القسم الخامس و منها في صفة الارض و دحوها على الماء

كبس ( 1127 ) الأرض على مور ( 1128 ) أمواج مستفحلة ( 1129 ) ، و لجج بحار زاخرة ( 1130 ) ، تلتطم أواذيّ ( 1131 ) أمواجها ، و تصطفق متقاذفات أثباجها ( 1132 ) ، و ترغو زبدا كالفحول عند هياجها ، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها ، و سكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها ( 1133 ) ، و ذلّ مستخذيا ( 1134 ) ، إذ تمعّكت ( 1135 ) عليه بكواهلها ،

فأصبح بعد اصطخاب ( 1136 ) أمواجه ، ساجيا ( 1137 ) مقهورا ، و في حكمة ( 1138 ) الذّلّ منقادا أسيرا ، و سكنت الأرض مدحوّة ( 1139 ) في لجّة

[ 260 ]

تيّاره ، و ردّت من نخوة بأوه ( 1140 ) و اعتلائه ، و شموخ أنفه و سموّ غلوائه ( 1141 ) ، و كعمته ( 1142 ) على كظّة ( 1143 ) جريته ، فهمد بعد نزقاته ( 1144 ) ، و لبد ( 1145 ) بعد زيفان ( 1146 ) و ثباته . فلمّا سكن هيج الماء من تحت أكنافها ( 1147 ) ، و حمل شواهق الجبال الشّمّخ البذّخ ( 1148 ) على أكتافها ، فجّر ينابيع العيون من عرانين ( 1149 ) أنوفها ، و فرّقها في سهوب ( 1150 ) بيدها ( 1151 ) و أخاديدها ( 1152 ) ، و عدّل حركاتها بالرّاسيات من جلاميدها ( 1153 ) ، و ذوات الشّناخيب الشّمّ ( 1154 ) من صياخيدها ( 1155 ) ،

فسكنت من الميدان ( 1156 ) لرسوب الجبال في قطع أديمها ( 1157 ) ،

و تغلغلها ( 1158 ) متسرّبة ( 1159 ) في جوبات خياشيمها ( 1160 ) ، و ركوبها ( 1161 ) أعناق سهول الأرضين و جراثيمها ( 1162 ) ، و فسح بين الجوّ و بينها ،

و أعدّ الهواء متنسّما لساكنها ، و أخرج إليها أهلها على تمام مرافقها ( 1163 ) .

ثمّ لم يدع جرز ( 1164 ) الأرض الّتي تقصر مياه العيون عن روابيها ( 1165 ) ،

و لا تجد جداول الأنهار ذريعة ( 1166 ) إلى بلوغها ، حتّى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها ( 1167 ) ، و تستخرج نباتها . ألّف غمامها بعد افتراق لمعه ( 1168 ) ، و تباين قزعه ( 1169 ) ، حتّى إذا تمخّضت ( 1170 ) لجّة المزن فيه ، و التمع برقه في كففه ( 1171 ) ، و لم ينم وميضه ( 1172 ) في كنهور ربابه ( 1173 ) ، و متراكم سحابه ، أرسله سحّا ( 1174 ) متداركا ،

[ 261 ]

قد أسفّ هيدبه ( 1175 ) ، تمريه ( 1176 ) الجنوب درر ( 1177 ) أهاضيبه ( 1178 ) و دفع شآبيبه ( 1179 ) . فلمّا ألقت السّحاب برك بوانيها ( 1180 ) ، و بعاع ( 1181 ) ما استقلّت به من العب‏ء ( 1182 ) المحمول عليها ، أخرج به من هوامد ( 1183 ) الأرض النّبات ، و من زعر ( 1184 ) الجبال الأعشاب ، فهي تبهج ( 1185 ) بزينة رياضها ، و تزدهي ( 1186 ) بما ألبسته من ريط ( 1187 ) أزاهيرها ( 1188 ) ،

و حلية ما سمطت ( 1189 ) به من ناضر أنوارها ( 1190 ) ، و جعل ذلك بلاغا ( 1191 ) للأنام ، و رزقا للأنعام ، و خرق الفجاج في آفاقها ،

