[ هذا بيان آخر في شرح الخطبة : ] بيان

« الرويّة » التفكّر ، و القائم في صفاته تعالى بمعنى الدائم الثابت الّذي لا يزول ، أو العالم بالخلق الضابط لأحوالهم أينما كانوا ، أو قيامه توكيله الحفظة عليهم ، أو حفظه للخلق و تدبيره لأمورهم ، أو مجازاته بالأعمال ، أو قهره لعباده و اقتداره عليهم . و « الأبراج » قيل : هو جمع « البرج » بالضمّ ، بمعنى الركن و أركانها أجزاؤها و تداويرها و خوارجها و متمّماتها ، أو البرج بالمعنى المصطلح أي البروج الإثنى عشر ،

و الأظهر عندي أنّه جمع « البرج » بالتحريك ، أي الكواكب . قال الفيروز آباديّ :

« البرج الجميل » الحسن الوجه ، أو المضي‏ء البيّن المعلوم ، و الجمع أبراج .

قوله عليه السلام : « ذات ارتاج » إمّا بالكسر مصدر « أرتج » أي أغلق ،

أو بالفتح جمع « الرتاج » و هو الباب المغلق ، و فيه : أنّه قلّما يجمع فعال على أفعال . و روي : « ذات رتاج » على المفرد . و « الداجي » المظلم . و « الساجي » الساكن .

و « الفجاج » بالكسر ، جمع « فجّ » بالفتح و هو الطريق الواسع بين الجبلين . و « المهاد » الفراش ، أي أرض مبسوطة ممكّنة للتعيّش عليها كالمهاد .

قوله عليه السلام : « ذو اعتماد » أي ذو قوّة و بطش ، أو يسعى برجلين

-----------
( 284 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 57 ، كتاب السماء و العالم ، ص 25 .

[ 250 ]

فيعتمد عليهما . و « دأب في عمله » أي جدّ و تعب ، و الشمس و القمر دائبان لتعاقبهما على حالة واحدة لا يفتران و لا يسكنان ، و روي : « دائبين » بالنصب على الحال ، و يكون خبرا لمبتدأ « يبليان » .

قوله عليه السلام : « و أحصى آثارهم » أي آثار أقدامهم و وطئهم في الأرض ، أو حركاتهم و تصرّفاتهم ، أو ما يبقى بعدهم من سنّة حسنة أو سيّئة ، كما فسّر به قوله تعالى : وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ آثَارَهُمْ 285 . و روي : « عدد أنفاسهم » على الإضافة . و « خائنة الأعين » ما يسارق من النظر إلى ما لا يحلّ ، أو أن ينظر نظرة بريبة .

قوله عليه السلام : « من الأرحام » متعلّقه بمستقرّهم و مستودعهم ، بيانا لهما على اللفّ و النشر ، و لمّا كان تحقّق الغرض و كمال الذات و حلول الروح في الرحم عبّر عنه بالمستقرّ و عن الظهر بالمستودع ، و يكون الظرف أعني قوله « إلى أن تتناهى » متعلّقا بالأفعال السابقة أي قسّم و أحصى و عدّد ، و يكون تناهي الغاية بهم كناية عن موتهم ، و يحتمل أن يكون المراد : مستقرّهم و مأواهم على ظهر الأرض و مستودعهم في بطنها بعد الموت و يكون « من » بمعنى « مذ » أي مذ زمان كونهم في الأرحام و الظهور إلى أن تناهي الغاية أي إلى أن يحشروا في القيامة و صاروا إلى النعيم أو إلى الجحيم ، و يحتمل أن يكون المراد بالمستقرّ و المستودع من استقرّ فيه الإيمان و من استودع الإيمان ثمّ يسلب كما دلّت عليه الأخبار الكثيرة ، و توجيه الظرفين بعد ما مرّ غير خفيّ .

قوله عليه السلام « في سعة رحمته » أي في حال سعة رحمته على أوليائه ،

و اتّسعت رحمته لأوليائه في حال شدّة نقمته على أعدائه ، فالمراد تنزيهه تعالى عن صفة المخلوقين فإنّ رحمتهم لا تكون في حال غضبهم و بالعكس ، أو اشتدّت نقمته على أعدائه في حال سعة رحمته عليهم فإنّ رحمته تعالى شاملة لهم في دنياهم و هم فيها يستعدّون للنقمة الشديدة ، و لا يخفى بعده . و « المعازّة » المغالبة . و « المدمّر » المهلك .

و « المشاقّة » المعاداة و المنازعة .

قوله عليه السلام « و تنفّسوا قبل ضيق الخناق » استعار لفظ التنفّس

-----------
( 285 ) يس : 12 .

[ 251 ]

لتحصيل الراحة و البهجة في الجنّة بالأعمال الصالحة في الدنيا و استعار لفظ الخناق من الحبل المخصوص للموت ، أي انتهزوا الفرصة للعمل قبل تعذّره بزوال وقته .

قوله عليه السلام « قبل عنف السياق » أي السوق العنيف عند قبض الروح ، أو في القيامة إلى الحساب .

قوله عليه السلام « من لم يعن » على بناء المجهول ، أي لم يعنه اللّه على نفسه حتّى يجعل له منها واعظا و زاجرا لم يمنعه المنع و الزجر من غيرها ، أو على بناء المعلوم كما روي أيضا أي من لم يعن الواعظين له و المنذرين على نفسه لم ينتفع بالوعظ و الزجر لأنّ هوى نفسه يغلب وعظ كلّ واعظ . 286