إيضاح

قال بعض الشارحين : هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم الّذي كانت عشيّته ليلة الهرير في كثير من الروايات . و في رواية نصر بن مزاحم : أنّه خطب به أوّل أيّام الحرب بصفّين و ذلك في صفر من سنة سبع و ثلاثين 233 و « المعشر » الجماعة . و « استشعار الخشية » أن يجعلوا الخوف من اللّه عزّ و جلّ ملازما لهم كالشعار و هو من اللباس ما يلي شعر الجسد ، و يحتمل على بعد أن يراد به إخفاء الخوف عن العدوّ إذا لم يمكن سلبه عن النفس . و « الجلباب » بالكسر ،

القميص أو ثوب واسع للمرأة دون الملحقة ، أو الملحفة أو الخمار أو ثوب كالمقنعة تغطّي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها و « تجلبب » أي اتّخذ . و « السكينة » الوقار و التأنّي في الحركة و السير .

و « النواجذ » أقاصي الأضراس و هي أربعة بعد الأرحاء ، و قيل : هي الضواحك الّتي تبدو عند الضحك ، و قيل : أنياب ، و قيل : الّتي يليها ، و قيل : الأضراس كلّها .

« نبا السيف عن الضريبة » إذا لم يعمل فيها . و « الهام » جمع هامة و هي رأس كلّ شي‏ء . و الأمر إمّا محمول على الحقيقة لأنّ هذا العضّ تصلّب الأعصاب و العضلات فيكون تأثير السيف في الرأس أقلّ ، أو كناية عن شدّة الاهتمام بأمر الحرب ، أو الصبر و تسكين القلب و ترك الاضطراب فإنّه أشدّ إبعادا لسيف العدو عن الرأس و أقرب إلى النصر . و الضمير في قوله « و إنّه » يعود إلى المصدر الّذي دلّ عليه « عضّوا » كقولك : من أحسن كان خيرا له . و « اللأمة » بفتح اللام و الهمزة السّاكنة ، الدرع ، و قيل : جميع آلات الحرب و السلاح ، و « إكمال اللأمة » على الأوّلى أن يزاد عليها البيضة و السواعد و نحوهما و اتّخاذها كاملة شاملة للجسد . و « القلقلة » التحريك . و « الغمد » بالكسر ،

جفن السيف . و « سلّ السيف » إخراجه عن الغمد ، و قيل : « سلّها » أي قبل وقت الحاجة إلى سلّها .

و « اللحظ » النظر بمؤخّر العين . و « الخزر » بسكون الزّاي ، النظر بلحظ العين .

-----------
( 233 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 5 ، ص 175 ، ط بيروت .

[ 193 ]

و « الشزر » بالفتح ، الطعن عن اليمين و الشمال ، و قيل : أكثر ما يستعمل في الطعن عن اليمين خاصّة ، و قال ابن الأثير في النّهاية في حديث عليّ عليه السلام : « الحظوا الشزر ، و اطعنوا اليسر » و « الشزر » النّظر بمؤخر العين و هو نظر الغضبان ، و « اليسر » بالفتح ، الطعن حذاء الوجه ، و الخزر و الشزر صفتان لمصدرين محذوفين أي الحظوا لحظا خزرا ، و اطعنوا طعنا شزرا ، و اللام للعهد . و فائدة الأمر الأوّل واضحة فإنّ النظر بمؤخّر العين يهيّج الحميّة و الغضب و يدفع طمع العدوّ و يغفله عن التعرّض ، و بملأ العين يورث الجبن و علامة له عند العدوّ و يصير سببا لتحرّزه و أخذا هبته و التوجّه إلى القرن . و أمّا الأمر الثّاني فقيل : إنّه يوسّع المجال على الطاعن ، و أكثر المناقشة للخصم في الحرب تكون عن يمينه و عن شماله ، و يمكن أن تكون الفائدة أنّ احتراز العدوّ عن الطعن حذاء الوجه أسهل و الغفلة عنه اقلّ ، هذا على ما في الأصل ، و ما في النهاية يخالفه .

و « المنافحة » المضاربة و المدافعة . و « الظبى » جمع « ظبة » بالضمّ فيهما ، و هي طرف السيف وحدّه ، و يطلق على حدّ السيف و السنان ، قيل : المعنى : قاتلوا بالسّيوف ، و أصله أن يقرب أحد المتقابلين إلى الآخر بحيث يصل نفح كلّ منهما أي ريحه و نفسه إلى صاحبه ، و قيل : أي ضاربوا بأطراف السيوف ، و فائدته أنّ مخالطة العدوّ و القرب الكثير منه يشغل عن التمكّن من حربه ، و أيضا لا يؤثّر الضرب كما ينبغي مع القرب المفرط .

قوله عليه السلام « وصلوا السيوف بالخطا » وصل الشي‏ء بالشي‏ء جعله متّصلا به . و « الخطى » جمع « خطوة » بالضمّ فيهما ، و المعنى : إذا قصرت السيوف عن الضريبة فتقدّموا تلحقوا و لا تصبروا حتّى يلحقكم العدوّ ، و هذا التقدّم يورث إلقاء الرعب في قلب العدو .

