28 و من خطبة له عليه السلام

و هو فصل من الخطبة التي أولها « الحمد للّه غير مقنوط من رحمته » و فيه أحد عشر تنبيها أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا أدبرت ، و آذنت ( 356 ) بوداع ، و إنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطّلاع ( 357 ) ، ألا و إنّ اليوم المضمار ( 358 ) ، و غدا السّباق ، و السّبقة الجنّة ( 359 ) ، و الغاية النّار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ( 360 ) ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ( 361 ) ألا و إنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ، و لم يضرره أجله . و من قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله ، و ضرّه أجله . ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ( 362 ) ، ألا و إنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، و لا كالنّار نام هاربها ، ألا و إنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، و من لا يستقيم به الهدى ، يجرّ به الضّلال إلى الرّدى . ألا و إنّكم قد أمرتم بالظّعن ( 363 ) ، و دللتم على الزّاد ، و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتّباع الهوى ، و طول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم ( 364 ) غدا . قال السيد الشريف رضي اللّه عنه و أقول : إنّه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، و يضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، و كفى به قاطعا لعلائق الآمال ،

[ 133 ]

و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار ، و من أعجبه قوله عليه السلام : « ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق ، و السّبقة الجنّة و الغاية النّار » فإن فيه مع فخامة اللفظ ، و عظم قدر المعنى ، و صادق التمثيل ، و واقع التشبيه سرّا عجيبا ، و معنى لطيفا ، و هو قوله عليه السلام : « السّبقة الجنّة ، و الغاية النّار » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، و لم يقل : « السّبقة النّار » كما قال : « السّبقة الجنّة » ، لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، و غرض مطلوب ، و هذه صفة الجنة و ليس هذا المعنى موجودا في النار ، نعوذ باللّه منها فلم يجز أن يقول : « و السّبقة النّار » بل قال : « و الغاية النّار » : لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، و من يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ،

فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل ، قال اللّه تعالى : « قل تمتّعوا فإنّ مصيركم إلى النّار » و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم بسكون الباء إلى النار ، فتأمل ذلك ،

فباطنه عجيب ، و غوره بعيد لطيف . و كذلك أكثر كلامه عليه السلام . و في بعض النسخ :

و قد جاء في رواية أخرى « و السّبقة الجنة » بضم السين و السّبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض ، و المعنيان متقاربان ، لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .