلى أمّه الهاوية . لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة و الزبير و عايشة علينا بمخيّل ، و لقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه ، و فارقا على غير حدث أحدثت و لاجور صنعت ، فإن زعما أنّهما يطلبان بدم عثمان فليقيّدا من أنفسهما فإنّهما أوّل من ألّب عليه و أغرى النّاس بدمه ، و أشهد اللّه لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقهما بعثمان ، فإنّ سيوفنا في عواتقنا و قلوبنا في صدورنا ، و نحن اليوم كما كنّا أمس .

ثمّ قعد . 126