القسم الرابع و منها في صفة الملائكة

ثمّ خلق سبحانه لإسكان سمواته ، و عمارة الصّفيح ( 1070 ) الأعلى من ملكوته ، خلقا بديعا من ملائكته ، و ملأ بهم فروج فجاجها ،

و حشا بهم فتوق أجوائها ( 1071 ) ، و بين فجوات تلك الفروج زجل ( 1072 ) المسبّحين منهم في حظائر ( 1073 ) القدس ( 1084 ) ، و سترات ( 1075 ) الحجب ،

و سرادقات ( 1076 ) المجد ، و وراء ذلك الرّجيج ( 1077 ) الّذي تستكّ ( 1078 ) منه الأسماع سبحات ( 1079 ) نور تردع الأبصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة ( 1080 ) على حدودها . و أنشأهم على صور مختلفات ، و أقدار متفاوتات ، « أولي أجنحة » تسبّح جلال عزّته ، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ، و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا معه ممّا انفرد به ،

[ 257 ]

بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ جعلهم اللّه فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه ، و حمّلهم إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه ، و عصمهم من ريب الشّبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته . و أمدّهم بفوائد المعونة ، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات ( 1081 ) السّكينة ، و فتح لهم أبوابا ذللا ( 1082 ) إلى تماجيده ،

و نصب لهم منارا ( 1083 ) واضحة على أعلام ( 1084 ) توحيده ، لم تثقلهم موصرات الآثام ( 1085 ) ، و لم ترتحلهم ( 1086 ) عقب ( 1087 ) اللّيالي و الأيّام ،

و لم ترم الشّكوك بنوازعها ( 1088 ) عزيمة إيمانهم ، و لم تعترك الظّنون على معاقد ( 1089 ) يقينهم ، و لا قدحت قادحة الإحن ( 1090 ) فيما بينهم ،

و لا سلبتهم الحيرة ما لاق ( 1091 ) من معرفته بضمائرهم ، و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته في أثناء صدورهم ، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع ( 1092 ) برينها ( 1093 ) على فكرهم . و منهم من هو في خلق الغمام الدّلّح ( 1094 ) ، و في عظم الجبال الشّمّخ ، و في قترة ( 1095 ) الظّلام الأيهم ( 1096 ) ، و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى ، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق ( 1097 ) الهواء ، و تحتها ريح هفّافة ( 1098 ) تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم ( 1099 ) أشغال عبادته ، و وصلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته ، و قطعهم

[ 258 ]

الإيقان به إلى الوله ( 1100 ) إليه ، و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته ، و شربوا بالكأس الرّويّة ( 1101 ) من محبّته ، و تمكّنت من سويداء ( 1102 ) قلوبهم وشيجة ( 1103 ) خيفته ،

فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم ، و لم ينفد ( 1104 ) طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم ، و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق ( 1105 ) خشوعهم ،

و لم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، و لا تركت لهم استكانة ( 1106 ) الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم ، و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ( 1107 ) ، و لم تغض ( 1108 ) رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم ، و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ( 1109 ) ألسنتهم ، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار ( 1110 ) إليه أصواتهم ، و لم تختلف في مقاوم ( 1111 ) الطّاعة مناكبهم ، و لم يثنوا إلى راحة التّقصير في أمره رقابهم ، و لا تعدو ( 1112 ) على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات ، و لا تنتضل في هممهم خدائع الشّهوات ( 1113 ) . قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ( 1114 ) ، و يمّموه ( 1115 ) عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ،

و لا يرجع بهم الاستهتار ( 1116 ) بلزوم طاعته ، إلاّ إلى موادّ ( 1117 ) من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته ، لم تنقطع أسباب الشّفقة ( 1118 )

[ 259 ]

منهم ، فينوا ( 1119 ) في جدّهم ، و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعي ( 1120 ) على اجتهادهم . لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرّجاء منهم شفقات وجلهم ( 1121 ) ، و لم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشّيطان عليهم . و لم يفرّقهم سوء التّقاطع ،

و لا تولاّهم غلّ التّحاسد ، و لا تشعّبتهم مصارف الرّيب ( 1122 ) ، و لا اقتسمتهم أخياف ( 1123 ) الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ و لا عدول و لا ونى ( 1124 ) و لا فتور ، و ليس في أطباق السّماء موضع إهاب ( 1125 ) إلاّ و عليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ( 1126 ) ، يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما ، و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما