القسم الثاني صفاته تعالى في القرآن

فانظر أيّها السّائل : فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به ( 1016 ) و استضى‏ء بنور هدايته ، و ما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه ، و لا في سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أئمّة الهدى أثره ، فكلّ ( 1017 ) علمه إلى اللّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك . و اعلم أنّ الرّاسخين في العلم هم الّذين أغناهم عن اقتحام

[ 253 ]

السّدد ( 1018 ) المضروبة دون الغيوب ، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، و سمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، و لا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين . هو القادر الّذي إذا ارتمت الأوهام ( 1019 ) لتدرك منقطع ( 1020 ) قدرته ، و حاول الفكر المبرّأ ( 1021 ) من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، و تولّهت القلوب إليه ( 1022 ) ، لتجري في كيفيّة صفاته ، و غمضت ( 1023 ) مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ، ردعها ( 1024 ) و هي تجوب مهاوي ( 1025 ) سدف ( 1026 ) الغيوب ، متخلّصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت ( 1027 ) معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف ( 1028 ) كنه معرفته ، و لا تخطر ببال أولي الرّويّات ( 1029 ) خاطرة من تقدير جلال عزّته . الّذي ابتدع الخلق ( 1030 ) على غير مثال امتثله ( 1031 ) ، و لا مقدار احتدى عليه ( 1032 ) ، من خالق معبود كان قبله ، و أرانا من ملكوت قدرته ، و عجائب ما نطقت به آثار حكمته ، و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك ( 1033 ) قوّته ، ما دلّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، فظهرت البدائع الّتي أحدثتها آثار صنعته ، و أعلام

[ 254 ]

حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له و دليلا عليه ، و إن كان خلقا صامتا ، فحجّته بالتّدبير ناطقة ، و دلالته على المبدع قائمة . فأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعصاء خلقك ، و تلاحم حقائق مفاصلهم ( 1034 ) المحتجبة ( 1035 ) لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ،

و لم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، و كأنّه لم يسمع تبرّؤ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ كذب العادلون بك ( 1036 ) ، إذ شبّهوك بأصنامهم ،

و نحلوك حلية ( 1037 ) المخلوقين بأوهامهم ، و جزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم ، و قدّروك ( 1038 ) على الخلقة المختلفة القوى ، بقرائح عقولهم . و أشهد أنّ من ساواك بشي‏ء من خلقك فقد عدل بك ،

و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، و نطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، و إنّك أنت اللّه الّذي لم تتناه في العقول ،

فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا ( 1039 ) ، و لا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا ( 1040 ) و منها : قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، و دبّره فألطف تدبيره ،

و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، و لم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، و لم يستصعب ( 1041 ) إذ أمر بالمضيّ على إرادته ، فكيف

[ 255 ]

و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته ؟ المنشى‏ء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، و لا قريحة غريزة ( 1042 ) أضمر عليها ، و لا تجربة أفادها ( 1043 ) من حوادث الدّهور ، و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتمّ خلقه بأمره ، و أذعن لطاعته ، و أجاب إلى دعوته ، لم يعترض دونه ريث المبطى‏ء ( 1044 ) ، و لا أناة المتلكّى‏ء ( 1045 ) ، فأقام من الأشياء أودها ( 1046 ) ، و نهج ( 1047 ) حدودها ، و لاءم بقدرته بين متضادّها ، و وصل أسباب قرائنها ( 1048 ) ، و فرّقها أجناسا مختلفات في الحدود و الأقدار ، و الغرائز ( 1049 ) و الهيئات ، بدايا ( 1050 ) خلائق أحكم صنعها ، و فطرها على ما أراد و ابتدعها