بيان

جرير بن عبد اللّه البجليّ كان عاملا لعثمان على ثغر همدان فلمّا صار الأمر إليه طلبه فأجاب بالسمع و الطّاعة و قدم إليه عليه السلام فأرسله إلى معاوية .

و روي أنّه عليه السلام لمّا أراد بعثه قال جرير : و اللّه يا أمير المؤمنين ما أدّخرك من نصرتي شيئا و ما أطمع لك في معاوية ، فقال عليه السلام : قصدي حجّة أقيمها .

ثمّ كتب معه :

فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام . . .

إلى آخرما مرّ برواية نصر بن مزاحم . 183 فأجابه معاوية :

أمّا بعد ، فلعمري لو بايعك القوم الّذي بايعوك و أنت بري‏ء من دم عثمان كنت كأبي بكر و عمر و عثمان ، و لكنّك أغريت بعثمان و خذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعيف ، و قد أبي أهل الشّام إلاّ قتالك حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، و لعمري ما حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير لأنّهما بايعاك و لم أبايعك ، و لا حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة لأنّهم أطاعوك و لم يطعك أهل الشّام ، فأمّا شرفك في الإسلام و قرابتك من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و موضعك من قريش فلست أدفعه .

و كتب في آخر الكتاب قصيدة كعب بن جعيل :

أرى الشام يكره أهل العراق
و أهل العراق لها كارهونا

و يروى أنّ الكتاب الّذي كتبه عليه السلام مع جرير كانت صورته :

إنّي قد عزلتك ففوّض الأمر إلى جرير ، و السلام .

و قال لجرير : « صن نفسك عن خداعه ، فإن سلّم إليك الأمر و توجّه إليّ فأقم أنت بالشام ، و إن تعلّل بشي‏ء فارجع » . فلمّا عرض جرير الكتاب على معاوية تعلّل بمشاورة أهل الشام و غير ذلك فرجع جرير .

-----------
( 183 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 3 ، ص 70 91 .

[ 163 ]

فكتب معاوية في إثره في ظهر كتاب عليّ عليه السلام :

من ولاّك حتّي تعزلني ؟ و السلام .

و يقال : أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه .

و المراد بالخير الطاعة ، و « الأناة » كالقناة اسم من التّأني . و « أرودوا » علي صيغة الإفعال ، أي ارفقوا . و « الإعداد » التهيّة كالاستعداد ، و ربّما يتوهّم التنافي بين ذكر مفسدة الاستعداد أوّلا و عدم كراهة الإعداد ثانيا ، و دفع بوجوه :

منها : أنّه كره استعداد نفسه بجمع العسكر و عرضهم و تحريصهم على القتال دون إعداد أصحابه بإصلاح كلّ منهم فرسه و أسلحته .

و منها : أنّ المكره إظهار الإعداد دون الإعداد سرّا . و تركنا بعض الوجوه لوهنها .

و « ضرب الأنف و العين » مثل للعرب يراد منه الاستقصاء في البحث و التأمّل . و « قلب الظهر و البطن » التأمّل في ظاهر الأمر و باطنه . و إطلاق الكفر هنا على المبالغة ، أو بالمعنى الّذي يطلق على ترك الفرائض و فعل الكبائر كما سيأتي في أبواب الإيمان و الكفر . و يحتمل على بعد اختصاص ذلك بالإمام .

و المراد بالوالي عثمان ، و بالأحداث البدع و الأمور المنكّرة . و « أوجد النّاس مقالا » أي أبدى لهم طريقا إليه بأحداثه ، و تفسير « أوجد » ههنا بأغضب كما قيل غريب . و « نقموا » كضربوا أي عتبوا و طعنوا عليه . 184