بيان

قال ابن ميثم و غيره 142 : هذه الخطبة مشهورة ذكرها أبو العبّاس المبرّد و غيره ، و السبب المشهور لها أنّه ورد عليه من الأنبار فأخبره أنّ سفيان بن عوف الغامديّ قدورد في خيل معاوية إلى الأنبار و قتل عامله حسّان بن حسّان البكريّ ،

فصعد عليه السلام المنبر و خطب النّاس و قال :

إنّ أخاكم البكريّ قد أصيب بالأنبار ، فانتدبوا إليهم حتّى تلاقوهم ، فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا .

ثمّ سكت رجاء أن يجيبوه بشي‏ء ، فلمّا رأى صمتهم نزل و خرج يمشي راجلا حتّى أتى النخلية و النّاس يمشون خلفه حتّى أحاط به قوم من أشرافهم و قالوا : ترجع يا أمير المؤمنين و نحن نكفيك ، فقال ما تكفوني و لا تكفون أنفسكم ، فلم يزالوا به حتّى ردّوه إلى منزله ، فبعث سعيد بن قيس الهمد انيّ في ثمانية الآف في طلب سفيان فخرج حتّى

-----------
( 142 ) أشار العلاّمة بجميع الشارحين و المحدّثين ، منهم : ابن أبي الحديد في شرحه للنهج ، ج 2 ، ص 75 ، ط بيروت .

[ 129 ]

انتهى إلى أدانى أرض قنّسرين و رجع ، و كان عليه السلام في ذلك الوقت عليلا لا يقوى على القيام في النّاس بما يريده من القول فجلس بباب السّدّة الّتي تصل إلى المسجد و معه الحسن و الحسين عليهما السلام و عبد اللّه بن جعفر ، و دعا سعيدا مولاه فدفع إليه كتابا كتب فيه هذه الخطبة و أمره أن يقرأه على النّاس بحيث يسمع و يسمعونه . و في رواية المبرد : إنّه لمّا انتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار و قتل حسّان خرج مغضبا يجرّ رداءه حتّى أتى النخلية و معه الناس ، و رقار باوة من الأرض فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . 143 ثمّ ذكر الخطبة .

و لنرجع إلى الشرح و البيان .

قوله عليه السلام « باب من أبواب الجنّة » روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال : « للجنّة باب يقال له : باب المجاهدين ، يمضون إليه فإذا هو مفتوح و هم متقلّدون بسيوفهم و الجمع في الموقف و الملائكة ترحّب بهم » . و في في : « لخاصّة أوليائه ، و سوّغهم كرامة منه لهم ، و نعمة ذخرها ، و الجهاد لباس التّقوى » فقوله عليه السّلام « نعمة » عطف على « باب » أو على « كرامة » . قوله عليه السلام « و هو لباس التّقوى » أي به يتّقى في الدنيا من غلبة الأعادي و في الآخرة من النّار ، أو هو يدفع المضارّعن التقوى و يحرسها ، أو عن أهلها بحذف المضاف ، و كونه تأويلا لقوله تعالى : وَ لبَاسُ التَّقْوَى 144 ، يحتاج إلى تكلّف مّا . « و درع اللّه » أي درع جعلها اللّه لحفظ عباده و المراد درع الحديد ، و هي مؤنّثة و قد تذكّر « الحصينة » الواقية . و الجنّة بالضّم كلّ ما وقاك و استترت به . و « الوثيقة » المحكمة ، « فمن تركه » في في : « رغبة عنه » أي كراهة له بغير علّة . « لباس الذّلّ » الإضافة للبيان . قوله عليه السلام « و شمله البلاء » ربّما يقرأ بالتّاء و هي كساء تغطّى به ، و الفعل أظهر

-----------
( 143 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 2 ، ص 31 ، ط بيروت .

-----------
( 144 ) الأعراف : 26 .

[ 130 ]

كما هو المضبوط .

قوله عليه السلام « و ديّث بالصّغار » أي ذلّل كما مرّ ، « الصّغار » الذلّ و الضيم . و « القمآء » ممدودة ، الذلّ و الصّغار ، و رواه الرّاونديّ مقصورا و هو غير معروف . و في في : « القماءة » . قوله عليه السلام « و ضرب على قلبه بالإسداد » قال الفيروز آباديّ : « و ضربت عليه بالسّداد » سدّت عليه الطرق و عميت عليه مذاهبه ، و في بعض النسخ : « بالإسهاب » ، يقال : « أسهب الرجل » على البناء للمفعول ، إذا ذهب عقله من أذىّ يلحقه . « و أديل الحقّ منه » أي يغلب الحقّ عليه فيصيبه الوبال لترك الحقّ ، كقوله عليه السلام في الصحيفة « أدل لنا و لا تدل منّا » و « الا دالة » الغلبة . و الباء في قوله « بتضييع الجهاد » للسببيّة . و قال في النهاية في حديث عليّ عليه السلام : « من ترك الجهاد ألبسه اللّه الذّلّة » . « و سيم الخسف » ، « الخسف » النقصان و الهوان ، و أصله أن تحبس الدابّة على غير علف ، ثمّ استعير لموضع الهوان . 145 و « سيم » كلّف و ألزم . « و منع النصف » أي لا يتمكّن من الانتصاف و الانتقام . و « عقر الشي‏ء » أصله و وسطه . و « تواكل القوم » اتّكل بعضهم على بعض 146 و ترك الأمر إليه . و « تخاذلوا » أي خذل بعضهم بعضا .

و « شنّت » أي فرّقت ، قال ابن أبي الحديد : ما كان من ذلك متفرّقا نحو إرسال الماء على الوجه دفعة بعد دفعة ، فهو بالشين المعجمة ، و ما كان إرسالا غير متفرّق فبالسّين المهملة . 147 و كلمة « على » في « ملكت عليكم » تفيد الاستعلاء بالقهر و الغلبة ، أي أخذوا الأوطان منكم بالقهر . و « أخوغامد » هو سفيان بن عوف الغامديّ . و « الأنبار » بلد قديم من بلاد العراق . و « حسّان » من أصحابه عليه السلام كان واليا عليه . و « المسالح » جمع المسلحة و هي الحدود الّتي يرتّب فيها ذو و الأسلحة لدفع العدوّ كالثّغر .

و « الحجل » بكسر الحاء و فتحها ، الخلخال . و « القلب » بالضّم ، السوار المصمت . و

-----------
( 145 ) في بعض النسخ : ثمّ استعير فوضع موضع الهوان .

-----------
( 146 ) في بعض النسخ : تكل بعضهم بعضا .

-----------
( 147 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 2 ، ص 78 ، ط بيروت .

[ 131 ]

« الرعاث » جمع « رعثة » ، بفتح الرّاء و سكون العين و فتحها ، و هي القرط ، و الرعاث أيضا ضرب من الحليّ و الخرز . و « الاسترجاع » قول « إنّا للّه و إنّا إليه راجعون » ، و قيل : ترديد الصوت في البكاء . و « لاسترحام » مناشدة الرحم ، أي قول « أنشدك اللّه و الرحم » و قيل : طلب الرحم و هو بعيد . قوله عليه السلام « و افرين » أي تامّين ،

يقال : « و فرالشي‏ء » أي تمّ و « و فرت الشي‏ء » أي أتممته ، و في رواية المبرّد « موفورين » بمعناه . و « الكلم » الجراحة .

قوله عليه السلام « فيا عجبا » أصله يا عجبى ، أي احضرهنا أوانك ، و عجبا منصوب بالمصدريّة ، أي أيّها النّاس تعجّبوا منهم عجبا . و القسم معترض بين الصفة و الموصوف . و « التّرح » محرّكة ، ضدّ الفرح . و « حمارّة القيظ » بتشديد الرّاء ، شدّة حرّه ، و ربّما خفّفت للضرورة في الشعر . و « صبارّة الشّتاء » بتشديد الرّاء ، شدّة برده . و في القاموس : « تسبّخ الحرّ » فتر و سكن ، كسبّخ تسبيخا . و « الحلوم » جمع « الحلم » بالكسر و هو الأناة و العقل . و « ربّات الحجال » النّساء ، أي صواحبها أو اللّلاتي ربّين فيها . و في بعض النسخ بنصب الحلوم و العقول ، ففي الكلام تقدير ، أي ياذوي حلوم الأطفال و ذوي عقول النساء ، و في بعضها بضمّها ، أي حلومكم حلوم الأطفال ، و عقولكم عقول النساء .

قوله عليه السلام « معرفة » يمكن أن يكون فعله محذوفا أي عرفتكم معرفة .

« أعقبت ذمّا » أي ذمّي إيّاكم و إيّاها . و في بعض النسخ : « سدما » و هو بالتحريك الهمّ أو مع ندم أو غيظ . و « مقاتلة اللّه » كناية عن اللعن و الإبعاد . و « القيح » الصديد بلادم . قوله عليه السلام « و شحنتم » أي ملأتم . و « النغب » جمع « نغبة » و هي الجرعة . و « التهمام » بفتح التاء ، الهمّ . « أنفاسا » أي جرعة جرعة . قوله عليه السلام « للّه أبوهم » كلمة مدح و لعلّها استعملت هنا للتعجّب . و « المراس » بالكسر ، العلاج . و الضمائر الثلاثة للحرب ، و هي مؤنثة و قد يذكّر . قوله عليه السلام « ذرّفت » بتشديد الراء ، أي زدت . 148

-----------
( 148 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 682 ، ط كمپاني و ص 631 ، ط تبريز .

[ 132 ]