و أقام المنار للسّالكين على جوادّ طرقها . فلمّا مهد أرضه ، و أنفذ أمره ، اختار آدم ، عليه السّلام ، خيرة من خلقه ، و جعله أوّل جبلّته ( 1192 ) ، و أسكنه جنّته ، و أرغد فيها أكله ، و أوعز إليه فيما نهاه عنه ، و أعلمه أنّ في الإقدام عليه التّعرّض لمعصيته ، و المخاطرة بمنزلته ، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه فأهبطه بعد التّوبة ليعمر أرضه بنسله ، و ليقيم الحجّة به على عباده ، و لم يخلهم بعد أن قبضه ، ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته ، و يصل بينهم و بين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ، و متحمّلي ودائع رسالاته ، قرنا فقرنا ، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم حجّته ، و بلغ المقطع ( 1193 ) عذره و نذره . و قدّر الأرزاق فكثّرها

[ 262 ]

و قلّلها ، و قسّمها على الضّيق و السّعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها ، و ليختبر بذلك الشّكر و الصّبر من غنيّها و فقيرها . ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها ( 1194 ) ، و بسلامتها طوارق آفاتها ، و بفرج ( 1195 ) أفراحها غصص أتراحها ( 1196 ) . و خلق الآجال فأطالها و قصّرها ، و قدّمها و أخّرها ، و وصل بالموت أسبابها ( 1197 ) ، و جعله خالجا لأشطانها ( 1198 ) ،

و قاطعا لمرائر أقرانها ( 1199 ) . عالم السّرّ من ضمائر المضمرين ، و نجوى المتخافتين ( 1200 ) ، و خواطر رجم الظّنون ( 1201 ) ، و عقد عزيمات اليقين ( 1202 ) ، و مسارق إيماض الجفون ( 1203 ) و ما ضمنته أكنان القلوب ( 1204 ) و غيابات الغيوب ( 1205 ) ، و ما أصغت لاستراقه ( 1206 ) مصائخ ( 1207 ) الأسماع ، و مصائف الذّرّ ( 1208 ) ، و مشاتي ( 1209 ) الهوامّ ،

و رجع الحنين ( 1210 ) من المولهات ( 1211 ) ، و همس ( 1212 ) الأقدام ،

و منفسح ( 1213 ) الثّمرة من ولائج ( 1214 ) غلف الأكمام ( 1215 ) ،

و منقمع ( 1216 ) الوحوش من غير ان ( 1217 ) الجبال و أوديتها ، و مختبإ البعوض بين سوق ( 1218 ) الأشجار و ألحيتها ( 1219 ) ، و مغرز الأوراق من الأفنان ( 1220 ) ، و محطّ الأمشاج ( 1221 ) من مسارب الأصلاب ( 1222 ) ،

و ناشئة الغيوم و متلاحمها ، و درور قطر السّحاب في متراكمها ، و ما تسفي ( 1223 ) الأعاصير ( 1224 ) بذيولها ، و تعفو ( 1225 ) الأمطار بسيولها ،

[ 263 ]

و عوم بنات الأرض في كثبان ( 1226 ) الرّمال ، و مستقرّ ذوات الأجنحة بذرا ( 1227 ) شناخيب ( 1228 ) الجبال ، و تغريد ذوات المنطق في دياجير ( 1229 ) الأوكار ، و ما أوعبته الأصداف ( 1230 ) ، و حضنت ( 1231 ) عليه أمواج البحار ، و ما غشيته سدفة ليل ( 1232 ) ، أو ذرّ ( 1233 ) عليه شارق نهار ، و ما اعتقبت ( 1234 ) عليه أطباق الدّياجير ( 1235 ) ، و سبحات النّور ( 1236 ) ، و أثر كلّ خطوة ، و حسّ كلّ حركة ، و رجع كلّ كلمة ، و تحريك كلّ شفة ، و مستقرّ كلّ نسمة ، و مثقال كلّ ذرّة ، و هماهم ( 1237 ) كلّ نفس هامّة ، و ما عليها من ثمر شجرة ، أو ساقط ورقة ، أو قرارة ( 1238 ) نطفة ، أو نقاعة ( 1239 ) دم و مضغة ، أو ناشئة خلق و سلالة ، لم يلحقه في ذلك كلفة ، و لا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة ( 1240 ) ، و لا اعتورته ( 1241 ) ، في تنفيذ الأمور و تدابير المخلوقين ملالة و لا فترة ، بل نفذهم علمه ، و أحصاهم عدده ، و وسعهم عدله ، و غمرهم فضله ، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله .