أقول

قال ابن أبي الحديد : « مندحق البطن » بارزها ، و « الدحوق من النوق » الّتي يخرج رحمها بعد الولادة . و « سيظهر » سيغلب . و « رحب البلعوم » واسعه . و كثير من الناس يذهب إلى أنّه عليه السلام عنى زيادا ، و كثير منهم يقول : إنّه عنى الحجّاج ، و قال قوم : إنّه عنى المغيره بن شعبة ، و الأشبه عندي أنّه عنى معاوية لأنّه كان

-----------
( 202 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 506 ، ط كمپاني و ص 470 ، ط تبريز .

[ 179 ]

موصوفا بالنهم و كثرة الأكل و كان بطنا . 203 ثمّ قال : و روى صاحب كتاب الغارات عن يوسف بن كليب المسعوديّ ، عن يحيى بن سليمان العدويّ 204 عن أبي مريم الأنصاري عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام ، قال : خطب عليّ عليه السلام على منبر الكوفة فقال :

سيعرض عليكم سبّي و ستذبحون عليه ، فإن عرض عليكم سبّي فسبّوني و إن عرض عليكم البراءة منّي فإنّي على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله .

و لم يقل : فلا تبرّؤوا منّي .

و قال أيضا : حدّثني أحمد بن المفضل عن الحسن بن صالح عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال : قال عليّ عليه السلام : ليذبحنّ 205 على سبّي و أشار بيده إلى حلقه ثمّ قال : فإن أمروكم بسبّي فسبّوني و إن أمروكم أن تتبرّؤوا 206 منّي فإنّي على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و لم ينههم عن إظهار البراءة . ثمّ قال : إنّه أباح لهم سبّه عند الإكراه لأنّ اللّه تعالى قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر فقال [ اللّه ] : إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِاْلإيمانِ 207 . و أمّا قوله « فإنّه لي زكاة و لكم نجاة » فمعناه أنّكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك ، و معنى الزكاة يحتمل أمرين : أحدهما ماورد في الأخبار النبويّة أنّ سبّ المؤمن زكاة له و زيادة في حسناته ، الثاني أن يريد أنّ سبّهم لي لا ينقص في الدنيا من قدري بل أزيد به شرفا و علوّ قدر و شياع ذكر ، فالزكاة بمعنى النماء و الزيادة .

فان قيل : فأيّ فرق بين السبّ و البراءة و كيف أجاز لهم السبّ و منعهم من التبرّي 208 و السبّ أفحش من التبرّي ؟

فالجواب : أمّا الّذي يقوله أصحابنا في ذلك فإنّه لا فرق عندهم بين السبّ و

-----------
( 203 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 57 ، ط بيروت .

-----------
( 204 ) في المصدر : العبدي .

-----------
( 205 ) في المصدر : و اللّه لتذبحنّ .

-----------
( 206 ) في المصدر : أن تبرؤوا .

-----------
( 207 ) النحل : 106 .

-----------
( 208 ) في المصدر : عن التبرّي .

[ 180 ]

التبرّي منه في أنّ كلاّ منهما فسق و حرام و كبيرة و أنّ المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف ، و يجوز أن لا يفعلهما و إن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين كما يجوز له أن يسلّم نفسه للقتل و لا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين ، و إنّما استفحش عليه السلام البراءة لأنّ هذه اللّفظة ما وردت في القرآن العزيز إلاّ من المشركين ألا ترى إلى قوله تعالى : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِه إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . 209 و قال اللّه تعالى أَنَّ اللَهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولْهُ . 210 فقد صارت بحكم العرف الشرعيّ مطلقة على المشركين خاصّة ، فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة على ترحيم لفظ السبّ و إن كان حكمهما واحدا ، أ لا ترى أنّ إلقاء المصحف في العذرة 211 أفحش من إلقائه في دنّ الشراب و إن كانا جميعا محرّمين و كان حكمهما واحدا ، فأمّا الاماميّة فتروي عنه أنّه قال : « إذا عرضتم على البراءة منّا فمدّوا الأعناق » . و يقولون : إنّه لا يجوز التبرّي عنه و إن كان الحالف صادقا و أنّ عليه الكفّارة و يقولون : إنّ للبراءة من اللّه و من الرسول و من إحدى الأئمّة حكما واحدا و يقولون : الاكراه على السّب يبيح إظهاره و لا يجوز الاستسلام للقتل و يجوز أن يظهر التبرّي [ 212 ] ، و الأولى أن يستسلم للقتل .

