بيان

« فمن صدّقك بهذا » كأنّه أسقط السيّد [ رحمه اللّه ] من الرواية شيئا كما هو دأبه ، و قد مرّ تمامه . و على ما تقدم هذا إشارة إلى علم ما في بطن الدابّة ، و إن لم يكن سقط هنا شي‏ء فيحتمل أن يكون إشارة إلى دعواه علم الساعتين المنافي لقوله عزّ و جلّ : وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِتُ غَداً 253 و لقوله سبحانه : قُلْ

-----------
( 253 ) لقمان : 34 .

[ 212 ]

لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرصضِ الْغَيْبَ إِ اللَّهُ 254 و قوله جلّ و علا : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ 255 و ما أفاد مثل هذا المعنى ، و يمكن حمل الكلام على وجه آخر وهو أنّ قول المنجّم بأنّ صرف السوء و نزول الضر تابع للساعة ، سواء قال بأنّ الأوضاع العلويّة مؤثرة تامّة في السفليّات و لا يجوز تخلّف الآثار عنها ، أو قال بأنّها مؤثّرات ناقصة و لكن باقي المؤثّرات امور لا يتطرّق إليها التغير ، أو قال بأنّها علامات تدلّ على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت ،

و أنّه يقبض و يبسط و يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لم يفرغ من الأمر ، و هو تعالى كلّ يوم في شأن ، و الظاهر من أحوال المنجّمين السابقين و كلماتهم ، جلّهم بل كلّهم ،

أنّهم لا يقولون بالتخلّف و قوعا أو إمكانا ، فيكون تصديقهم مخالفا لتصديق القرآن و ما علم من الدين و الإيمان من هذا الوجه ، و لو كان منهم من يقول بجواز التخلّف و وقوعه بقدرة اللّه و اختياره ، و إنّه تزول نحوسة الساعات بالتوكّل و الدعاء و التوسّل و التصدّق ،

و ينقلب السعد نحسا و النحس سعدا ، بأنّ الحوادث لا يعلم و قوعها إلاّ إذا علم أنّ اللّه سبحانه لم تتعلّق حكمته بتبديل أحكامها كان كلامه عليه السلام مخصوصا بمن لم يكن كذلك ، فالمراد بقوله « صرف عنه السوء و حاق به الضر » أي حتما . قوله عليه السلام « في قولك » أي على قولك ، أو بسبب قولك ، أو هي للظرفيّة المجازيّة .

« إلاّ ما يهتدى به » إشارة إلى قوله سبحانه وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لَتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّوَ الْبَحْرِ 256 . و « الكهانة » بالفتح ، مصدر قولك « كهن » بالضم ، أي صار كاهنا ، و يقال : « كهن يكهن كهانة » مثل كتب يكتب كتابة ، إذا تكهّن . و الحرفة الكهانة بالكسر ، و هي عمل يوجب طاعة بعض الجانّ به بحيث يأتيه بالأخبار الغائبة ، و هو قريب من السحر . قيل : قد كان في العرب كهنة كشقّ و سطيح و غيرهما ، فمنهم من يزعم أنّ له تابعا من الجنّ و رئيّا يلقي إليه الأخبار ، و منهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات و أسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله و هذا يخصّونه باسم العراف ، كالّذي يدّعي معرفة الشي‏ء المسروق و مكان

-----------
( 254 ) النمل : 65 .

-----------
( 255 ) الأنعام : 59 .

-----------
( 256 ) الأنعام : 97 .

[ 213 ]

الضالة و نحوهما . و دعوة علم النجوم إلى الكهانة إمّا لأنّه ينجرّ أمر المنجم إلى الرغبة في تعلّم الكهانة و التكسّب به ، أو ادّعاء ما يدّعيه الكاهن . و السحر قيل : هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها يحدث بسببها ضرر على الغير و منه عقد الرجل عن زوجته ، و إلقاء البغضاء بين الناس ، و منه استخدام الملائكة و الجنّ و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب ، و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبيّ أو امرأة و كشف الغائب على لسانه . [ انتهى ] . و الظاهر أنه لا يختصّ بالضرر ، و سيأتي بعض تحقيقه في باب هاروت و ماروت و تمام تحقيقه في باب الكبائر . و وجه الشبه في تشبيه المنجّم بالكاهن إمّا الاشتراك في الإخبار عن الغائبات ، أو في الكذب و الاخبار بالظنّ و التخمين و الاستناد إلى الأمارات الضعيفة و المناسبات السخيفة ، أو في العدول و الانحراف عن سبيل الحقّ و التمسّك في نيل المطالب و درك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة و صدّهم عن التوسّل إلى اللّه تعالى بالدعاء و الصدقة و سائر أصناف الطاعة ، أو في البعد عن المغفرة و الرحمة . و يجري بعض هذه الوجوه في التشبيهين الأخيرين ، و المشبّه به في التشبيهات أقوى ، و نتيجة الجميع دخول النار .

و يمكن أن يكون قوله « و الكافر في النار » إشارة إلى وجه الشبه و إن كان بعيدا ، و المراد إمّا الخلود أو الدخول و الأخير أظهر و إن كان يحقّقه في الكافر في ضمن الخلود .

و قال ابن ميثم 257 رحمه اللّه في شرح هذا الكلام منه عليه السلام اعلم أنّ الّذي يلوح من سرّ نهي الحكمة النبويّة عن تعلّم 258 النجوم أمران :

أحدهما اشتغال متعلّميها 259 بها و اعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون و يخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب و الأوقات و الاشتغال بالفزع إليه و إلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى اللّه تعالى و الغفلة عن الرجوع إليه فيما يهمّ من الأحوال و قد علمت أنّ ذلك يضادّ مطلوب الشارع ، إذ كان غرضه ليس إلاّ دوام

-----------
( 257 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 2 ، ص 216 220 ، ط بيروت .

-----------
( 258 ) في ( خ ) : تعليم .

-----------
( 259 ) في ( خ ) : متعلّمها .

[ 214 ]

التفاوت الخلق إلى اللّه و تذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه .

الثاني أنّ الأحكام النجوميّة إخبارات عن أمور ، و هي تشبه الاطلاع على الأمور الغيبّية ، و أكثر الخلق من العوام أو النساء و الصبيان لا يميّزون بينها و بين علم الغيب و الإخبار به ، فكان تعلّم تلك الأحكام و الحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق و موهنا لاعتقاداتهم في المعجزات ، إذ الإخبار عن الكائنات منها ، و كذا في عظمة بارئهم و يشككهم في عموم صدق قوله تعالى : قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ 260 [ و قوله تعالى : ] وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ 261 و قوله [ تعالى : ] إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة الآية 262 . فالمنجّم إذا حكم لنفسه بأنّه يصيب كذا فقد ادّعى أنّ نفسه تعلم ما تكسب غدا و بأي أرض تموت ، و ذلك عين التكذيب للقرآن و كأنّ هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة و السحر و العزائم و نحوها . و أمّا مطابقة لسان الشريعة للعقل في تكذيب هذه الأحكام فبيانها أنّ أهل النظر إمّا متكلّمون فإمّا معتزلة أو أشعريّة .

أما المعتزلة فاعتمادهم في تكذيب المنجّم على أحد الأمرين : أحدهما أنّ الشريعة كذّبته و عندهم أنّ كلّ حكم شرعي فيشتمل على وجه عقليّ و إن لم يعلم عين ذلك الوجه ، و الثاني مناقشة في ضبطه لأسباب ما أخبر عنه من كون أو فساد .

و أمّا الأشعريّة فهم و إن قالوا لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه تعالى و زعم بعضهم أنّهم خلصوا بذلك من إسناد التأثيرات إلى الكواكب ، إلاّ أنّه لا مانع على مذهبهم أن يجعل اللّه تعالى اتّصال نجم بنجم أو حركته علامة على كون كائن أو فساده ، و ذلك ممّا لا يبطل على المنجّم قاعدة ، فيرجعون أيضا إلى بيان عدم إحاطته بأسباب كون ما أخبر عنه و مناقشته في ذلك .

و أمّا الحكماء فاعلم أنّه قد ثبت في أصولهم أنّ كلّ كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّ له من أسباب أربعة : فاعلي و مادّيّ و صوريّ و غائيّ . أمّا السبب الفاعليّ القريب فالحركات السماويّة و الّذي هو أسبق منها فالمحرّك لها إلى أن ينتهي إلى الجود

-----------
( 260 ) النمل : 65 .

-----------
( 261 ) الأنعام : 59 .

-----------
( 262 ) لقمان : 34 .

[ 215 ]

الإلهيّ المعطي لكلّ قابل ما يستحقّ ، و أمّا سببه المادّيّ فهو القابل لصورته ، و تنتهي القوابل إلى القابل الأوّل و هو مادّة العناصر المشتركة بينها ، و أمّا الصوريّ فصورته الّتي تقبلها مادّته ، و أمّا الغائيّ فهي الّتي لأجلها وجد . أمّا الحركات السماويّة فانّ من الكائنات ما يحتاج في كونه إلى دورة واحدة للفلك ، و منها ما يحتاج إلى بعض دورة ، و منها ما يحتاج إلى جملة من أدواره و اتّصالاته . و أمّا القوابل للكائنات فقد تقرّر عندهم أيضا أنّ قبولها لكلّ كائن معيّن مشروط باستعداد معيّن له ، و ذلك الاستعداد يكون بحصول صورة سابقة عليه ، و هكذا قبل كلّ [ صورة ] صورة معدّة لحصول الصورة بعدها و كلّ صورة منها أيضا يستند إلى الاتصالات و الحركات الفلكيّة ، و لكلّ استعداد معيّن زمان معيّن و حركة معيّنة و اتّصال معيّن يخصّه لا يفي بدركها القوّة البشرية .

إذا عرفت ذلك فنقول : الأحكام النجوميّة إمّا أن تكون جزئيّة أو كلّية .

أمّا الجزئية فأن يحكم مثلا بأنّ هذا الانسان يكون من حاله كذا و كذا ،

و ظاهر أنّ مثل هذا الحكم لا سبيل له إلى معرفته إذ العلم به إنما هو من جهة أسبابه ، أمّا الفاعليّة فأن يعلم أنّ الدورة المعيّنة أو الاتّصال المعيّن سبب الملك هذا الرجل البلد المعيّن مثلا و أنه لا سبب فاعليّ لذلك الاّ هو ، و الأوّل باطل لجواز أن يكون السبب غير ذلك الاتّصال أو هو مع غيره ، أقصى ما في الباب أن يقال : إنّما كانت هذه الدورة و هذا الاتّصال سببا لهذا الكائن لأنّها كانت سببا لمثله في الوقت الفلانيّ ، لكن هذا أيضا باطل لأنّ كونها سببا للكائن السابق لا يجب أن يكون لكونها مطلقا دورة و اتصالا ، بل لعلّه أن يكون لخصوصيّة كونها تلك المعيّنة الّتي لا تعود بعينها فيما بعد ، و حينئذ لا يمكن الاستدلال بحصولها على كون حادث لأنّ المؤثّرات المختلفة لا يجب تشابه آثارها ، و الثاني أيضا باطل لأن العقل يجزم بانّه لا اطلاع له على أنّه لا مقتضي لذلك الكائن من الأسباب الفاعلة إلا الاتّصال المعيّن ، و كيف و قد ثبت أنّ من الكائنات و ما يفتقر إلى أكثر من اتّصال واحد و دورة واحدة أو أقلّ . و أمّا القابليّة فأن يعلم أنّ المادّة قد استعدّت لقبول مثل هذا الكائن و استجمعت جميع شرائط قبوله الزمانيّة و المكانيّة و السماويّة و الأرضيّة ، و ظاهر أنّ الإحاطة بذلك غير ممكنة للانسان .

[ 216 ]

و أمّا أحكامهم الكلّية فكان [ كما ] يقال كلّما حصلت الدورة الفلانيّة كان كذا ، فالمنجّم إنّما يحكم بذلك الحكم عن جزئيّات من الدورات تشابهت آثارها فظنّها متكرّرة ، و لذلك يعدلون إذا حقّق القول عليهم إلى دعوى التجربة ، و قد علمت أنّ التجربة تعود إلى تكرّر مشاهدات يضبطها الحسّ و العقل يحصل منها حكما كلّيا كحكمه بأنّ كلّ نار محرقة ، فإنّه لمّا أمكن للعقل استثبات الإحراق بواسطة الحسّ أمكنه الجزم الكلّي بذلك .

فأمّا التشكّلات الفلكيّة و الاتّصالات الكوكبيّة المقتضية لكون ما يكون ،

فليس شي‏ء منها يعود بعينه كما علمت و إن جاز أن يكون تشكّلات و عودات متقاربة الأحوال و متشابهة إلاّ أنّه لا يمكن للانسان ضبطها و لا الاطّلاع على مقدار ما بينها من المشابهة و التفاوت ، و ذلك أنّ حساب المنجم مبنيّ على قسمة الزمان بالشهور و الأيّام و الساعات و الدرج و الدقائق و أجزائها و تقسيم الحركة بإزائها و رفع بينهما نسبة عدديّة ،

و كلّ هذه أمور غير حقيقيّة و إنّما تؤخذ على سبيل التقريب ، أقصى ما في الباب أنّ التفاوت فيها لا يظهر في المدد المتقاربة ، لكنّه يشبه أن يظهر في المدد المتباعدة ، و مع ظهور التفاوت في الأسباب كيف يمكن دعوى التجربة و حصول العلم الكلّي الثابت الّذي لا يتغيّر باستمرار أثرها على و تيرة واحدة ؟

ثمّ لو سلّمنا أنّه لا يظهر تفاوت أصلا إلاّ أنّ العلم بعودتلك الدورة لا يقتضي بمجرّده العلم بعود الأثر السابق لتوقّف العلم بذلك على عود أمثال الأسباب الباقية للأثر السابق من الاستعداد و سائر أسبابه العلويّة و السفليّة ، و على ضبطها فإنّ العلم التجربيّ إنّما يحصل بعد حصرها ليعلم عودها و تكرّرها ، و كل ذلك ممّا لا سبيل للقوة البشريّة إلى ضبطه ، فكيف يمكن دعوى التجربة ؟

ثمّ قال : و اعلم أنّ الّذي ذكرناه ليس إلاّ بيان أنّ الاصول الّتي يبني عليها الأحكاميّون أحكامهم و ما يخبرون به في المستقبل أصول غير موثوق بها ، فلا يجوز الاعتماد عليها في تلك الأحكام و الجزم بها ، و هذا الاينا في كون تلك القواعد ممهّدة بالتقريب ،

كفسمة الزمان و حركة الفلك و السنة و الشهر و اليوم مأخوذا عنها حساب يبني عليه

[ 217 ]

مصالح إما دينيّة كمعرفة أوقات العبادات كالصوم و الحجّ و نحوهما أو دنيويّة كآجال المداينات و سائر المعاملات و كمعرفة الفصول الأربعة ليعمل في كلّ منها ما يليق به من الحراثة و السفر و أسباب المعاش ، و كذلك معرفة قوانين تقريبيّة من أوضاع الكواكب و حركاتها يهتدي بقصدها و على سمتها المسافرون في برّ أو بحر ، فإنّ ذلك القدر منها غير محرّم ، بل لعلّه من الأمور المستحبّة لخلو المصالح المذكورة فيه عن وجوه المفاسد الّتي تشتمل عليها الأحكام كما سبق ، و لذلك امتنّ اللّه تعالى على عباده بخلق الكواكب في قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ 263 و قوله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ 264 أقول : و روى ابن أبي الحديد هذه الرواية [ بوجه آخر ] أبسط ممّا أورده السيّد رحمه اللّه نقلا من كتاب صفّين لابن ديزيل مرسلا ، قال : عزم عليّ عليه السلام على الخروج من الكوفة إلى الحروريّة و كان في أصحابه منجّم ، فقال له :

يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة و سر على ثلاث ساعات مضين من النهار ، فإنّك إن سرت في هذه الساعة أصابك و أصحابك أذى و ضر شديد ، و إن سرت في الساعة الّتي أمرتك بها ظفرت و ظفرت و أصبت ما طلبت .

فقال له عليّ عليه السلام : أتدري ما في بطن فرسي هذا أذكر أم أنثي ؟

قال : إن حسبت علمت .

فقال عليه السلام : فمن صدّقك بهذا فقد كذّب بالقرآن ، قال اللّه تعالى : إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عَلْمُ السَّاعَةِ الاية 265 .

ثمّ قال عليه السلام : إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ما كان يدّعي علم ما ادّعيت علمه ، أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة الّتي يصيب النفع من سارفيها ،

و تصرف عن الساعة الّتي يحيق السوء بمن سار فيها ؟ فمن صدّقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة باللّه جلّ و عزّ في صرف المكروه عنه ، و ينبغي للموقن بأمرك أن يولّيك الحمد دون اللّه جلّ جلاله لأنّك بزعمك هديته إلى الساعة الّتي يصيب النفع من

-----------
( 263 ) الأنعام : 97 .

-----------
( 264 ) يونس : 5 .

-----------
( 265 ) لقمان : 34 .

[ 218 ]

سارفيها و صرفته عن الساعة الّتي يحيق السوء بمن سارفيها ، فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتّخذ من دون اللّه ضدّا و ندّا . اللّهمّ لا طير إلاّ طيرك ، و لا ضير إلاّ ضيرك ، و لا إله غيرك .

ثمّ قال : بل نخالف و نسير في الساعة الّتي نهيتنا .

ثمّ أقبل على الناس فقال : أيّها الناس إيّاكم و التعلّم للنجوم إلاّ ما يهتدى به في ظلمات البرّ و البحر ، إنّما المنجّم كالكاهن ، و الكاهن كالكافر ، و الكافر في النار .

أما و اللّه إن بلغني أنّك تعمل بالنجوم لأخلّدنّك السجن أبدا ما بقيت ، و لأحرّمنّك العطاء ما كان لي سلطان .

ثمّ سار في الساعة الّتي نهاه عنه المنجّم فظفر بأهل النهر ، و ظهر عليهم ثمّ قال :

لو سرنا في الساعة الّتي أمرنا بها المنجّم لقال الناس : سار في الساعة الّتي أمر بها المنجّم و ظفر و ظهر . أما إنّه ما كان لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله منجّم و لا لنا من بعده حتّى فتح اللّه علينا بلاد كسرى و قيصر . أيّها الناس توكّلوا على اللّه و ثقوا به ، فإنّه يكفي ممّن سواه . 266 و أقول : قال السيّد الجليل عليّ بن طاووس رحمه اللّه في كتاب النجوم بعد ما أورد هذه الرواية نقلا من النهج : إنّني رأيت فيما وقفت عليه في كتاب عيون الجواهر تأليف أبي جعفر محمّد بن بابويه رحمه اللّه حديث المنجّم الّذي عرض لمولانا علىّ عليه السلام عند مسيره إلى النهروان مسندا عن محمّد بن عليّ ماجيلويه ، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم ، عن محمّد بن عليّ القرشيّ ، عن نصر بن مزاحم المقري ، عن عمر ابن سعد ، عن يوسف بن يزيد ، عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر ، قال :

« لمّا أراد أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى النهروان أتاه منجّم . . . » ثمّ ذكر حديثه .

فأقول : إنّ في هذا الحديث عدّة رجال لا يعمل علماء أهل البيت عليهم السلام على روايتهم ، و يمنع من يجوّز العمل بأخبار الآحاد من العمل بأخبارهم و

-----------
( 266 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 2 ، ص 269 270 ، ط بيروت .

[ 219 ]

شهادتهم ، و فيهم عمر بن سعد ابن أبي وقّاص مقاتل الحسين عليه السلام ، فإنّ أخباره و رواياته مهجورة و لا يلتفت عارف بحاله إلى ما يرويه أو يسند إليه ، ثمّ طعن في الرواية بأنّها لو كانت صحيحة لكان عليه السلام قد حكم في هذا على صاحبه الّذي قد شهد مصنّف نهج البلاغة أنّه من أصحابه أيضا بأحكام الكفّار ، إمّا بكونه مرتدّا عن الفطرة فيقتله في الحال ، أو بردّة عن غير الفطرة فيتوبه ، أو يمتنع من التوبة فيقتل لأنّ الرواية قد تضمّنت أنّ المنجّم كالكافر . أو كان يجري عليه أحكام الكهنة أو السحرة لأنّ الرواية تضمّنت أنّه كالكاهن و الساحر .

و ما عرفنا إلى وقتنا هذا أنّه حكم على هذا المنجّم أحكام الكفّار و لا السحرة و لا الكهنة و لا أبعده و لا عزّره ، بل قال : سيروا على اسم اللّه . و المنجّم من جملتهم لأنّه صاحبه ، و هذا يدلّك على تباعد الرواية من صحّة النقل ، أو يكون لها تأويل غير ظاهرها موافق للعقل .

ثمّ قال : و ممّا نذكره من التنبيه على بطلان ظاهر الرواية بتحريم علم النجوم قول الرواي فيها « إنّ من صدّقك فقد كذّب القرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه » و نعلم أنّ الطلائع للحروب يدلّون على السلامة من هجوم الجيوش و كثير من النحوس و يبشّرون بالسلامة ، ما ألزم من ذلك أن يولّيهم الحمد دون ربّهم .

ثمّ إنّنا وجدنا في الدعوات الكثيرة التعوّذ من أهل الكهانة و السحرة ، فلو كان المنجّم مثلهم كان قد تضمّن بعض الأدعية التعوّذ منه ، و ما عرفنا في الأدعية التعوّذ من النجوم و المنجّم إلى وقتنا هذا ، و من التنبيه على بطلان ظاهر هذه الرواية أنّ الدعوات تضمّن كثير منها و غيرها من صفات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه لم يكن كاهنا و لا ساحرا ، و ما وجدنا إلى الآن و لا كان عالما بالنجوم ، فلو كان المنجّم كالكاهن و الساحر ما كان يبعد أن يتضمّنه بعض الروايات و الدعوات في ذكر الصفات . [ انتهى ] .

و أقول : أمّا قدحه في سند الرواية فهي من المشهورات بين الخاصّة و العامّة و لذا أورده السيّد في النهج ، إذ دأبه فيه أن يروي ما كان مقبول الطرفين ، و ضعف سند الرواية الّتي أورده الصدوق رحمه اللّه لا يدلّ على ضعف سائر الأسانيد ، و عمر بن

[ 220 ]

سعد الّذي يروي عنه نصر بن مزاحم ليس الملعون الّذي كان محارب الحسين عليه السلام كما يظهر من كتابه كتاب الصفّين الّذي عندنا فإنّ أكثر ما رواه فيه رواه عن هذا الرجل ، و في كثير من المواضع « عمرو » مكان « عمر » و لم يكن الملعون من جملة رواة الحديث و حملة الأخبار ، حتّى يروى عنه هذه الأخبار الكثيرة ، و أيضا رواية نصر عنه بعيدة جدّا ، فإنّ نصرا كان من أصحاب الباقر عليه السّلام و الملعون لم يبق بعد شهادة الحسين عليه السّلام إلاّ قليلا ، و الشواهد على كونه غيره كثيرة لا تخفى على المتدرّب في الأخبار العارف بأحوال الرجال ، و هذا من السيّد رحمه اللّه غريب .

و أمّا قوله « أنّه عليه السّلام لم يحكم بكفر المنجّم فيرد عليه » أنّ الظاهر من التشبيه بالكافر أنّه ليس بكافر ، و إنّما يدلّ على اشتراكه معه في بعض الصفات لا في جميع الأحكام حتّى يقتله في الحال أو بعد امتناعه من التوبة ، على أنّه عليه السّلام لم يشبّهه بالكافر بل بالمشبّه بالكافر . و أمّا قوله « و لا أبعده و لا عزّره » ففيه أنّه قد ظهر ممّا رواه ابن أبي الحديد الإيعاد بالحبس المؤبّد و التحريم من العطاء ، و لم يعلم أنّه أصرّ المنجّم على العمل بالنجوم بعد ذلك حتّى يستحقّ تعزيرا أو نكالا ، و عدم اشتمال رواية السيّد على هذه الزيادة لا يدلّ على عدمها ، فإنّ عادة السيّد الاقتصار على ما اختاره من كلامه عليه السّلام بزعمه لا استيفاء النقل و الرواية ، مع أنّ عدم النقل في مثل هذا لا يدلّ على العدم ، و كونه من أصحابه و بينهم لا يدلّ على كونه مرضيّا ، فإنّ جيشه عليه السّلام كان مشتملا على كثير من الخوارج و المنافقين كالأشعث أخي هذا المنجّم على ما ذكره السيّد و غيره أنّه كان عفيف بن قيس أخا الأشعث رأس المنافقين و مثير أكثر الفتن و أمّا قياسه على طلائع الحروب فالفرق بين الأمرين بيّن ، فإنّ ما يهدي إليه الطلائع و نحوهم ليست أمورا يترتّب عليها صرف السوء و نيل المحبوب حتما ، بل يتوقّف على اجتماع أمور كوجود الشرائط و ارتفاع الموانع ، و كلّ ذلك لا يتيسّر الظفر بها إلاّ بفضل مسبّب الأسباب بخلاف ما ادّعاه المنجّم من أنّ الظفر يترتّب حتما على الخروج في الساعة الّتي اختاره و أمّا عدم التعوّذ من النجوم و المنجّم فلأنّ المنجّم إنّما يعود

[ 221 ]

ضرره إلى نفسه بخلاف الساحر و الكاهن فإنّه يترتّب منهما ضرر كثير على الناس ، مع أن الدعاء الّذي رواه السيّد في كتاب الاستخارات و أوردناه في هذا الباب يتضمّن البراءة إلى اللّه من اللجأ إلى العمل بالنجوم و طلب الاختيارات منها و أمّا عدم وصف النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأنّه لم يكن منجّما لأنّ الكفّار إنّما كانوا يصفونه صلّى اللّه عليه و آله بالسحر و الكهانة و الشعر ، فورد براءته عنها ردّا عليهم و لم يكونوا يصفونه بالنجوم ، مع أنّه كان عالما بالحقّ من علم النجوم و كان من فضائله . 267