و روي أنّه قيل له عليه السلام في بعض الغزوات : ما أقصر سيفك فقال :

أطوله بخطوة . و في رواية ابن الأثير « صلّوا السيوف بالخطى ، و الرّماح بالنبل » أي إذا لم تلحقهم بالرماح فارموهم بالسهام . و المراد بكونهم بعين اللّه أنّه سبحانه يريهم و يعلم أعمالهم ، و الباء مثلها في قولك : « أنت بمرأى منّي و مسمع » أي بحيث أراك و أسمع كلامك ، فيكون تمهيدا للنهي عن الفرار و أنّه سبحانه يحفظهم و ينصرهم

[ 194 ]

لكونهم على الحقّ كما يناسب كونهم مع ابن عمّ الرسول صلى اللّه عليه و آله .

و « الكرّ » الرجوع و الحملة ، و معاودته عند التحرّف للقتال أو التحيّز إلى فئة أو عند الفرار جبنا لو كان ، أو المراد : لا تقصروا على حملة لليأس عن حصول الغرض بل عاودوا و احملوا كرّة بعد أخرى .

و « الأعقاب » جمع « عقب » بالضمّ و بضمّتين ، أي العاقبة ، و المعنى أنّ الفرار عار في عاقبة أمركم و ما يتحدّث به النّاس في مستقبل الزمان على ما قيل ، أو جمع « عقب » ككتف أو « عقب » بالفتح ، أي الولد و ولد الولد ، و المعنى أنّ الفرار ممّا يعيّر به أولادكم . و « طاب نفسي بالشي‏ء و طيب به نفسا » إذا لم يكرهك عليه أحد ،

و التعدية ب « عن » لتضمين معنى التجافي و التجاوز ، و « نفسا » منصوب على التمييز ، و إفراده مع عدم اللبس أولى ، و لعلّ المعنى : و طّنوا أنفسكم على بذلها في سبيل اللّه ، و ارضوا به للحياة الباقية و اللذّات الدائمة . و « السّجح » بضمّتين ، السهل . و « سواد الناس » عامّتهم ،

و المراد معظم القوم المجتمعين على معاوية . و « الرواق » ككتاب الفصطاط و القبّة ،

و قيل : هو ما بين يدي البيت . و « المطنّب » المشدود بالأطناب ، و المراد مضرب معاوية و كان في قبّة عالية و حوله صناديد أهل الشّام . و « ثبج الشي‏ء » بالتحريك ، وسطه و معظمه . و « كمن » كنصر و سمع أي استخفى . و « كسر الخبأ » بالكسر ، الشقة السفلى يرفع أحيانا و يرخى اخرى . و « الوثبة » الطفرة . و « نكص » كنصر و ضرب أي رجع .

و « الشيطان » هو إبليس لا معاوية كما قيل لأنّه كان بارزا في الصدر لا كامنا في الكسر إلاّ أن يكون ذلك لبيان جبنه . و تقديم اليد للوثبة و تأخير الرجل للنكوص لا ينافي إرادة إبليس فإنّه كان من رفقاء معاوية و أصحابه يثبت بوثوبهم و يرجع برجوعهم ، و يمكن أن يراد بوثبته طمعه في غلبة أصحاب معاوية و تحريصهم على القتال و بالنكوص ما يقابله ، و يحتمل أن يراد بالشيطان عمرو بن العاص ، و الأوّل أظهر ، و حمله على القوّة الوهميّة كما قيل من الأوهام الفاسدة . و « الصمد » بالفتح ،

القصد ، و ناصبه محذوف ، و التأكيد للتحريص على قصد العدوّ و الصبر على الجهاد ،

[ 195 ]

أو التقرب إلى اللّه تعالى و إخلاص النيّة في الأعمال الّتي من جملتها الجهاد .

و « انجلى الشي‏ء و تجلّى » أي انكشف و ظهر . و « عمود الحقّ » لعلّه للتشبيه بالفجر الأوّل ، و فيه إشعار بعدم الظهور لأكثر القوم كما ينبغي . « و أنتم الأعلون » الواو للحال ، أي الغالبون على الأعداء بالظفر أو بأنّكم على الحقّ . « و اللّه معكم » أي بالنصر و الحياطة أو لأنّكم أنصاره . و « لن يتركم » أي لا ينقصكم اللّه جزاء أعمالكم بل يوفّيكم أجوركم ، و قيل : أي لا يضيع أعمالكم ، من « وترت الرّجل » إذا قتلت له حميما . و لعلّ حاصل المعنى : اقصدوا ربّكم بأعمالكم الّتي منها جهاد أعدائكم ، و اخلصوا نيّاتكم حتّى ينجلي لكم أنّكم على الحقّ كما قال تعالى : وَ الَّذِيَنَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْديَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ 234 . و الجملة الحاليّة تفيد أنّهم على الحقّ و من أنصار اللّه و حزبه ، أو اقصدوا أعداءكم بتصميم العزم حتّى يظهر آية النّصر و ينجز اللّه لكم ما وعد من الظفر ، و وعده الحقّ ، و يمكن أن يراد بالحقّ الطريقة المستقيمة و أن يكون الظفر سببا لظهوره للقوم . 235