بيان

قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد . و لعلّ غضبه عليه السلام لعلمه بأنّ غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الأجسام ، أو لأنّه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه ، أو وصفه بصفات أرفع و أبلغ ممّا نطق به الكتاب و الآثار لزعمه أنّه لا يكفي في معرفته سبحانه ، و يؤيّد كلاّ من الوجوه بعض الفقرات .

-----------
( 287 ) كتاب التوحيد للصدوق ، ص 23 .

[ 265 ]

و « جامعة » منصوبة على الحاليّة ، أي عليكم الصلاة على رفع الصلاة كما حكي ، أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكلّ الناس . و ربّما يقرء برفعهما على الابتداء و الخبريّة . و هذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة و إن كان أصله للصلاة .

« لا يفره » أي لا يكثره « المنع » [ 288 ] أي ترك العطاء . « و لا يكديه الإعطاء » أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه ، يقال : « كدت الأرض » إذا أبطأ نباتها ، و « أكدى » فلان الأرض » إذا جعلها كادية ، أو لا تردّه كثرة العطاء عن عادته فيه ، من قولهم « أكديت الرجل عن الشي‏ء » أي رددته عنه ، ذكره الجوهريّ و قال : « الكدية » الأرض الصلبة ، و « أكدى الحافر » إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر ، و « أكدى الرجل » إذا قلّ خيره و انتقص ، يكون متعدّيا و لازما كنقص . و هذا في النسخ على بناء المفعول ،

و التعليل بالجملتين باللفّ و النشر المرتّب أو المشوّش لمطابقة الإعطاء و المنع في كلّ منهما ، و على التقديرين التعليل في الأولى ظاهر ، و الفقرة الثانية ليس في نسخ التوحيد و هو الصواب ، و على تقديرها ففي أصل الجملة و التعليل بها معا إشكال ، أمّا الأوّل فلأنّه

[ 288 ] قوله عليه الصلاة و السلام « لا يفره المنع » أي لا يكثره ترك الإعطاء و لا يزيد في ملكه . « و لا يكديه الإعطاء » أي لا يفقره و لا ينتقص من ملكه « إذ كلّ معط منتقص سواه و كلّ مانع مذموم ما خلاه » . حسن الإعطاء و الجود و قبح المنع و البخل من أحكام العقل العمليّ ، و ملاك الحكم أنّه يرى الإنسان محتاجا إلى بني نوعه مفتقرا إلى التعاون و التعاضد معهم حتّى يسعد في حياته و يبلغ غاية مناه ، فلكلّ فرد من أفراد المجتمع قدم إلى تشكيله و أثر في ابقائه ، و حقّ على زملائه و حقّ عليهم جميعا أن يتحفّظوا على الاجتماع و يراقبوا ثغوره و يذبّوا عن حدوده ، فحقّ على الأغنياء المثرين أن يبذلوا على الفقراء المعدمين و لا يدعوهم مفتقرين حتّى يهلكوا و يفقد المجتمع بعض أعضائه فينتقض الغرض و يخيب المسعى .

و من الواضح عدم وجود هذا الملاك في الحقّ سبحانه لتعاليه عن الحاجة و ترفّعه عن النقصان و تنزّهه عن الغرض الزائد على الذات ، لكن حيث إنّ له تعالى مطلق الكمال و الجمال و له الأسماء الحسنى و الصفات العليا ، كان ذاته المتعالية و صفاته الجميلة الغير الزائدة عليها مقتضية لصدور الأفعال الحسنة و كان كلّ أفعاله لا محالة حسنة جميلة ، لكن ليس للعقل أن يحكم عليه بوجوب فعل الخير و ترك الشرّ إلاّ بمعنى إدراكه لاقتضاء ذاته سبحانه لهما ، و على هذا فلو صدر عنه سبحانه منع أيضا كان حسنا لأنّه ليس لأحد عليه تعالى حقّ حتّى يحسن إعطاؤه و يقبح منعه ، و لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون . و هذا هو المراد بقول الإمام الثامن عليه السلام : « فهو الجواد إن أعطى ، و هو الجواد إن منع ، لأنّه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له و إن منعه منعه ما ليس له » .

[ 266 ]

إن أريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الأعمّ فكيف يصحّ الحكم بكونه مذموما ، و إن أريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء .

و يمكن أن يجاب باختيار الثاني من الأوّل أي الأعمّ و يقال : المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذمّ ، فيصير حاصل الكلام أنّ كلّ مانع غيره يمكن أن يلحقه الذمّ بخلافه سبحانه ، فإنّه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذمّ أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلاّ إذا بخل بما افترض عليه ، و إذا أطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي ، و المراد بالعنوان المعنى الشامل لهما . و يدلّ عليه ما مرّ مرويّا عن الرضا عليه السلام أنّه سئل عن الجواد فقال عليه السلام : إنّ لكلامك وجهين : فان كنت تسأل عن المخلوق فإنّ الجواد هو الّذي يؤدّي ما افترض اللّه سبحانه عليه و البخيل هو الّذي يبخل بما افترض اللّه عليه ، و إن أردت الخالق فهو الجواد إن أعطى ،

و هو الجواد إن منع ، لأنّه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له ، و إن منعه منعه ما ليس له .

و أمّا الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلّة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهّم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالإعطاء ، فإنّ لمتوهّم أن يقول : إذا لم ينقص من خزائنه شي‏ء بالإعطاء فيجب أن لا يتّصف بالمنع أصلا ، و لو اتّصف به لكان مذموما ،

مع أنّ من أسمائه تعالى المانع . فردّ ذلك الوهم بأنّ منعه سبحانه ليس للانتقاص بالإعطاء ، بل لقبح الإعطاء و عدم اقتضاء المصلحة له ، و مثل ذلك المنع لا يستتبع الذمّ و استحقاقه . و لو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلّة ، فإنّ الوفور بالمنع أو إكداء الإعطاء 289 علّة للبخل التابع للخوف من الفاقة ، و هو علّة لترتّب الذمّ من حيث إنّه نقص أو لاقتضائه المنع و ردّ السائل ، و نفي الذمّ يدلّ على عدم الوفور أو الإكداء المدّعى في الجملتين المتقدّمتين .

« المنّان بفوائد النعم » المنّ يكون بمعنى الانعام و بمعنى تعديد النعم و الأوّل هنا أظهر ، و ربّما يحمل على الثاني فإنّ منّه سبحانه حسن و إن كان في المخلوق صفة ذمّ . و « الفائدة » الزيادة تحصل للإنسان من مال أو غيره . و « العائد » المعروف

-----------
( 289 ) في ( ظ ) : أو الإكداء بالإعطاء .

[ 267 ]

[ و العطف ] ، و قيل : « عوائد المزيد و القسم » معتادهما ، و « المزيد » الزيادة و لعلّ المراد به ما لا يتوهّم فيه استحقاق العبد . و « القسم » جمع « القسمة » و هي الاسم من « قسمه [ كضربه ] و قسّمه » بالتشديد ، أي جزّأه . و « عيال الرجل » بالكسر ، أهل بيته و من يمونهم ، جمع « عيل » و جمعه « عيائل » .

« ضمن أرزاقهم » أي كفلها . « و قدّر أقواتهم » أي جعل لكلّ منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة و المصلحة . و « نهج سبيل الراغبين إليه » ، « نهجت الطريق » أبنته و أوضحته و نهج السبيل لصلاح المعاد كما أنّ ضمان الأرزاق لصلاح المعاش ، و يحتمل الأعمّ . « ليس بما سئل الخ » عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحثّ على السؤال لأنّه من معدّات السائل لاستحقاق الانعام ، لأنّ نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء ، و إن استحقّ السائل ما لا يستحقّه 290 غيره بخلاف المخلوقين فإنّ السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد .

« الأوّل الّذي لم يكن له قبل فيكون شي‏ء قبله » قيل : وجوده سبحانه ليس بزمانيّ فلا يطلق عليه القبليّة و البعديّة كما يطلق على الزمانيّات ، فمعناه : الأوّل الّذي لا يصدق عليه القبليّة ليمكن أن يكون شي‏ء [ ما ] قبله ، و الآخر الّذي لا يصدق عليه البعديّة الزمانيّة ليمكن أن يكون شي‏ء ما بعده . و قد يحمل على وجه آخر و هو أنّه لم يكن سبقه عدم فيقال إنّه مسبوق بشي‏ء من الأشياء إمّا المؤثّر فيه أو الزمان المقدّم عليه ، و أنّه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيكون بعده شي‏ء من الأشياء إمّا الزمان أو غيره .

و يمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدّم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما ،

و بالشي‏ء موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتّى يتصوّر تقدّم موجود عليه ،

و كذا بقاء موجود بعده .

« و الرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه » ، « الأناسيّ » بالتشديد ، جمع « إنسان » و إنسان العين المثال الّذي يرى في السواد ، و لا يجمع على « أناس » كما يجمع الإنسان بمعنى البشر عليه . و قيل : « الأناسيّ » جمع « إنسان العين » مشدّد ، و الآخر يشدّد

-----------
( 290 ) في بعض النسخ : ما لم يستحقّه .

[ 268 ]

و يخفّف و قرء « أناسي كثيرا » بالتخفيف . و « ردعها » أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له لأنّه سبحانه ليس بجسم و لا جسمانيّ و لا في جهة . و « نلت الشي‏ء » أصبته و أدركته ، أي تبعته فلحقته ، و المراد بالنيل الإدراك التامّ و بالإدراك غيره ، و يحتمل العكس و أن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية ، فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذا جهة و جسمانيّا ، و الإدراك إلى أنّه يستلزم وجود كنه ذاته في الأذهان و هو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد .

« ما اختلف عليه دهر » ظاهره نفي الزمانيّة عنه تعالى ، و يحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا و على وفق إرادته أحيانا حتّى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدّة و الرخاء و النعم و البؤس و الصحّة و السقم و نحو ذلك .

« و لو وهب ما تنفّست » استعار التنفّس هنا لإبراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفّس الحيوان . « و ضحكت عنه » أي تفتّحت و انشقّت حتّى ظهر و يقال للطلع حين تنشقّ « الضحك » بفتح الضاد ، و قد مرّ بيان لطف تلك التشبيهات .

« و الفلزّ » بكسر الفاء و اللام و تشديد الزاي ، الجواهر المعدنيّة كالذهب و الفضّة ، و في الصحاح : ما ينقّيه [ 291 ] الكير ممّا يذاب من جواهر الأرض . « و اللّجين » مصغّرا ، الفضّة ، « و العقيان » بالكسر ، الذهب الخالص . و « نثرت الشي‏ء » كنصرت رميته متفرّقا ، و « نثارة الدّر » بالضمّ ، ما تناثر منه ، و « الدّر » جمع « درّة » و هي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا . و « حصد الزرع » قطعه بالمنجل ، و « الحصيد » المحصود ،

و المراد بالمرجان إمّا صغار اللؤلؤ و وصفه بالحصيد 292 لعلّه يناسب ما يذكره التجّار أنّ الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فتحصده الغوّاصون ، و لذا قيل : إنّه حيوان يشبه النبات . و قال بعض شارحي النهج : كأنّ المراد المتبدّد من المرجان كما يتبدّد الحبّ المحصود ، و يجوز أن يعنى المحكم من قولهم « شي‏ء مستحصد » أي مستحكم ،

[ 291 ] في النسخة المطبوعة بمصر : « ينفيه » و ما في المتن أظهر . و « الكير » كما نقل في الصحاح عن أبي عمرو هو كير الحدّاد و هو زقّ أو جلد غليظ ذو حافات . و في القاموس : « الفلزّ » بكسر الفاء و اللام و شدّ الزاي و كهجفّ و عتلّ ، نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة ، أو خبث الحديد ، أو الحجارة ، أو جواهر الأرض كلّها ، أو ما ينفيه الكير من كلّ ما يذاب منها . . . الخ .

