بيان

أقول : قد مضى هذا الكلام و مضت قصّته في أبواب أحوال الخوارج . و قال الشرّاح : « بنوناجية » ينسبون أنفسهم إلى قريش ، و قريش تدفعهم عنه و ينسبونهم إلى ناجية و هي أمّهم ، و قد عدّوا من المبغضين لعليّ عليه السلام ، و اختلفت الرواية في سبيهم ، ففي بعضها أنّه لمّا انقضى أمر الجمل دخل أهل البصرة في الطاعة غير بني ناجية ، فبعث إليهم عليّ عليه السلام رجلا من الصحابة في خيل ليقاتلهم ، فأتاهم و قال لهم : مالكم عسكرتم و قد دخل في الطاعة غيركم ؟

فافترقوا ثلاث فرق :

فرقة قالوا : كنّا نصارى فأسلمنا و نبايع ، فأمرهم ، فاعتزلوا .

و فرقة قالوا : كنّا نصارى فلم نسلم و خرجنا مع القوم الّذين كانوا خرجوا ،

قهرونا فأخرجونا كرها فخرجنا معهم ، فهزموا فنحن ندخل فيما دخل الناس فيه و نعطيكم الجزية كما أعطيناهم ، فقال : اعتزلوا فاعتزلوا .

و فرقة قالوا : كنّا نصارى فأسلمنا و لم يعجبنا الإسلام فرجعنا فنعطيكم الجزية كالنصارى ، فقال لهم : توبوا و ارجعوا إلى الإسلام فأبوا ، فقاتل مقاتلهم و سبى ذراريهم ، فقدم بهم على أمير المؤمنين . 185 و في بعضها : أنّ أميرا من قبل عليّ عليه السلام كان معقل بن قيس ، و لمّا انقضى أمر الحرب لم يقتل من المرتدّين من بني ناجية إلاّ رجلا واحدا ، و رجع الباقون إلى الإسلام ، و استرقّ من النصارى منهم الّذين ساعدوا في الحرب و شهروا السيف على جيش الإمام ، ثمّ أقبل بالأسارى حتّى مرّعلى مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ و هو عامل لعليّ عليه السلام على أردشير خرّة و هم خمسمائة إنسان ، فبكت إليه النساء

-----------
( 185 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 3 ، ص 127 ، ط بيروت .

[ 165 ]

و الصبيان و تصايح الرجال و سألوا أن يشتريهم و يعتقهم ، فابتاعهم بخمسمائة ألف درهم ، فأرسل إليه أمير المؤمنين عليه السلام أبا حرّة الحنفيّ ليأخذ منه المال فأدّى إليه مائتي ألف درهم و عجز عن الباقي ، فهرب إلى معاوية ، فقيل له عليه السلام :

اردد الأسارى في الرقّ فقال : ليس ذلك في القضآء بحقّ ، قد عتقوا إذ أعتقهم الّذي اشتراهم ، و صار مالي دينا عليه . 186 أقول : فعلى الرواية الأولى كانوا من المرتدّين عن الإسلام و لا يجوز سبي ذراريهم عندنا و عند الجمهور أيضا إلاّ أنّ أبا حنيفة قال بجواز استراقاق المرأة المرتدّة إذا ألحقت بدار الحرب ، و أيضا ما فيها من أنّه قدم بالأسارى إلى عليّ عليه السلام يخالف المشهور من اشتراء مصقلة عن عرض الطريق ، و قد قال بعض الأصحاب بجواز سبي البغاة إلاّ أنّ الظّاهر أنّه مع إظهار الكفر و الارتداد لا يبقى حكم البغي ، و الصحيح ما في الرواية الثانية من أنّ الأسارى كانت من النصارى .

و « خاس به » أي غدر و خان ، و « خاس بالوعد » أي أخلف . و « قبّحه اللّه » أي نحّاه عن الخير . و « السّادة » جمع السيّد ، و يطلق على الربّ و المالك و الشريف و الفاضل و الكريم و الحليم و متحمّل الأذى من قومه و الرئيس و المقدّم .

قوله عليه السلام « حتّى أسكته » قيل : كلمة « حتّى » تحتمل أن تكون بمعنى اللام ، أي أنّه لم ينطق مادحه ليقصد إسكاته بهربه ، فإنّ إسكاته لو قصد لا يتصوّر إلاّ بعد إنطاقه و هو لم يتمّم فعله الّذي يطلب به إنطاق مادحه فكيف يقصد إسكاته بهربه ؟ و يحتمل أن يكون المراد أنّه لسرعة اتّباعه الفضيلة بالرذيلة كأنّه جمع بين غايتين متنافيتين .

و « التبكيت » التقريع و التعنيف و التوبيخ و استقبال الرجل بما يكره . و « الميسور » ما تيسّر ، و قيل : مصدر على مفعول ، و قيل : الغنى و السعة . و « الوفور » بالضّم ، مصدر « وفر المال » ككرم و وعد أي تمّ و زاد ، و في بعض النسخ : « موفورة » و هو الشي‏ء التامّ ، أي انتظرنا حصول الموفور في يده ، و الغرض دفع عذره في الهرب و هو توهّم التشديد عليه . 187

-----------
( 186 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 3 ، ص 136 ، ط بيروت .

-----------
( 187 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 677 ، ط كمپاني و ص 625 ، ط تبريز .

[ 166 ]