القسم الأول

عباد اللّه ، إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه ،

فاستشعر الحزن ، و تجلبب الخوف ( 942 ) ، فزهر مصباح الهدى ( 943 ) في

[ 240 ]

قلبه ، و أعدّ القرى ( 944 ) ليومه النّازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ،

و هوّن الشّديد . نظر فأبصر ، و ذكر فاستكثر ، و ارتوى من عذب فرات سهّلت له موارده ، فشرب نهلا ( 945 ) ، و سلك سبيلا جددا ( 946 ) .

قد خلع سرابيل الشّهوات ، و تخلّى من الهموم ، إلاّ همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، و مشاركة أهل الهوى ، و صار من مفاتيح أبواب الهدى ، و مغاليق أبواب الرّدى . قد أبصر طريقه ، و سلك سبيله ، و عرف مناره ، و قطع غماره ( 947 ) ، و استمسك من العرى بأوثقها ، و من الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس ،

قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأمور ، من إصدار كلّ وارد عليه ، و تصيير كلّ فرع إلى أصله . مصباح ظلمات ، كشّاف عشوات ( 948 ) ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ( 949 ) ،

يقول فيفهم ، و يسكت فيسلم . قد أخلص للّه فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، و أوتاد أرضه . قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحقّ و يعمل به ، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ( 950 ) ، و لا مظنّة ( 951 ) إلاّ قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه ( 952 ) ، فهو قائده و إمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ( 953 ) ، و ينزل حيث كان منزله .

[ 241 ]