-----------
( 292 ) في بعض النسخ : بالحصد .

[ 269 ]

قال : و يروى « و حصباء المرجان » و « الحصباء » الحصا ، و قال قوم : هو البسد يعني الحجر الأحمر ، و « أنفده » أي أفناه . و « ذخائر الأنعام » ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة . و « المطالب » جمع « المطلب » بمعنى المصدر . « لا يغيضه » جاء متعدّيا كما جاء لازما . « و لا يبخّله » أي لا يجعله بخيلا ، و يقال أيضا : « بخّله تبخيلا » إذا رماه بالبخل و روي على صيغة الإفعال أي لا يجده بخيلا . و التعليل بقوله « لأنّه الجواد » إمّا للجملة الشرطيّة بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر ، إذ لو أثّر العطاء المفروض في جوده لبخّله الإلحاح ، فإنّه في الحقيقة منع 293 التأثير في الجود ، فنفيه يدلّ على نفيه ، و إمّا لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أنّ العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفد ما عنده بالطلب و إن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكلّ ما عنده ، فنفي التبخيل يدلّ على نفي الإنفاد .

« فانظر أيّها السائل الخ » ، « الايتمام » الاقتداء . و « الأثر » بالتحريك ، نقل الحديث و روايته . و « وكل الأمر إليه وكلا و وكولا » سلّمه و تركه ، و يدلّ على المنع من الخوض في صفاته سبحانه و من البحث عمّا لم يرد منها في الكتاب و السنّة .

« و اعلم أنّ الراسخين في العلم » إلى آخره . « الراسخ في العلم » الثابت فيه .

« و اقتحم المنزل » أي دخله بغتة و من غير رويّة . و « السدد » جمع « سدّة » و هي باب الدار ، و « ضرب الباب » نصبه ، و « دون الشي‏ء » ما قرب منه قبل الوصول إليه .

و « المتعمّق في الأمر » الّذي يبالغ فيه و يطلب أقصى غايته . و « قدر الشي‏ء » مبلغه ،

و « تقديره » أن تجعل له قدرا و تقيسه بشي‏ء ، و المعنى : لا تقس عظمة اللّه بمقياس عقلك و مقداره . و الظاهر أنّ المراد بإقرار الراسخين في العلم و مدحهم ما تضمّنه قوله سبحانه : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ . . . إلى قوله : وَ مَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ 294 فإقرارهم قولهم « آمنّا به كلّ من عند ربّنا » و مدح اللّه تعالى إيّاهم ذكر كلامهم المتضمّن للإيمان و التسليم في مقام المدح ، أو تسمية ترك

-----------
( 293 ) في المخطوطة : معنى التأثير .

-----------
( 294 ) آل عمران : 7 .

[ 270 ]

تعمّقهم رسوخا في العلم ، فالعطف في قوله « و سمّى » للتفسير أو الإشارة إلى أنّهم أولوا الألباب بقوله وَ مَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ ، و حينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته و صفاته سبحانه ممّا استأثر اللّه بعلمه ، و على هذا فمحلّ الوقف في الآية « إلاّ اللّه » كما هو المشهور بين المفسّرين و القرّاء ، فتفيد اختصاص علم المتشابه [ 295 ] به سبحانه ، و قوله « و الرّاسخون » مبتدأ و « يقولون » خبره ، و هو بظاهره مناف لما دلّت عليه الأخبار المستفيضة من أنّهم عليهم السلام يعلمون ما تشابه من القرآن كما مرّ في كتاب الإمامة ، و على هذا فالوقف على « العلم » ، و إليه ذهب أيضا جماعة من المفسّرين ، فقوله « يقولون » حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم ، و يمكن الجمع بينها بوجوه :

الأوّل : أن يكون ما ذكره عليه السلام هنا مبنيّا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم .

الثاني : أن يكون للآية ظهر و بطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب و ما استأثر اللّه عزّ و جلّ بعلمه من صفاته و كنه ذاته و أمثال ذلك ممّا تفرّد سبحانه بعلمه ، و إليه يشير ظاهر هذا الكلام ، و ثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله و إليه أشير في سائر الأخبار ، فيكون القاري‏ء مخيّرا في الوقف على كلّ من الموضعين .

الثالث : ما قيل إنّه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم و تسليمهم قبل أن يعلمهم اللّه تأويل ما تشابه من القرآن فكأنّه سبحانه بيّن أنّهم لمّا آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات و المتشابهات و لم يتّبعوا ما تشابه منه كالّذين في قلوبهم زيغ

[ 295 ] بل تفيد اختصاص العلم بتأويل القرآن به سبحانه ، فتأمل في قوله و ما يعلم تأويله إلاّ اللَّه ، و الضمير في قوله « تأويله » راجع إلى « الكتاب » ، و لا ينافي علمهم عليهم السلام بمتشابهات القرآن ، بل لا ينافي علمهم بتأويله ، فإنّ ظاهر الآية و إن كان الانحصار لكنّه لا يأبى عن الاستثناء ، كما أنّ ظاهر بعض الآيات اختصاص علم الغيب به سبحانه لكنّه تعالى استثنى عنه من ارتضى من رسول في قوله : عَالِمُ الْغَيْبِ ، فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسولٍ ( الجنّ : 26 27 ) . و دليل علمهم بتأويل القرآن قوله تعالى : لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 79 ) .

و إن أردت توضيح ما ذكر فراجع إلى تفسير « الميزان » ، سورة آل عمران .

[ 271 ]

بالتعلّق بالظاهر أو بتاويل باطل فآتاهم اللّه علم التأويل و ضمّهم إلى نفسه في الاستثناء . و الاستئناف في قوّة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم ، و بيان أنّهم إنّما استحقّوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل و قصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم ، و إن علموا التأويل بتعليم إلهيّ . و قد ورد عنه عليه السلام أنّه لمّا أخبر ببعض الغيوب قال له رجل : أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ فقال عليه السلام : ليس هو بعلم غيب ، و إنّما هو تعلّم من ذي علم . و قد مرّ بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد .

« إذا ارتمت » يقال : « ارتمى القوم » إذا تراموا بالنبال . و « الأوهام » خطرات القلب ، و في اصطلاح المتكلّمين إحدى القوى الباطنة ، شبّه عليه السلام جولان الأفكار و تعارضها بالترامي . و « المنقطع » موضع الانقطاع ، و يحتمل المصدر . و « حاولت الشي‏ء » أردته ، و « الخطر » بالتسكين ، مصدر « خطر له خاطر » أي عرض في قلبه و روي « من خطرات الوساوس » و « الوسوسة » حديث النفس و الشيطان بما لا خير فيه و لا نفع ، و الاسم الوسواس .

و « الملكوت » العزّ و السلطان . و « تولّهت إليه » أي اشتدّ عشقها و حنّت إليه و « الوله » بالتحريك ، التحيّر و ذهاب العقل من حزن أو فرح . « لتجري في كيفيّة صفاته » أي لتجد مجرى و مسلكا في ذلك . و « غمض الشي‏ء » بالفتح و الضمّ ، أي خفي مأخذه . و « الغامض من الكلام » خلاف الواضح ، و « مداخل العقول » طرق الفكر ، و فاعل « تنال » ضمير العقول ، أي إذا دقّت و غمضت طرق العقول و وصلت إلى حدّ لا تبلغ الصفات لدقّة تلك الطرق و خفائها ، أو إذا دقّت و انتهت العقول إلى أنّها لا تعتبر مع ملاحظة الحقّ صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته ، و في بعض النسخ : « علم ذلك » و الأوّل أظهر .

« ردعها » ، « الردع » الردّ و الكفّ ، و الجملة جزاء للشرط السابق ، و الضمير المنصوب راجع إلى الأوهام أو غيرها ممّا سبق . « و هي تجوب » أي تقطع ، و الواو للحال . و « المهاوي » جمع « مهواة » و هي الحفرة أو ما بين الجبلين ، و المراد هنا المهلكة .

[ 272 ]

و « السدف » جمع « سدفة » و هي القطعة من الليل المظلم ، و يطلق على الضياء أيضا .

و « خلّصته تخليصا » نحّيته فتخلّص فقوله « متخلّصة إليه » أي متوجّهة إليه بكلّيّتها متنحيّة عن غيره . و « جبهه » كمنعه أي ضرب جبهته فردّه . و « الجور » العدول عن الطريق ، و « الاعتساف » قطع المسافة على غير جادّة معلومة ، و المراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الّذي لا جادّة له ، و لا يفضي إلى المقصود . و « الخاطرة المنفيّة » [ 296 ] ما يكون مطابقا للواقع .

« الّذي ابتدع الخلق » ، « الابتداع » الإنشاء و الإحداث . و « مثال الشي‏ء » بالكسر ، صورته و صفته و مقداره ، و « امتثله » أي تبعه و لم يتجاوز عنه . و « احتذى عليه » أي اقتدى به . و قوله « من خالق » متعلّق بمحذوف [ و ] هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشي‏ء ، و المراد بنفي امتثال المثال أنّه لم يمثّل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته ، و بنفي احتذاء المقدار أنّه لم يقتد بخالق كان قبله ،

فالظرف صفة للمقدار فقط . و يحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للأوّل فالظرف صفة للمثال و المقدار معا ، و يكون المراد بالأوّل نفي الاقتداء بالغير في التصوير و بالثاني في التقدير ، أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع و هيئته ، و لم يكن على حذو فعل فاعل آخر لتنزّهه عن الصور و الخواطر ، فالظرف صفة لمقدار . و وصف الخالق بالمعبود لأنّه من لوازمه ، أو لأنّه لو كان كذلك لكان هو المعبود .

« و المساك » بالكسر ما يمسك به ، و فيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثّر . و قوله « ما دلّنا » مفعول ثان ل « أرانا » ، و اضطرار قيام الحجّة عبارة عن إفادتها العلم القطعيّ بعد تحقّق الشروط و ارتفاع الموانع ، و الظرف في قوله « على معرفته » متعلّق بقوله « دلّنا » و أعلام الحكمة ما يدلّ عليها ، و الضمير في قوله « فحجّته » يحتمل عوده إلى الخلق الصامت ، كالضمير في « دلالته » أو إلى اللّه سبحانه . « فأشهد و في

[ 296 ] الّتي نفيت بقوله عليه السلام « و لا تخطر ببال أولي الروايات خاطرة . . . » ، و مراده رحمه اللّه أنّه ربما يخطر بالبال خواطر من تقدير جلاله تبارك و تعالى لكنّها ليست مطابقة للواقع فلا تخطر خاطرة مطابقة للواقع ببال أولي الروايات من تقدير الجلال و اكتناه سائر صفاته سبحانه .

[ 273 ]

بعض النسخ بالواو بتباين » المشبّه به في الحقيقة هو الخلق ، و إنّما أدخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطاء في التشبيه . و « التلاحم » التلاصق . و « الحقاق » بالكسر ، جمع « حقّة » بالضّم و هي في الأصل وعاء من خشب ، و « حقاق المفاصل » النقر الّتي ترتكز فيها العظام ، و احتجابها استتارها بالجلد و اللحم . و قوله « لتدبير » متعلّق بالمحتجبة ، أي المستورة للتدبير الّذي اقتضته الحكمة . قيل : و من حكمة احتجابها أنّها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذّر تصرّف الحيوان و كانت معرضة للآفات أو بالتباين و التلاحم . و قال بعض شارحي النهج : و من روى « المحتجّة » أراد أنّها كالمستدلّ 297 على التدبير الحكميّ من لدنه سبحانه . و « العقد » الشدّ ، و فاعل الفعل الموصول المشبّه ، و « غيب » منصوب على المفعوليّة ، و هو كلّ ما غاب ، و « الضمير » اسم من « أضمرت في نفسي شيئا » أو إضافة الغيب [ إلى الضمير ] من إضافة الصفة إلى الموصوف ، و المراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته و باطنها لا ما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهّمه . و في بعض النسخ : « لم يعتقد » على صيغة المجهول و « غيب » بالرفع .

و « المباشرة » لمس البشرة ، و الفاعل « اليقين » ، و في بعض النسخ : « قلبه » بالرفع على أنّه الفاعل و « اليقين » بالنصب ، و الأوّل أظهر . و « الندّ » المثل . و « إن » في الآية مخفّفة من المثقّلة . و يظهر من كلامه عليه السلام أنّ التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه ، و لا يخصّ التسوية في استحقاق العبادة . « كذب العادلون بك » أي المسوّون بك غيرك . و « نحلوك » أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم ، و التعبير بالنحلة و الحلية لزعم هؤلاء أنّها كمال له عزّ و جلّ . و « جزّؤوك » أي أثبتوا لك أجزاء ،

و « خواطرهم » ما يخطر ببالهم من الأوهام الفاسدة . « و قدّروك على الخلقة » أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم . و « قرائح عقولهم » ما يستنبطونه بآرائهم ، و القريحة في الأصل أوّل ما يستنبط من البئر . و « محكمات الآيات » نصوص الكتاب . و « شواهد الحجج » الأدلّة العقليّة ، و نطقها دلالتها القطعيّة ، أو الشواهد الهداة المبيّنون للحجج الّتي هي الأدلّة ، و كأنّه ضمّن النطق معنى الكشف

-----------
( 297 ) في بعض النسخ : كالمستدلّة .

[ 274 ]

فعدّى ب « عن » ، و إضافة الحجج إلى البيّنات للمبالغة .

« لم يتناه في العقول » أي لم تقدّرك العقول بالنهاية و الكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته ، أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها . و « مهبّ الفكر » هبوبها ، و لعلّه عليه السلام شبّه الحركات الفكريّة بهبوب الرياح و الأفكار بما تجمعها و تذروها من الحشايش إشعارا بضعفها و سفالة ما يحصل منها . و قيل : التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشي‏ء مرسّما في القوى الجزئيّة و هي مهابّ الفكر الّتي ترتسم فيها الصور و تزول كالريح الهابّة تمرّ بشي‏ء . و قيل : مهابّ الفكر جهاتها .

و « رويّات الخواطر » ما يخطر بالبال بالنظر و الفكر ، و « المحدود » المحاط بالحدود ، و المراد بالحدود ما يلزم الإحاطة التامّة ، أو الصفات و الكيفيّات الّتي لا يتعدّاها المعلوم . و « المصرّف » القابل للتغيّر و الحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة و التحليل و التركيب .

« قدّر ما خلق فأحكم تقديره » أي جعل لكلّ شي‏ء مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة ، أو هيّأ كلّ شي‏ء لما أراد منه من الخصائص و الأفعال ، أو قدّره للبقاء إلى أجل معلوم ، « فأحكم » أي أتقن . و « التدبير في الأمر » النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته ،

« فألطف تدبيره » أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة ، أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف و الرفق و الرحمة على عباده . « و وجّهه لوجهته » أي جعل كلاّ منها مهيّأة و ميسّرة لما خلق له كالحبوب للأكل و الدوابّ للركوب ، و كلّ صنف من الإنسان لأمر من الأمور المصلحة للنظام . و يحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها ، و الأوّل أعمّ و أظهر .

و « الوجهة » بالكسر ، الناحية و كلّ أمر استقبلته . و « قصر السهم عن الهدف » إذا لم يبلغه ، و « قصرت عن الشي‏ء » أي عجزت عنه . و « استصعب الأمر علينا » أي صعب و « الصعب » غير المنقاد ، و « مضى الشي‏ء مضيّا و مضوّا » أي نفذ و لم يمتنع . و « صدر » كعقد رجع و انصرف كرجوع الشاربة عن الماء و المسافرين عن مقصدهم ، و لمّا كانت الأمور لإمكانها محتاجة في الوجود إلى مشيّته فكأنّما توجّهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها ، و « المشيّة » الإرادة ، و أصلها المشيئة بالهمز .

[ 275 ]

« آل إليها » أي رجع ، و « الغريزة » الطبيعة 298 ، و « قريحة الغريزة » ما يستنبطه الذهن ، و قيل : قوّة الفكر للعقل . « أضمر عليها » أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و « التجربة » الاختبار مرّة بعد أخرى . و يقال : « أفدته مالا » أي أعطيته و « أفدت منه مالا » أخذته . و حكى الجوهريّ عن أبي زيد : « أفدت المال » أعطيته غيري ، و « أفدته » استفدته . 299 و « ابتداع الخلائق » إحداثها . « فتمّ خلقه » يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدريّ ، و يكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في « طاعته » و « دعوته » أو إلى « ما خلق » المذكور سابقا ، و على الأوّل يكون في « أذعن » و « أجاب » راجعين إلى الخلق على الاستخدام ، أو إلى « ما خلق » و يمكن أن يراد به المخلوق ، و تمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها و تستعدّ له . و إذعان ما خلق لطاعته و إجابته إلى دعوته إمّا بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيّؤه لنفوذ تقديراته و إرادته سبحانه فيه ، و فيه إشارة إلى قوله تعالى : أَتَيْنَا ظَائِعِينَ 300 . و ربّما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أنّ لكلّ مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى : وَ إِنْ مِنْ شَي‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ 301 .

و « اعترض الشي‏ء دون الشي‏ء » أي حال بينه و بينه ، و « دونه » أي قبل الوصول إليه ، و الضمير في « دونه » أيضا راجع إليه سبحانه و يحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر « أذعن » و « أجاب » . و « الريث » البطؤ . و « الأناة » كفتاة الاسم من « تأنّي في الأمر » أي تمكّث و لم يعجل . و « تلكّأ » توقّف و أبطأ .

« فأقام من الأشياء أودها » ، « الأود » بالتحريك ، الاعوجاج ، و إقامته إعداد كلّ شي‏ء لما ينبغي له ، أو دفع المفاسد الّتي تقتضيه الأشياء لو خلّيت و طباعها . و « نهج » أي أوضح ، و « حدّ الشي‏ء » منتهاه ، و أصل الحدّ المنع و الفصل بين الشيئين و « نهج الحدود » قيل : إيضاحه لكلّ شي‏ء غايته و تيسيرها له ، أو المعنى : جعل لكلّ شخص و نوع مشخّصا و مميّزا واضحا يمتاز به عن غيره ، فإنّ من أعاظم 302 المصالح و

-----------
( 298 ) في بعض النسخ : الطبع .

-----------
( 299 ) الصحاح ، ج 1 ، ص 518 .

-----------
( 300 ) فصّلت : 11 .

-----------
( 301 ) الإسراء . 44 .

-----------
( 302 ) في بعض النسخ : « من أعظم » و هو الأظهر .

[ 276 ]

أعزّها امتياز الأنواع و الأشخاص بعضها عن بعض .

أقول : و يحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإنّ لكلّ منها حدّا لا تتجاوزه ، و لعلّه أنسب بما بعده .

و « لاءم » أي جمع « بين متضادّاتها » كجمع العناصر المتبائنة في الكيفيّات و الصفات لحصول المزاج و كالألفة بين الروح و البدن .

« و وصل أسباب قرائنها » السبب في الأصل الحبل ، و يقال لكلّ ما يتوصّل به إلى شي‏ء ، و « القرينة » فعيلة بمعنى مفعولة ، و « قرائن الأشياء » ما اقترن منها بعضها ببعض ، و وصل أسبابها ملزوم لاتّصالها . و قال ابن ميثم : « القرائن » النفوس المقرونة بالأبدان و اعتدال المزاج بسبب بقاء الروح ، أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها ،

و المراد بالأجناس هنا أعمّ ممّا هو مصطلح المنطقيّين ، و كذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم ، و إن كان المقام لا يأباهما .

و « الغرائز » الطبائع و القوى النفسانيّة . و « البدايا » جمع « بداية » و هي الحالة العجيبة ، يقال : « أبدأ الرجل » إذا أتى بالأمر المعجب و « البديئة » أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة ، أي عجائب مخلوقات ، أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتفاء مثال ، و هو خبر مبتدأ محذوف ، أي هي بدايا . و « الفطر » الابتداء و الاختراع و « الابتداع » كالتفسير له .

و « نظم » أي جمع . « ألّف بلا تعليق » أي من غير أن يعلّق بعضها ببعض بخيط أو نحوه ، و « رهوات فرجها » ، « الرهوة » المكان المرتفع و المنخفض أيضا ، فنظمها تسويتها . و قال في النهاية : في حديث عليّ 303 : « و نظم رهوات فرجها » أي المواضع المنفتحة منها . 304 و هو مأخوذ من قولهم « رها رجليه رهوا » أي فتح ، و فيه دلالة على أنّ السماء كانت ذات فرج و صدوع فنظمها سبحانه ، و هو مناسب لما مرّ من أنّ مادّتها الدخان المرتفع من الماء ، إذ مثل ذلك تكون قطعا و ذات فرج . و أوّل بعض الشارحين بتباين أجزاء المركّب لو لا التركيب و التأليف ، أو بالفواصل الّتي كانت بين

-----------
( 303 ) في المصدر : و في حديث عليّ رضي اللّه عنه يصف السماء . . .

-----------
( 304 ) النهاية ، ج 2 ، ص 116 .

[ 277 ]

السموات لو لا أنّ الصانع خلقها أكرا [ 305 ] متماسّة . و إنّما اضطرّه إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة و تقليدهم .

و « ملاحمة الصدوع » إلصاق الأجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض ، و إضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاصّ إلى العامّ . و « وشّج » بالتشديد ، أي شبّك و الضمير في « بينها » راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة .

و قال ابن ميثم : المراد بأزواجها نفوسها الّتي هي الملائكة السماويّة بمعنى قرائنها و كلّ قرين زوج ، أي ربط ما بينها و بين نفوسها بقبول كلّ جرم سماويّ لنفسها الّتي لا يقبلها غيره .

و أقول : القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الإسلام ، بل نقل السيّد المرتضى رضي اللّه عنه إجماع المسلمين على أنّ الافلاك لا شعور لها و لا إرادة ، بل هي أجسام جماديّة يحرّكها خالقها . [ 306 ] و يمكن أن يراد بالأزواج الملائكة الموكّلون بها أو القاطنون فيها ، أو المراد أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئيّة ، و يمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الأخيرين و يمكن أن

[ 305 ] « الأكر » بضمّ الهمزة و فتح الكاف ، جمع « كرة » و هي كلّ جسم مستدير .