فإن قيل : كيف علّل نهيه لهم من البراءة منه بقوله « فإنّي ولدت على الفطرة » فإنّ هذا التعليل لا يختصّ به لأنّ كلّ ولديولد على الفطرة و إنّما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه ؟

و الجواب أنّه علّل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور و هو كونه ولد على الفطرة و سبق إلى الإيمان و الهجرة ، و لم يعلّل بآحاد هذا المجموع و مراده هنا بالولادة على الفطرة أنّه لم يولد في الجاهليّة لأنّه ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل ، و النبيّ ارسل لأربعين مضت من عام الفيل ، و قد جاء في الأخبار الصحيحة أنّه مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد ، و كان ذلك إرهاصا

-----------
( 209 ) التوبة : 1 .

-----------
( 210 ) التوبة : 3 .

-----------
( 211 ) في المصدر : في القذر .

[ 212 ] في المصدر : و أمّا الإكراه على البراءة فإنّه يجوز معه الاستسلام للقتل و يجوز أن يظهر التبرّي .

[ 181 ]

لرسالته [ 213 ] فحكم تلك السنين العشر حكم أيّام رسالته صلّى اللّه عليه و آله فالمولود فيها إذا كان في حجره و هو المتولّي لتربيته مولود في أيّام كأيّام النبوّة و ليس بمولود في جاهليّة محضة ، ففارقت حاله حال من يدّعي له من الصحابة مماثلته في الفضل ،

و قد روي أنّ السنة الّتي ولد فيها هذه السنة الّتي بدي‏ء فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأسمع الهتاف من الأحجار و الأشجار و كشف عن بصره ، فشاهد أنوارا و أشخاصا و لم يخاطب منها 214 بشي‏ء ، و هذه السنة هي السنة الّتي ابتدأ فيها بالتبتّل و الانقطاع و العزلة في جبل حراء ، فلم يزل به حتّى كوشف بالرسالة و أنزل عليه الوحي ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يتيمّن بتلك السنة و بولادة عليّ عليه السلام فيها ، و يسمّيها سنة الخير و سنة البركة ، و قال لأهله ليلة ولادته و فيها شاهد ما شاهد من الكرامات و القدرة الالهيّة و لم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا :

« لقد ولدلنا 215 مولود يفتح اللّه علينا به أبوابا كثيرة من النعمة و الرحمة » . و كان كما قال صلوات اللّه عليه فإنّه كان ناصره و المحامي عنه و كاشف الغمّ عن وجهه ،

و بسيفه ثبت دين الإسلام و رست [ 216 ] دعائمه و تمهّدت قواعده .

و في المسألة تفصيل آخر و هو أن يعني بقوله « فإنّي ولدت على الفطرة » الّتي لم تتغيّر و لم تحل ، و ذلك أنّ معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله « كلّ مولود يولد على الفطرة » أنّ كلّ مولود فإنّ اللّه تعالى قدهيّأه بالعقل الّذي خلقه فيه و بصحّة الحواسّ و المشاعر لأن يتعلّم التوحيد و العدل ، و لم يجعل فيه مانعا يمنعه من ذلك و لكنّ التربية و العقيدة في الوالدين و الألف لاعتقادهما و حسن الظنّ فيهما يصدّه عمّا فطر عليه ،

و أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ولد على الفطرة الّتي لم تحل و لم يصدّ عن مقتضاها مانع لا من جانب الأبوين و لا من جهة غيرهما ، و غيره ولد على الفطرة و لكنّه حال عن مقتضاها و زال عن موجبها .

[ 213 ] « أرهص الحائط » بنى رهصه ، و هو أوّل من الطين الّذي يبنى عليه .

-----------
( 214 ) في المصدر : و لم يخاطب فيها .

-----------
( 215 ) في المصدر : لقد ولدلنا الليلة .

[ 216 ] « رسا الشي‏ء و أرسى » ثبت و رسخ .

[ 182 ]

و يمكن أن يفسّر أنّه أراد بالفطرة العصمة ، و إنّه منذولد لم يواقع قبيحا و لا كان كافرا طرفة عين ، و لا مخطئا و لا غالطا في شي‏ء من الأشياء المتعلّقة بالدين و هذا تفسير الإماميّة 217 انتهى كلامه .

و أقول : الأخبار في البراءة من طرق الخاصّة و العامّة مختلفة ، و الأظهر في الجمع بينها أن يقال بجواز التكلّم بها عند الضرورة الشديدة و جواز الإمتناع عنه و تحمّل ما تترتّب عليه ، و أمّا أنّ أيّهما أولى ففيه إشكال ، بل لا يبعد القول بذلك في السبّ أيضا .

و ذهب إلى ما ذكرناه في البراءة جماعة من علمائنا . و أمّا ما نسبه ابن أبي الحديد إليهم جميعا من تحريم القول بالبراءة فلعلّه اشتبه عليه ما ذكروه من تحريم الحلف بالبراءة اختيارا ، فإنّهم قطعوا بتحريم ذلك و إن كان صادقا ، و لا تعلّق له بأحكام المضطرّ .

و قال الشيخ الشهيد في قواعده : التقيّة تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة ،

فالواجب إذا علم أوظنّ نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين ، و المستحبّ إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا و يتوهّم ضررا آجلا أو ضررا سهلا ، أو كان تقيّة في المستحبّ كالترتيب في تسبيح الزهراء عليها السلام و ترك بعض فصول الأذان ، و المكروه التقيّة في المستحبّ حيث لا ضررعا جلا و لا آجلا ، و يخاف منه الالتباس على عوامّ المذهب . و الحرام التقيّة حيث يؤمن الضرر عاجلا و آجلا أو في قتل مسلم ، قال أبو جعفر عليه السلام : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقيّة » . و المباح لتقيّة في بعض المباحات الّتي رجّحها العامّة 218 و لا يصل بتركها ضرر . 219 ثم قال رحمه اللّه : التقيّة يبيح كلّ شي‏ء حتّى إظهار كلمة الكفر ،

و لو تركها حينئذ أثم إلاّ في هذا المقام و مقام التبرّي من أهل البيت عليهم السلام فإنّه لا يأثم بتركها بل صبره إمّا مباح أو مستحبّ ، و خصوصا إذا كان ممّن يقتدى به . 220

-----------
( 217 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 106 116 ، ط بيروت .

-----------
( 218 ) في المصدر : يرجّحها العامّة و في ( م ) و ( د ) : ريّجها العامّة .

-----------
( 219 ) في المصدر : و لا يصير تركها ضررا .

-----------
( 220 ) القواعد و الفوائد ، ص 261 .

[ 183 ]

و قال الشيخ أمين الدين الطبرسيّ : قال أصحابنا : التقيّة جائزة في الأحوال كلّها 221 عند الضرورة ، و ربما وجب فيها لضرب من اللّطف و الاستصلاح ، و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمن و لا فيما يعلم أو يغلب على الظنّ أنّه استفساد في الدين . قال المفيد رضي الله عنه : أنّها قد تجب أحيانا و تكون فرضا ، و تجوز أحيانا من غير وجوب ، و تكون في وقت أفضل من تركها ، و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوّا عنه متفضلا عليه بترك اللّوم عليها . و قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ رحمه اللّه : ظاهر الروايات يدلّ على أنّها واجبة عند الخوف على النفس ، و قد روي رخصته في جواز الإفصاح بالحقّ عنده . 222 انتهى .

أقول : سيأتي تمام القول في ذلك في باب التقية إن شاء اللّه تعالى . 223