[ 306 ] البحث عن الأفلاك و ماهيّتها بحث هيويّ اختلف فيه أقوال قدماء الهيويّين من يونان و المتأخّرين من علماء أروبا . و فيه فرضية مشهورة من بطلميوس و هو من أقدم فلكيّي يونان ، و هي أنّ الأفلاك كرات يحتوي بعضها على بعض ، منها كلّيّة و منها جزئية و أنّ الأفلاك الكلّيّة تسعة و زعم أنّ لها أحكاما يختصّ بها من بين الأجسام ، منها استحالة الخرق و الالتئام و أحكام أخرى لا يسع ذكرها المقام . و قد أبطلها علماء الهيئة الحديثة و هدموا أساسها و نقضوا حدودها و خرقوا كلّيّها و جزئيّها ، و كيف كان فالبحث عن هذه المسألة شأن العالم الهيويّ ، لا الفقيه و الأصوليّ و المحدّث و المنطقيّ ، و ليس الاعتقاد بوجود هذه الأفلاك أو عدمها من أصول الدين و فروعه و لا ممّا ورد في كتاب اللّه أو سنّة رسوله ، اللّهمّ إلاّ ما ذكر في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة من السماوات و الأرض و الكواكب و النجوم و أنّ كلّ كوكب يسبّح في فلك . . إلى غير ذلك ، لكن لا يجد المتتبّع الخبير من كتاب اللّه آية و لا ممّا صدر عن معادن علم اللّه رواية تدلّ على إثبات الأفلاك البطلميوسيّة و تصديق ما يستلزمه تلك الفرضيّة إن لم يجد ما يكذبها و يبطلها و دعوى الإجماع من المسلمين في مثل المسألة كما تعلم من أنّ فرض إجماع المسلمين في زمان أو في جميع الأزمنة على أمر ليس من دينهم و لا من واجب اعتقادهم و لا ممّا يرتبط بأفعالهم ، فأيّ دليل على حجّته ؟ و من أين يمكن القول بوجوب اتّباعه و الاعتقاد بمعتقده ؟ هذا حال أصل الأفلاك ، فما ترى في البحث عن كونها ذوات نفوس مدركة أو جمادات فاقدة للشعور و الإرادة ؟ و لا يخفى أنّ دعوى الإجماع على أحد طرفي المسألة ممنوعة ، و حجّيّته على فرض وجوده غير مسلّمة ، بل لا ينبغي الشكّ في عدم حجّيّته .

[ 278 ]

يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسميّة و الإمكان من الأرضيّات و يناسب ما جرى على الألسن من تشبيه العلويّات بالآباء و السفليّات بالأمّهات .

« و ذلّل للهابطين » يقال : « ذلّل البعير » أي جعله ذلولا و هو ضدّ الصعب الّذي لا ينقاد من « الذّلّ » بالكسر و هو اللين . و « الحزونة » خلاف السهولة ، و « المعراج » السلّم و المصعد . و « نداء السماء » إشارة إلى ما مرّ من قوله سبحانه : فَقَالَ لَهَا وَ لِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً 307 .

« فالتحمت عرى أشراجها » ، « التحمت » أي التزقت و التأمت ، و « عرى العيبة » هي الحلق الّتي تضمّ بعضها إلى بعض و تشدّ و تقفل ، و « الشرج » بفتحتين ،

عرى العيبة و الجمع « أشراج » و قيل : قد تطلق الأشراج على حروف العيبة الّتي تخاط .

و لعلّ هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها و فيضان الصور السماويّة عليها .

« و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها » ، « فتق الثوب فتقا » نقضت خياطته حتّى انفصل بعضه عن بعض ، و « رتقت الفتق رتقا » أي سددته فارتتق ، و « الأبواب الصامتة و المصمتة » المغلقة منها ، و فتق صوامت الأبواب إمّا كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها ، أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين إيجادها و هذه الأبواب هي الّتي منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعيتهم و أرواحهم ، كما قال تعالى : لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ 308 و الّتي 309 تنزل منها الأمطار كما أشار إليه بقوله : فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ 310 .

« و أقام رصدا » هو بالتحريك جمع « راصد » كخدم و خادم ، أو اسم جمع كما قيل و يكون مصدرا كالرصد بالفتح ، و « الراصد » القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع ، و « المرصاد » الطريق و المكان يرصد فيه العدوّ و « أرصدت له » أعددت . و « الثواقب » الّتي تثقب الشياطين أو الهواء ، أو يثقب الجوّ بضوئها ،

و « النقاب » بالكسر جمع « نقب » بالفتح و هو الثقب و الخرق ، و المراد إقامة الشهب

-----------
( 307 ) فصّلت : 11 .

-----------
( 308 ) الأعراف : 40 .

-----------
( 309 ) في المخطوط : أو الّتي .

-----------
( 310 ) القمر : 11 .

[ 279 ]

الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله : وَ إِنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شَهَاباً رَصَداً 311 . و لا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لإيجاد السماء حتّى ينافي ما دلّ على حدوثها و يحتمل تخلّل الرخصة بين المنعين أيضا .

« و أمسكها من أن تمور » أي تموج و تضطرب ، و « الخرق » يكون بمعنى الثقب في الحائط و الشقّ في الثوب و غيره ، و هو في الأصل مصدر « خرقته » إذا قطعته و مزقته و يكون بمعنى القفر و الأرض الواسعة ، « تنخرق فيها الرياح » أي تهبّ و تشتدّ . و « الهواء » يقال للجسم الّذي هو أحد العناصر ، و يقال لكلّ خال هواء كما قال سبحانه :

و أَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ 312 أي خالية من العقل أو الخير ، و المراد بالمور في خرق الهواء إمّا الحركة الطبيعية أو القسريّة في الفواصل الّتي تحدث بحركتها في الجسم الّذي هو أحد العناصر ، إذ لا دليل على انحصاره في الّذي بين السماء و الأرض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا ، أو حركة أجزائها فيما بين السماء و الأرض . و « الأيد » بالفتح ، القوّة ، و الظرف متعلّق بالإمساك . و « الاستسلام » الانقياد ، و يحتمل أن يكون الأمر كناية عن تعلّق الإرادة كما مرّ .

« آية مبصرة » ، « الآية » العلامة ، [ و ] « المبصر » المدرك بالبصر ، و فسّرت المبصرة في قوله تعالى : وَ جَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً 313 بالبيّنة الواضحة و بالمضيئة الّتي يبصر بها و بالمبصرة للناس من « أبصرته فبصر » و بالمبصر أهله كقولهم « أجبن الرجل » إذا كان أهله جبناء . و « المحو » إذهاب الأثر و طمس النور ، و فسّر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضي‏ء بذاته كالشمس و بنقصان نوره بالنظر 314 إلى الشمس و بنقصان 315 نوره شيئا فشيئا إلى المحاق .

و روي أنّ ابن الكوّاء سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن اللطحة الّتي في وجه القمر فقال : ذاك محو آية الليل . و يمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر

-----------
( 311 ) الجنّ : 9 .

-----------
( 312 ) إبراهيم : 43 .

-----------
( 313 ) الإسراء : 12 .

-----------
( 314 ) في بعض النسخ : بالنسبة .

-----------
( 315 ) في المخطوط : بنقص .

[ 280 ]

من ليلها . قيل : « من » لابتداء الغاية أو لبيان الجنس و يتعلّق ب « ممحّوة » أو « يجعل » و قيل : أراد من آيات ليلها .

و « المنقل » في الأصل الطريق في الجبل . و « المدرج » المسلك ، و « درج » أي مشى ، و « الدرج » بالتحريك ، الطريق ، و « درجيهما » في بعض النسخ على لفظ التثنية و في بعضها مفرد ، و « مناقلهما و مدارجهما » منازلهما و بروجهما ، و الظاهر أنّ التمييز و العلم غايتان لمجموع الأفعال السابقة ، فيكون إشارة إلى قوله تعالى : وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ 316 و إلى قوله عزّ و جلّ : هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ 317 ، و يحتمل أن يكون التمييز غاية للأوّل و العلم غاية للأخير أو الأخيرين ، فيكون نشرا على ترتيب اللّفّ . و ظاهر كلامه عليه السلام تفسير الآيتين المفردتين في الآية الأولى بالشمس و القمر لا بالليل و النهار ، و إن كان المراد بالآيتين أوّلا الليل و النهار ، و قيل : المراد : جعلنا هما ذوي آيتين ، فتكون الشمس و القمر مقصودين بهما في الموضعين ، و المراد بالحساب حساب الأعمار و الآجال الّتي يحتاج إليه الناس في أمور دينهم و دنياهم . و « مقاديرهما » مقادير سيرهما و تفاوت أحوالهما .

« ثمّ علّق في جوّها فلكها » الظاهر أنّ كلمة « ثمّ » هنا للترتيب الذكريّ و لعلّ المعنى أنّه أقرّ فلكها في مكانه من الجوّ بقدرته و لا ينافي نفي التعليق في نظم الأجزاء كما سبق ، و « الجوّ » الفضاء الواسع ، أو ما بين السماء و الأرض ، و « الفلك » بالتحريك ،

مدار النجوم ، و قيل : أراد بالفلك دائرة معدّل النهار ، و قيل : أراد به الجنس و هو أجسامها المستديرة الّتي يصدق عليها هذا الاسم ، و قيل : الفلك هنا عبارة عن السماء الدنيا ، فيكون على وفق قوله سبحانه : إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ 318 و التوجيه مشترك ، و على المشهور من عدم كون جميعها في السماء الدنيا لعلّ الأظهر أن يراد بالفلك ما ارتكز فيه كوكب يتحرّك بحركته و بالجوّ الفضاء الواسع الموهوم ، أو الموجود الّذي

-----------
( 316 ) الإسراء : 12 .

-----------
( 317 ) يونس : 5 .

-----------
( 318 ) الصافّات : 6 .

[ 281 ]

هو مكان الفلك ، و وجه إضافته إليها واضح فإنّ الفلك من جملتها ، و كذا إضافة الفلك إليها ، و يحتمل حينئذ أن يراد بفلكها المحيط المحرّك لجملتها . و يمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السماء الّذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدير لها فكون فلكها في جوّها ظاهر ، أو يراد بالسماء الأفلاك الكلّية و بالفلك الأفلاك الجزئيّة الواقعة في جوفها . و في بعض النسخ : « علّق في جوّها فلكا » بدون الضمير و هو يناسب كون الكواكب كلّها في فلك واحد .

و « ناط » أي علّق ، و « الدراريّ » جمع « درّيّ » و هو المضي‏ء ، [ و ] كأنّه نسب إلى الدّر تشبيها به لصفائه ، و قال الفرّاء : الكواكب الدرّيّ عند العرب هو العظيم المقدار و قيل : هو أحد الكواكب [ السبعة السيّارة ، و في النهاية الكواكب ] الخمسة السيّارة و لا يخفى أنّ وصف الدراريّ بالخفيّات ينافي القولين ظاهرا . و « استراق السمع » الاستماع مختفيا ، و « بثواقب شهبها » أي بشهبها الثاقبة تلميحا إلى قوله سبحانه :

إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ 319 و قوله : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ 320 . و « الأذلال » جمع « ذلّ » بالكسر ، يقال : « أمور اللّه جارية أذلالها بالنصب و على أذلالها » أي مجاريها . و يقال : « دعه على أذلاله » أي على حاله . و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيّارات ، و المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجّمين ، أو التوجّه إلى حضيض الحامل ، أو التدبير أو التوجّه إلى الغروب فإنّه الهبوط حسّا و يقابله الصعود ، و « النحوس » ضدّ السعود .

« ثمّ خلق » الظاهر أنّ كلمة « ثمّ » هنا للترتيب الحقيقيّ ، و سيأتي بعض الأخبار الدالّة على تقدّم خلق الملائكة على السماوات ، و يمكن الجمع بالتخصيص ههنا بسكّان السماوات الّذين لا يفارقونها . و « عمارة المنزل » جعله آهلا ضدّ الخراب الّذي لا أهل له . و « الصفيح » السطح و وجه كلّ شي‏ء عريض . و الصفيح أيضا اسم من أسماء السماء ، و المراد هنا سطح كلّ سماء ، و يقابله الصفيح الأسفل و هو الأرض أو فوق السماء السابعة أو فوق الكرسيّ . و « الملكوت » كرهبوت العزّ و السلطان . و « الفروج »

-----------
( 319 ) الحجر : 18 .

-----------
( 320 ) الصافّات : 10 .

[ 282 ]

الأماكن الخالية ، و « الفجّ » الطريق الواسع بين الجبلين . و « حشوت الوسادة بالقطن » جعلتها مملوّة منه ، و « الفتق » الشقّ ، و « الجوّ » الفضاء الواسع و ما بين السماء و الأرض ،

و هذا الكلام صريح في عدم تلاصق السماوات و في تجسّم الملائكة و أنّ ما بين السماوات مملوّة منهم ، و به تندفع شبهة لزوم الخلأ كما ستعرف . و « الفجوة » الفرجة و الموضع المتّسع بين الشيئين . و « زجل المسبّحين » صوتهم الرفيع العالي ، و « الحظيرة » في الأصل الموضع الّذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم و الإبل يقيها الحرّ و البرد و الريح .

و « القدس » بالضمّ و بضمّتين ، الطهر ، اسم و مصدر . و « السترات » بضمّتين ، جمع « سترة » بالضمّ ، و هو ما يستتر به كالستارة . و « الحجاب » ما احتجب به ، و « السرادق » الّذي يمدّ فوق صحن البيت من الكرسف ، و « المجد » الشرف و العظمة ، و « الرجيج » الزلزلة و الاضطراب ، و منه رجيج البحر .

« تستكّ منه الأسماع » أي تصمّ ، و فسّروا السبحات بالنور و البهاء و الجلال و العظمة ، و قيل : « سبحات الوجه » محاسنه ، لأنّك إذا رأيت الوجه الحسن قلت :

سبحان اللّه ، و لعلّ المراد بها الأنوار الّتي تحجب [ بها ] الأبصار و يعبّر عنها بالحجب ،

و « ردعه » كمنعه ، كفّه و ردّه . و « الخاسي‏ء من الكلاب و غيرها » المبعد لا يترك أن يدنو من الناس ، يقال : « خسأت الكلب » أي طردته و أبعدته . و الضمير في « حدودها » راجع إلى السحاب ، و قيل : أي تقف الأبصار حيث تنتهي قوّتها لأنّ قوّتها متناهية فإذا بلغت حدودها وقفت .

« اولي أجنحة تسبّح جلال عزّته » إشارة إلى قوله تعالى : أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ 321 . و « تسبّح » في أكثر النسخ بالتشديد من التسبيح ، و هو التنزيه و التقديس من النقائص ، و « الجلال » العظمة ، و « العزّة » القوّة و الشدّة و الغلبة ،

و الجملة صفة لأولي أجنحة ، و في بعض النسخ : « تسبح » بالتخفيف من السباحة .

و « خلال » بالخاء المعجمة المكسورة ، و هو وسط الشي‏ء أو جمع « خلل » بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين ، و في بعضها : « خلال بحار عزّته » و لعلّ المراد بسباحتهم سيرهم

-----------
( 321 ) فاطر : 1 .

[ 283 ]

في أطباق السماوات و فوقها ، أو عروجهم و نزولهم لأداء الرسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح .

« لا ينتحلون » ، « انتحل الشي‏ء و تنحلّه » إذا ادّعاه لنفسه و هو لغيره ، أي لا يدّعون الربوبيّة لأنفسهم كما يدّعيه البشر لهم و لأنفسهم ، فتكون هذه الفقرة لنفي ادّعاء الاستبداد و الثانية لنفي ادّعاء المشاركة ، أو الأولى لنفي ادّعائهم الخالقيّة فيما لهم مدخل في وجوده بأمره تعالى و الثانية لنفي ذلك فيما خلقه اللّه سبحانه بمجرّد أمره و إرادته . « مكرمون » بالتخفيف من الإكرام ، و قري‏ء بالتشديد من التكريم ، و اللام في قوله « بالقول » عوض عن المضاف إليه ، أي لا يسبقون اللّه بقولهم بل هم تابع 322 لقوله سبحانه كما أنّ علمهم تابع لأمره . « جعلهم فيما هنالك » لعلّه مخصوص ببعض الملائكة كما قال عزّ و جلّ : اَللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً 323 و يكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك ، و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة أو الأشغال و الأمور المفوّضة إليهم ، أو عن أربابها و أصحابها ، و في قوله « حملهم » تضمين معنى البعث أو الارسال و نحوه . « و عصمهم » هذا يشمل جميعهم ، و « الريب » الشكّ أو التهمة .

و « الزيغ » العدول عن الحقّ ، و « المرضاة » ضدّ السخط . و « الإمداد » الإعانة و التقوية ،

و « الفائدة » ما استفدته من طريفة مال أو علم أو غيرهما ، و « المعونة » مفعلة بضمّ العين ،

من « استعان به فأعانه » و قيل : الميم أصليّة ، مأخوذة من « الماعون » و لعلّ المعنى تأييدهم بأسباب الطاعات و القربات و المعارف و الألطاف الصارفة لهم عن المعاصي .

« و أشعر قلوبهم » أي ألزمهم 324 ، مأخوذ من الشعار ، و هو ما يلبس تحت الدثار ،

و قيل : من الشعور بمعنى الإدراك ، يقال : « أشعره الأمر و به » أي أعلمه . و « التواضع » التخاشع و التذلّل ، و « أخبت الرجل » خضع للّه و خشع قلبه ، و « السكينة » الطمأنينة و الوقار و الرزانة و المهابة ، و الحاصل عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع . و « الذلل » بضمّتين ، جمع « ذلول » ضدّ الصعب ، و « مجّده » أثنى عليه و عظّمه ، و الجمع للدلالة على

-----------
( 322 ) كذا .

-----------
( 323 ) الحجّ : 75 .

-----------
( 324 ) في بعض النسخ : « ألزمها » و هو الأظهر .

[ 284 ]

الأنواع ، و فتح الأبواب كناية عن إلهامها و تسهيلها عليهم لعدم معارضة شيطان أو نفس أمّارة بالسوء بل خلقهم خلقة يلتذّون بها كما ورد أنّ شرابهم التسبيح و طعامهم التقديس . و « المنار » جمع المنارة و هي العلامة ، و أصله النور و لذا أنّثت « الواضحة » .

و « الأعلام » جمع « علم » بالتحريك و هو الجبل الطويل أو ما يعلم به الشي‏ء و نصب المنار لهم على الأعلام عبارة عن غاية ظهورها لعدم معارضته الشكوك و الشبهات الّتي تكون للبشر و لوفور الدلائل لهم لقربهم من ساحة عزّه و ملكوته و مشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه و جبروته . و « المؤصرات » المثقلات ، و عدمها لعصمتهم و عدم خلق الشهوات فيهم .

و « رحّل البعير و ارتحله » حطّ عليه الرحل و هو مركب للبعير ، و في الحديث :

« ارتحلني ابني الحسن » أي جعلني كالراحلة و ركب على ظهري ، و الارتحال أيضا الإزعاج و الإشخاص . و « العقبة » بالضمّ ، النوبة ، و الجمع « عقب » كغرفة و غرف و العقبة الليل و النهار لأنّهما يتعاقبان ، قيل : أي لم يؤثّر فيهم ارتحال الليالي و الأيّام كما يؤثّر ارتحال الإنسان البعير في ظهره حملا على الوجه الأوّل ، و على الثاني فالمعنى : لم يزعجهم تعاقب الليالي و الأيّام و لم يوجب رحيلهم عن دارهم و الغرض تنزيههم عمّا يعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور الأزمنة . و « النوازع » في بعض النسخ بالعين المهملة من « نزع في القوس » إذا جذبها و مدّها ، و « نوازع الشكوك » الشبهات ، و قيل : أي شهواتها ، و « النازعة » المحرّكة . و في بعضها بالغين المعجمة كما في النهاية من « نزغ الشيطان بين القوم » أي أفسد ، و يقال : « نزغه الشيطان » أي وسوس إليه ، و « العزيمة » ما وكدت رأيك و عزمك عليه . و « المعترك » موضع القتال ، و « الاعتراك » الازدحام ، و « الظنّ » يكون بمعنى الاعتقاد الراجح غير الجازم ، و بمعنى الشكّ و يطلق على ما يشملهما و لعلّ الأخير هنا أظهر ، و « معقد الشي‏ء » موضع شدّة ، يقال : « عقدت الحبل و البيع و العهد » و يكون مصدرا ،

و الحاصل نفي تطرّق الشبه و الشكوك إلى عقائدهم اليقينيّة .

« و لا قدحت » يقال : « قدح بالزند » كمنع أي رام الإيراء [ 325 ] به ، و هو

[ 325 ] من « ورت النار وريا » إذا اتّقدت .

[ 285 ]

استخراج النار ، و ربما يحمل على القدح بمعنى الطعن و هو بعيد . و « الإحن » جمع « إحنة » و هي الحقد و الغضب ، أي لا يثير الغضب و العداوة الكامنة فتنة فيما بينهم . و « الحيرة » عدم الاهتداء إلى وجه الصواب ، و « لاق الشي‏ء بغيره » أي لزق و منه الليقة للصوق المداد بها ، و الغرض نفي الحيرة عنهم في عقائدهم ، و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدّة الحبّ و كمال المعرفة كما سيأتي ، و في الصحيفة السجّاديّة : « و لا يغفلون عن الوله إليك » ، فالمعنى أنّ شدّة ولههم لا توجب نقصا في معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما في البشر . و « أثناء الشي‏ء » تضاعيفه و « جاء في أثناء الأمر » أي في خلاله جمع « ثنى » بالكسر .

« فتقترع » في بعض النسخ بالقاف من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة و الاختبار فالغرض نفي تناوب الوساوس و تواردها عليهم ، و في بعضها بالفاء من « فرعه » أي علاه و الأوّل أنسب بالطمع ، و « الرين » بالنون كما في بعض النسخ ، الطبع و الدنس و التغطية ، و « ران ذنبه على قلبه رينا » أي غلب ، و في بعضها بالباء الموحّدة . و « الفكرة » إعمال النظر في الشي‏ء . « منهم » أي من مطلق الملائكة ، و « الغمام و الغمائم » جمع « الغمامة » و هي السحابة ، و « الدلح » جمع « الدالح » و هو الثقيل من السحاب لكثرة مائه ، و « الدلح » أن يمشي البعير بالحمل و قد أثقله . و « الشامخ من الجبال » المرتفع العالي ، و « القترة » بالضمّ ، بيت الصائد الّذي يتستّر به عند تصيّده من جصّ و نحوه ،

و يجمع على « قتر » مثل غرفة و غرف ، و يطلق على حلقة الدرع . و « الكوّة » النافذة ،

و « الظلام » ذهاب النور ، و « الأيهم » الّذي لا يهتدي فيه ، و منه فلاة يهماء ، قيل : هذا النوع من الملائكة خزّان المطر و زواجر السحاب و لعلّه شامل لمشبعي 326 الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النزول و الموكّلون 327 بالجبال للحفظ و سائر المصالح و الساكنون في الظلمات لهداية الخلق و حفظهم أو غير ذلك .

-----------
( 326 ) في المخطوطة : لمشيعي .

-----------
( 327 ) كذا في النسخ ، و الصحيح « الموكّلين » و كذا « الساكنين » .

[ 286 ]

و أقول : يحتمل أن يكون المراد تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب و في عظم الخلقة بالجبال و في السواد بالظلمة ، بل هو عندي أظهر .

و « تخوم الأرض » بضم التّاء ، معالمها و حدودها ، و هي جمع « تخوم » بالضمّ أيضا و قيل : واحدها « تخم » بالضمّ و الفتح ، و قيل : « التخم » حدّ الأرض ، و الجمع « تخوم » نحو فلس و فلوس . و قال ابن الأعرابيّ و ابن السكّيت : الواحد « تخوم » و الجمع « تخم » مثل رسول و رسل ، و في النسخ بالضمّ . و « الراية » علم الجيش و « مخارق » المواضع الّتي تمكّنت فيها تلك الرايات بخرق الهواء ، و « الريح الهفّافة » الطيّبة الساكنة ، و قيل : أي ليست بمضطربة فتموج تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت .

« قد استفرغتهم أشغال عبادته » أي جعلتهم فارغين عن غيرها ، و « حقائق الإيمان » العقائد اليقينيّة الّتي تحقّ أن تسمّى إيمانا ، أو البراهين الموجبة له ، و في بعض النسخ « وسّلت » بالسين المشدّدة ، يقال : « وسّل إلى اللّه توسيلا و توسّل » أي عمل عملا تقرّب به إليه . « و قطعهم الإيقان به » أي صرفهم عمّا سوى الوله و وجّههم إليه ،

و هو في الأصل التحيّر من شدّة الوجد أو ذهاب العقل ، و المراد عدم الالتفات إلى غيره سبحانه . و « الرغبة » الإرادة و السؤال و الطلب و الحرص على الشي‏ء و الطمع فيه ،

و المعنى أنّ رغباتهم و طلباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرامته ، و لعلّ الضمائر في تلك الفقرات راجعة إلى مطلق الملائكة كالفقرات الآتية ،

و الباء في قوله عليه السلام « بالكأس » إمّا للاستعانة أو بمعنى « من » و ربما يضمن في الشرب معنى الالتذاذ ليتعدّى بالباء ، و « الكأس » الإناء يشرب فيه أو ما دام الشراب فيه ، و هي مؤنّثة ، و « الرويّة » المروية الّتي تزيل العطش . و « سويداء القلب و سوداؤه » حبّته ، و « الوشيجة » في الأصل عرق الشجرة ، يقال : « وشجت العروق و الأغصان » أي اشتبكت ، و « حنيت الشي‏ء » أي عطفته . و « أنفد الشي‏ء » أفناه ، و « مادّة التضرّع » ما يدعو إليه . و « أطلق عن الأسير » إذا حلّ أسره و « الربقة » بالكسر ، في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها ، و عدم نفاد مادّة التضرّع فيهم لعدم تطرّق

[ 287 ]

النقص إلى علمهم بعظمة اللّه و بحاجتهم إليه و عدم الشواغل لهم عن ذلك و عدم انتهاء مراتب العرفان و القرب الداعيين لهم إلى التضرّع و العبادة و مع ذلك لا يتطرّق الضعف إلى قواهم فبقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزاد قربهم و كلّما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته سبحانه كما سيأتي الإشارة إليه . و يقال : « تولاّه » أي اتّخذه وليّا ،

و « تولّى الأمر » أي تقلّده ، و عدم تولّي الإعجاب كناية عن عدم الاستيلاء ،

و « الإعجاب » استعظام ما يعدّه الإنسان فضيلة لنفسه ، و يقال : « أعجب زيد بنفسه » على البناء للمفعول ، إذا ترفّع و سرّ بفضائله ، و « أعجبني حسن زيد » إذا عجبت منه .

و « استكثره » عدّه كثيرا ، و « ما سلف منهم » طاعاتهم السالفة . و « الاستكانة » الذلّ و الخضوع ، و استكانة الإجلال خضوعهم الناشي‏ء عن ملاحظة جلال اللّه و عظمته .

و « الفترة » مرّة من الفتور و هو السكون بعد حدّة و اللين بعد شدّة ، و « دأب في أمره كمنع دؤوبا » جدّ و تعب . و « غاض الماء غيضا و مغاضا » قلّ و نقص . و « المناجاة » المخاطبة سرّا ، و « أسلة اللسان » طرفه و مستدقّه . و « الهمس » الصوت الخفيّ ،

و « الجؤار » كغراب ، رفع الصوت بالدعاء و التضرّع ، أي ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فتكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة ، و في بعض النسخ : « بهمس الخير » و في بعضها : « بهمس الحنين » . و توجيههما لا يخلو من تكلّف . و « مقاوم الطاعة » صفوف العبادة جمع « مقام » و عدم اختلاف المناكب عبارة عن عدم تقدّم بعضهم على بعض أو عدم انحرافهم . و « ثنيت الشي‏ء ثنيا » عطفته أثناه ، أي كفّه و « ثنيته » أيضا ،

صرفته إلى حاجته ، و « راحة التقصير » الراحة الحاصلة بإقلال العبادة أو تركها بعد التعب . و « عدا عليه » أي قهره و ظلمه ، و « التبلّد » ضدّ التجلّد و التحيّر ، و « بلد الرجل بلادة فهو بليد » [ أي ] غير ذكيّ و لا فطن . و « انتضل القوم و تناضلوا » إذا رموا للسبق ،

و « الهمّة » ما همّ به من أمر ليفعل ، و « خدائع الشهوات » وساوسها الصارفة عن العبادة ،

و انتضالها تواردها و تتابعها . و « الفاقة » الفقر و الحاجة و يوم فاقتهم يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الأخبار ، و لا يبعد أن يكون لهم نوع من الثواب على طاعتهم بازدياد القرب و إفاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظيمه إيّاهم و غير ذلك ، فيكون

[ 288 ]

إشارة إلى يوم جزائهم . و « يمّموه » أي قصدوه ، و « الانقطاع إلى أحد » صرف الوجه عن غيره و التوجّه 328 إليه و الضمير في « رغبتهم » إمّا راجع إلى الملائكة كضمير « فاقتهم » أو إلى الخلق أو إليهما على التنازع . و « الأمد » المنتهى ، و قد يكون بمعنى امتداد المسافة ،

و « يرجع » يكون لازما و متعديّا ، تقول : رجع زيد و رجعته أنا . و « اهترّ فلان بكذا و استهتر فهو مهترّ به و مستهتر » على بناء المفعول ، أي مولع به لا يتحدّث بغيره و لا يفعل غيره ، و « المادّة » الزيادة المتّصلة ، و كلّ ما أعنت به قوما في حرب أو غيره فهو مادّة لهم ،

و لعلّ المراد هنا بها المعين و المقوّي ، و كلمة « من » في قوله « من قلوبهم » ابتدائيّة أي إلى موادّ ناشئة من قلوبهم غير منقطعة ، و في قوله « من رجائه » بيانيّة فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة ، و يحتمل أن تكون الأولى بيانيّة أو ابتدائيّة و الثانية صلة للانقطاع ، و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ « الموادّ » . و « السبب » كلّ ما يتوصّل به إلى غيره ،

و « الشفقة » الخوف ، و « الونى » الضعف و الفتور ، و « لم تأسرهم » أي لم تجعلهم أسراء ،

و « الإيثار » الاختيار ، و « الوشيك » القريب و السريع ، و المعنى : ليسوا مأمورين في ربقة الطمع حتّى يختاروا السعي القريب في تحصيل المطموع في الدنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السعادة الباقية كما هو شأن البشر .

و « استعظام العمل » العجب المنهيّ عنه ، و نسخ الشي‏ء إزالته و إبطاله و تغييره و المراد بالرجاء هنا ما تجاوز الحدّ المطلوب منه ، و يعبّر عنه بالاغترار ، و « شفقات الوجل » تارات الخوف و مرّاته . « لم يختلفوا في ربّهم » أي في الإثبات و النفي ، أو في التعيين ، أو في الصفات كالتجرّد و التجسّم و كيفيّة العلم و غير ذلك ، و قيل : أي في استحقاق كمال العبادة ، و يقال : « استحوذ عليه » أي استولى ، و هو ممّا جاء على الأصل من غير إعلال . و « التقاطع » التعادي و ترك البرّ و الإحسان ، و « تولّيت الأمر » أي قمت به ، و « تولّيت فلانا » اتّخذته وليّا أي محبّا و ناصرا ، و « الغلّ » الحقد .

و « الشعبة من كلّ شي‏ء » الطائفة منهم ، و « شعّبتهم » أي فرّقتهم ، و في بعض النسخ :

-----------
( 328 ) في المخطوطة : التوجيه .

[ 289 ]

« تشعّبتهم » على التفعّل و الأوّل أظهر . و « الريب » جمع « ريبة » بالكسر و هو الشكّ أو هو مع التهمة ، و « مصارفها » وجوهها و طرقها من الأمور الباطلة الّتي تنصرف إليها الأذهان عن الشبه ، أو وجوه انصراف الأذهان عن الحقّ بالشبه أو الشكوك و الشبه أنفسها .

و « اقتسموا المال بينهم » أي تقاسموه ، و « أخياف الهمم » مختلفها و أصله من « الخيف » بالتحريك و هو زرقة إحدى العينين و سواد الأخرى في الفرس و غيره و منه قيل لإخوة الأمّ « أخياف » لأنّ آباءهم شتّى . و « الهمّة » بالكسر ، ما عزمت عليه لتفعله ، و قيل : أوّل العزم . و الغرض نفي الاختلاف بينهم و التعادي و التفرّق بعروض الشكوك و اختلاف العزائم ، أو نفي الاختلاف عنهم و بيان أنّهم فرقة واحدة لبراءتهم عن الريبة و اختلاف الهمم .

و « الزيغ » الجور و العدول عن الحقّ ، و في التفريع دلالة على أنّ الصفات السابقة من فروع الإيمان أو لوازمه ، و « الطبق » محرّكة في الأصل الشي‏ء على مقدار الشي‏ء مطبقا له من جميع جوانبه كالغطاء له ، و منه « الحمّى المطبقة » و « الجنون المطبق » و « السماوات أطباق » لأنّ كلّ سماء طبق لما تحتها . و « الإهاب » ككتاب الجلد .

و « الحافد » المسرع و الخفيف في العمل ، و يجمع على « حفد » بالتحريك و يطلق على الخدم لإسراعهم في الخدمة . و « العزّة » القوّة و الغلبة ، و « العظم » كعنب خلاف الصغر مصدر « عظم » و في بعض النسخ بالضمّ و هو اسم من « تعظّم » أي تكبّر .

و « دحوها على الماء » أي بسطها . و « كبس الرجل رأسه في قميصه » إذا أدخله فيه ، و « كبس البئر و النهر » طمّهما بالتراب و ملأهما ، قال بعض شارحي النهج : « كبس الأرض » أي أدخلها الماء بقوّة و اعتماد شديد . و « مور الأمواج » أي تحرّكها و اضطرابها و « استفحل الأمر » أي تفاقم و اشتدّ ، و قيل : « أمواج مستفحلة » أي هائجة هيجان الفحول ، و قيل : أي صائلة . و « اللّجّة » بالضمّ ، معظم الماء ، و منه « بحر لجّيّ » ، و « زخر البحر » مدّ و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه . و « اللطم » ضرب الخدّ بالكفّ مفتوحة ،

و « التطمت الأمواج و تلاطمت » ضرب بعضها بعضا ، و « الآذيّ » بالمدّ و التشديد ،

الموج الشديد ، و الجمع « أواذي » . و « الصفق » الضرب يسمع له صوت و « الصفق »

[ 290 ]

الردّ ، و « اصطفقت الأمواج » أي ضرب بعضها بعضا و ردّها ، و « التقاذف » الترامي بقوّة ، و « الثبج » بتقديم الثاء المثلّثة على الباء الموحّدة و « ثبج البحر » بالتحريك ، معظمه و وسطه ، و قيل : أصله ما بين الكاهل إلى الظهر ، و المراد أعالي الأمواج . و « الرغا » بالضمّ ، صوت الإبل . و « الزبد » بالتحريك ، الّذي يعلو السيل ، و قيل : « زبدا » منصوب بمقدّر ، أي ترغو قاذقة زبدا .

و أقول : الظاهر أنّ « ترغو » من « الرغوة » مثلّثة و هي الزبد يعلو الشي‏ء عند غليانه ، يقال : « رغى اللبن » أي صارت له رغوة ، ففيه تجريد و لا ينافيه التشبيه بالفحل ،

و « الفحل » الذكر من كلّ حيوان ، و أكثر ما يستعمل في الإبل ، و « هاج الفحل » ثار و اشتهى الضراب . و « خضع » أي ذلّ ، و « جماح الماء » غليانه من « جمح الفرس » إذا غلب فارسه و لم يملكه . و « هيج الماء » ثورانه و فورته ، و « الارتماء » الترامي و التقاذف ،

و « ارتماء الماء » تلاطمه ، و أصل « الوطء » الدوس بالقدم ، و « الكلكل » الصدر .

و « ذلّ » أي صار ذليلا أو ذلولا ، ضدّ الصعب ، و في بعض النسخ : « كلّ » أي عرض له الكلال ، من « كلّ السيف » إذا لم يقطع . و « المستخذي » بغير همز كما في النسخ ،

الخاضع و المنقاد ، و قد يهمّز على الأصل . و « تمعّكت » مستعار من « تمعّكت الدابّة » أي تمرّغت في التراب ، و « الكاهل » ما بين الكتفين . « فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا » ، « الاصطخاب » افتعال من الصخب ، و هو كثرة الصياح و اضطراب الأصوات ، و « الساجي » الساكن . و « الحكمة » محرّكة ، حديدة في اللجام [ و ] تكون على حنك الفرس تمنعه عن مخالفة راكبه .

ثم إنّه أورد هنا 329 إشكال ، و هو أنّ كلامه عليه السلام يشعر بأنّ هيجان الماء و غليانه و موجه سكن بوضع الأرض عليه ، و هذا خلاف ما نشاهده و يقتضيه العقل لأنّ الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب و تموّج و صعد علوّا فكيف الماء المتموّج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه ؟

و أجيب بأنّ الماء إذا كان تموّجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه

-----------
( 329 ) في بعض النسخ : ههنا .

[ 291 ]

بجسم يحول بينه و بين تلك الريح ، و لذلك إذا جعلنا في الاناء ماء و روّحنا بمروحة فإنّه يتحرّك ، فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء و روّحناه بالمروحة فإنّ الماء لا يتحرّك ، لأنّ ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء ، فمن الجائز أن يكون الماء في الأوّل هائجا لأجل ريح محرّكة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء و بين تلك الريح و سيأتي في كلامه عليه السلام ذكر هذه الريح حيث قال : اعتقم مهبّها . . . إلى آخر ما سيأتي . و الأولى أن يقال : إنّ غرضه عليه السلام ليس نفي التموّج مطلقا بل نفي التموّج الشديد الّذي كان للماء إذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة بقدرته الكاملة و أنشأ ريحا لمخضه مخض السقاء ، فكانت كرة الماء تندفق من جميع الجوانب و تردّ الريح أوّله على آخره و ساجيه على مائره ، كما سيأتي في كلامه عليه السلام . ثمّ لمّا كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب و التمويج 330 من ذلك الجانب المماسّ للأرض من الماء ، و أيضا لمّا منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرّك الّذي كان ينتهي إليه ذلك الحدّ من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموّج و قلّة التلاطم ، و أيضا لمّا تفرّقت كرة الماء في أطراف الأرض و مال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الأرض و صار البحر الواحد المجتمع بحارا متعدّدة و إن اتّصل بعضها ببعض و أحاطت السواحل بأطراف البحار بحيث منعت الهبوب إلاّ من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرّق و قلّة التعمّق و انقطاع الهبوب فكلّ ذلك من أسباب السكون الّذي أشار إليه عليه السلام .

و أقول : ممّا يبيّن ذلك أنّه إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ و قدّرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنّه يقلّ بذلك أمواجه ، و كلّما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع و يرجع . ثمّ إنّ هذه الوجوه إنّما تبدى جريا على قواعد الطبيعيّين و خيالاتهم الواهية ، و إلاّ فبعد ما ذكره عليه السلام لا حاجة لنا إلى إبداء وجه ، بل يمكن أن يكون لخلق الأرض و كبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به

-----------
( 330 ) في المخطوطة : « التموّج » و هو الأظهر .

[ 292 ]

عقولنا الضعيفة .

و قال ابن ميثم : مقتضى الكلام أنّ اللّه تعالى خلق الماء قبل الأرض و سكن بها مستفحل أمواجه ، و هذا ممّا شهد به البرهان العقليّ فإنّ الماء لمّا كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماسّ لسطحه الظاهر مكانا لها ، و ظاهر أنّ للمكان تقدّما طبيعيّا باعتبار ما على المتمكّن فيه و إن كان اللفظ يعطي تقدّم خلق الماء على خلق الأرض تقدّما زمانيّا كما هو المقبول عند السامعين . 331 انتهى .

و لا يخفى بعد أمثال تلك التأويلات الباردة في تلك العبارات الظاهرة الدلالة على التقدّم و الحدوث الزمانيّين كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى .

« و سكنت الأرض مدحوّة » أي مبسوطة ، و لا ينافي الكرويّة ، و قيل : هو من « الدحو » بمعنى القذف و الرمي ، و « اللجّة » معظم الماء كما مرّ ، و « التيّار » الموج و قيل :

أعظم الموج ، و « لجّته » أعمقه . و « النخوة » الافتخار و التعظّم و الأنفة و الحميّة ،

و « البأو » الرفعة و التعظّم و الكبر ، و « الاعتلاء » التيه و الترفّع . و « شمخ بأنفه » أي تكبّر من « شمخ الجبل » إذا ارتفع ، و « السموّ » العلوّ ، و « غلواء الشباب » أوّله و شرته ،

و الغرض بيان سكون الأرض في الماء المتلاطم و منعها إيّاه عن تموّجه و هيجانه .

و « كعمت البعير » أي شددت فمه إذا هاج بالكعام ككتاب و هو شي‏ء يجعل في فيه ، و « الكظّة » بالكسر ، ما يعتري الممتلي‏ء من الطعام ، و « الجرية » بالكسر ، حالة الجريان ، أو مصدر ، و « كظّة الجرية » ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل .

و « همدت الريح » سكنت . و « همود النار » خمودها ، و « نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا » نزى و وثب ، و « النزقات » دفعاته و « نزق الغدير » امتلأ إلى رأسه ، و على هذا فالهمود بمعنى الغور و الأوّل أظهر . و « الزيفان » بالتحريك ، التبختر في المشي ، من « زاف البعير يزيف » إذا تبختر ، و في بعض النسخ : « و لبد بعد زيفان و ثباته » ، يقال : « لبد بالأرض » كنصر إذا لزمها و أقام و منه « اللبد » ككتف لمن لا يبرح منزله و لا يطلب معاشا ، و يروى : « و لبد بعد زفيان » بتقديم الفاء على الياء ،

-----------
( 331 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 2 ، ص 372 ، ط بيروت .

[ 293 ]

و هو شدّة هبوب الريح ، يقال : « زفت الريح السحاب » إذا طردته ، و « الزفيان » بالفتح ، القوس السريعة الإرسال للسهم ، و « الوثبة » الطفرة . و « هيج الماء » ثورانه و فورته ، و « أكنافها » أي جوانبها و نواحيها ، و « شواهق الجبال » عواليها ، و « الباذخ » العالي . و « الينبوع » ما انفجر من الأرض من الماء و لعلّه اعتبر فيه الجريان بالفعل فيكون من إضافة الخاصّ إلى العامّ أو التكرير للمبالغة ، و قيل : « الينبوع » الجدول الكثير الماء فلا يحتاج إلى تكلّف ، و « عرنين الأنف » أوّله تحت مجتمع الحاجبين ، و الظاهر أنّ ضمير « أنوفها » راجع إلى الأرض كالضمائر السابقة و اللاحقة ، و استعار لفظ « العرنين » و « الأنف » لأعالي رؤوس الجبال ، و إنّما خصّ الجبال بتفجّر العيون منها لأنّ العيون أكثر ما يتفجّر من الجبال ، و الأماكن المرتفعة ، و أثر القدرة فيها أظهر و نفعها أتمّ . و « السهب » الفلاة البعيدة الأكناف و الأطراف ، و « البيد » بالكسر ، جمع بيداء و هي الفلاة الّتي يبيد سالكها أي يهلكه ، و « الأخاديد » جمع « أخدود » و هو الشقّ في الأرض ،

و المراد بأخاديدها مجاري الأنهار . و لعلّ تعديل الحركات بالراسيات أي الجبال الثابتات جعلها عديلا للحركات بحيث لا تغلبه أسباب الحركة فيستفاد سكونها ، فالباء صلة لا سببيّة ، أو المعنى سوى الحركات في الجهات أي جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجّح ، فالباء سببيّة ، و يحتمل أن يكون المراد أنّه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرّك للزلازل و قد لا تتحرّك ، و لم يجعل الحركة غالبة على السكون مع احتمال كونها دائما متحرّكة بحركة ضعيفة غير محسوسة و من ذهب إلى استناد الحركة السريعة إلى الأرض لا يحتاج إلى تكلّف . و « الجلاميد » جمع « جلمد و جلمود » أي الصخور ، و « الشناخيب » جمع « شنخوب » بالضمّ ، أي رؤوس الجبال العالية و « الشمّ » المرتفعة العالية ،

و « الصياخيد » جمع « صيخود » و هي الصخرة الشديدة . و « الميدان » بالتحريك ، التحرّك و الاضطراب ، و « رسب في الماء كنصر و كرم رسوبا » ذهب سفلا ، و « جبل راسب » أي ثابت ، و « القطع » كعنب جمع « قطعة » بالكسر ، و هي الطائفة من الشي‏ء ، و يروى بسكون الطاء و هو طنفسة الرحل ، قيل : كأنّه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا ، و جعل الجبال في ذلك القطع . و « الأديم » الجلد المدبوغ ، و « أديم السماء

[ 294 ]

و الأرض » ما ظهر منهما و رسوب الجبال في قطع أديمها دخولها في أعماقها .

و « التغلغل » الدخول ، و « السرب » بالتحريك ، بيت في الأرض لا منفذ له يقال : « تسرّب الوحش و انسرب في جحره » أي دخل ، و « الجوبة » الحفرة و الفرجة و « الخيشوم » أقصى الأنف ، و « السهل من الأرض » ضدّ الحزن ، و « جرثومة الشي‏ء » بالضمّ ، أصله ، و قيل : التراب المجتمع في أصول الشجر ، و هو أنسب . و لعلّ المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها ، و مفاد الكلام أنّ الأرض كانت متحرّكة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها ، و ظاهره أنّ لنفوذ الجبال في أعماق الأرض و ظهورها و ارتفاعها عن الأرض كليهما مدخلا في سكونها ، و قد مرّ بعض القول في ذلك في كتاب التوحيد و سيأتي بعضه في الأبواب الآتية إن شاء اللّه .

و « فسح له » كمنع أي وسّع ، و لعلّ في الكلام تقدير مضاف أي بين منتهى الجوّ و بينها ، أو المراد بالجوّ منتهاه أعني السطح المقعّر للسماء . و « المتنسّم » موضع التنسّم و هو طلب النسيم و استنشاقه ، و فائدته ترويح القلب حتّى لا يتأذّى بغلبة الحرارة . و « مرافق الدار » ما يستعين به أهلها و يحتاج إليه في التعيّش ، و إخراج أهل الأرض على تمام مرافقها إيجادهم و إسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم بمعاشهم و التزوّد إلى معادهم . و « الجرز » بضمّتين ، الأرض الّتي لا نبات بها و لا ماء ، و « الرابية » ما ارتفع من الأرض و كذلك « الربوة » بالضمّ 332 ، و « الجدول » كجعفر النهر الصغير ، و « الذريعة » الوسيلة . و « ناشئة السحاب » أوّل ما ينشأ منه ، أي يبتدي‏ء ظهوره ، و يقال : « نشأت السحاب » 333 إذا ارتفعت ، و « الغمام » جمع « الغمامة » 334 فالفتح فيهما ، و هي السحابة البيضاء ، و « اللمع » كصرد جمع « لمعة » بالضمّ و هي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس كأنّها تلمع و تضي‏ء من بين سائر البقاع ، و « القزع » جمع « قزعة » بالتحريك فيهما ، و هي القطعة من الغيم ، و « تباين القزع » تباعدها . و « المخض » بالفتح ، تحريك السقاء [ 335 ] الّذي فيه اللبن ليخرج زبده و

-----------
( 332 ) بل بالتثليث .

-----------
( 333 ) في المخطوطة : السحابة .

-----------
( 334 ) في بعض النسخ : غمامة .

[ 335 ] « السقاء » بكسر السين و تخفيف القاف ، وعاء من الجلد للماء و اللبن .

[ 295 ]

« تمخّضت » أي تحرّكت ، و « اللّجّة » معظم الماء ، و « المزن » جمع « المزنة » بالضمّ فيهما ،

و هي الغيم ، و قيل : السحابة البيضاء ، و ضمير « فيه » راجع إلى المزن أي تحرّكت فيه اللجّة المستودعة فيه و استعدّت للنزول . و « التمع البرق و لمع » أي أضاء و « كففه » حواشيه و جوانبه ، و طرف كلّ شي‏ء « كفّة » بالضمّ ، و عن الأصمعيّ : كلّ ما استطال كحاشية الثوب و الرمل فهو « كفّة » بالضمّ ، و كلّ ما استدار ككفّة الميزان فهو « كفّة » بالكسر و يجوز فيه الفتح . و « و ميض البرق » لمعانه ، و « لم ينم » أي لم ينقطع و لم يفتر ،

و « الكنهور » كسفرجل قطع من السحاب كالجبال ، و قيل : المتراكم منه ،

و « الرباب » كسحاب الأبيض منه ، و قيل : السحاب الّذي تراه كأنّه دون السحاب و قد يكون أسود و قد يكون أبيض جمع « ربابة » . و « المتراكم و المرتكم » المجتمع ، و قيل : الميم بدل من الباء كأنّه ركب بعضه بعضا ، و « السحّ » الصبّ و السيلان من فوق ، و « المتدارك » من « الدرك » بالتحريك ، و هو اللحاق ، يقال : « تدارك القوم » إذا لحق آخرهم أوّلهم . و « أسفّ الطائر » إذا دنا من الأرض ، و « هيدبه » ما تهدّب منه أي تدلّى كما تتدلّى هدب العين ، و « مرى الناقة يمريها » أي مسح ضرعها حتّى درّ لبنها و عدّي ههنا إلى مفعولين ، و روي : « تمرى » بدون الضمير ، و « الجنوب » بالفتح ، الريح مهبّها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريّا ، و هي أدرّ للمطر ، و « الدرر » كعنب جمع « درّة » بالكسر ، أي الصبّ و الاندفاق ، و قيل : « الدرر » الدارّ كقوله تعالى :

قِيَماً 336 أي قائما ، و « الهضب » المطر ، و يجمع على أهضاب ثمّ على أهاضيب كقول و أقوال و أقاويل ، و « الدفعة من المطر » بالضمّ ، ما انصبّ مرّة ، و « الشآبيب » جمع « شؤب » و هو ما ينزل من المطر دفعة بشدّة .

و « البرك » الصدر ، و « البواني » قوائم الناقة و أركان البنية . و قال بعض شرّاح النهج : « بوانيها » بفتح النون ، تثنية « بوان » على فعال بكسر الفاء ، و هي عمود الخيمة ،

و الجمع « بون » و من روى « بوانيها » أراد لواصقها من قولهم قوس بانية إذا التصقت بالوتر ، و الرواية الأولى أصحّ . [ انتهى . ] و في النسخ القديمة المصحّحة على صيغة الجمع ،

-----------
( 336 ) الأنعام : 161 .

[ 296 ]

و في النهاية فسّر البواني على أركان البنية ، و في القاموس بقوائم الناقة ، و على التقادير الإضافة لأدنى ملابسة . و في الكلام تشبيه السحاب بالناقة المحمول عليها ، و الخيمة الّتي جرّ عمودها . و « البعاع » كسحاب ثقل السحاب من المطر ، و « استقلّت » أي نهضت و ارتفعت ، و « استقلّت به » حملته و رفعته ، و « العب‏ء » الحمل و الثقل بكسر الجميع . و « الهوامد من الأرض » الّتي لا نبات بها ، و « الزعر » بالتحريك ، قلّة الشعر في الرأس ، يقال : رجل أزعر ، و « الأزعر » الموضع القليل النبات ، و الجمع « زعر » بالضمّ ،

كأحمر و حمر و المراد هيهنا القليلة 337 النبات من الجبال تشبيها بالرؤوس القليلة الشعر ،

و « العشب » بالضمّ ، الكلأ الرطب . و « بهج » كمنع و فرح [ سرّ ] و قال بعض الشرّاح : من رواه بضمّ الهاء أراد : يحسن و يملح من البهجة أي الحسن ، و « الروضة من العشب » الموضع الّذي يستنقع فيه الماء ، و « استراض الماء » أي استنقع ، و « تزدهي » أي تتكبّر و تفتخر ، افتعال من « الزهو » و هو الكبر و الفخر ، و « الريط » جمع « ريطة » بالفتح فيهما ، كلّ ملاءة ليست بلفقين أي قطعتين كلّها نسج واحد و قطعة واحدة ،

و قيل : كلّ ثوب رقيق ليّن . و « الأزاهير » جمع « أزهار » جمع « زهرة » بالفتح ، و هي النبات و نوره ، و قيل : الأصفر منه ، و أصل الزهرة الحسن و البهجة ، و « الحيلة » بالكسر ،

ما يتزيّن به من مصوغ الذهب و الفضّة و المعدنيّات . « ما سمّطت به » أي أعلقت 338 على بناء المجهول من التفعيل ، و في بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة ، و « الشميط من النبات » ما خالط سواده النور الأبيض ، و أصله « الشمط » بالتحريك ، و هو بياض الرأس يخالط سواده و « النضارة » الحسن و الطراوة ، و « النور » بالفتح ، الزهر أو الأبيض منه ، و « البلاغ » بالفتح ، ما يتبلّغ به و يتوسّل إلى الشي‏ء المطلوب ، و « الفجّ » الطريق الواسع بين الجبلين ، و « الفجاج » جمعه ، و « خرقها » خلقها على الهيئة المخصوصة ،

و « الآفاق » النواحي ، و « المنار » جمع « منارة » و هي العلامة ، و المراد هيهنا 339 ما يهتدي

-----------
( 337 ) في المخطوطة : القليل .

-----------
( 338 ) في بعض النسخ : علقت .

-----------
( 339 ) في المخطوطة : هنا .

[ 297 ]

به السالكون من الجبال و التلال أو النجوم ، و الأوّل هنا أظهر و « الجادّة » وسط الطريق و معظمه .

و « مهّد الشي‏ء » وسّعه و بسطه ، و « مهّد الأمر » سوّاه و أصلحه ، و لعلّ المراد هنا إتمام خلق الأرض على ما تقتضيه المصلحة في نظام أمور ساكنيها ، و قيل : يحتمل أن يراد بتمهيد الأرض جعلها مهادا أي فراشا كما قال جلّ و علا : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً 340 ، أو جعلها مهدا أي مستقرّا كالمهد للصبيّ كما قال سبحانه : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ مَهْداً . 341 و « إنفاذ الأمر » إمضاؤه و إجراؤه ، و « الخيرة » كعنبة المختار ، و « الجبلّة » بكسر الجيم و الباء و تشديد اللام ، الخلقة و الطبيعة ، و قيل في قوله تعالى : وَ الْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ 342 أي ذوي الجبلّة ، و يحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق ، و قيل : « الجبلّة » الجماعة من الناس ، و المراد بأوّل الجبلّة أوّل شخص من نوع الإنسان ردّا على من قال بقدم الأنواع المتوالدة . و « أرغد اللّه عيشه » أي جعله واسعا طيّبا ، و « الأكل » بضمّتين ، الرزق و الحظّ ، قال اللّه تعالى : وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا 343 . و « أوعزت إلى فلان في فعل أو ترك » أي تقدّمت ،

و المراد النهي عن الأكل من الشجرة ، و « خاطر بنفسه و ماله » أي أشفاهما على خطر و ألقاهما في مهلكة ، و الضمير في « منزلته » راجع إلى آدم ، و يحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير « معصيته » على الظاهر .

قوله عليه السلام « موافاة » قال ابن أبي الحديد : لا يجوز أن ينتصب لأنّه مفعول له ليكون عذرا و علّة للفعل ، بل على المصدريّة المحضة كأنّه قال : فوافا بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة . « فأهبطه بعد التوبة » هو صريح في أنّ الإهباط كان بعد التوبة فما يظهر من كثير من الآيات و الأخبار من عكس ذلك لعلّه محمول على التوبة الكاملة أو على القبول و يقال بتأخّره عن التوبة . و قد تقدّم تأويل تلك المعصية و أضرابها في المجلّد الخامس .

-----------
( 340 ) النبأ : 6 .

-----------
( 341 ) طه : 53 .

-----------
( 342 ) الشعراء : 184 .

-----------
( 343 ) البقرة : 35 .

[ 298 ]

« ممّا يؤكّد عليهم » لعلّ التعبير بلفظ التأكيد لكون معرفة الربّ سبحانه فطريّة أو لوضوح آيات الصنع في الدلالة على الخالق جلّ ذكره أو للأمرين . و قال في المغرب : « تعهّد الضيعة و تعاهدها » أتاها و أصلحها ، و حقيقته جدّد العهد بها .

و « القرن » أهل كلّ زمان ، مأخوذ من الاقتران ، فكأنّه المقدار الّذي يقتون فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم و أحوالهم ، فقيل : أربعون سنة ، و قيل : ثمانون سنة و قيل : مائة .

و قال الزجّاج : الّذي عندي و اللّه أعلم أنّ القرن أهل كلّ مدّة كان فيها نبيّ أو طبقة من أهل العلم سواء قلّت السنون أو كثرت . و « مقطع الشي‏ء » آخره كأنّه قطع من هناك ، و « عذر اللّه » ما بيّن للمكلّفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه ،

و « نذره » ما أنذرهم به من الحوادث و من أنذره على لسانه من الرسل كذا قيل و قيل :

هما مصدران بمعنى الإعذار و الإنذار و المراد ختم الرسالة بنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله .

« و قدّر الأرزاق » لمّا كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي ، بيّن ما أراده بذكر الكثير و القليل ، ثمّ لمّا كان ذلك موهما للجور دفع الوهم بذكر العدل و نبّه على وجه الحكمة بذكر الابتلاء و الاختبار ، و روي : « فعدّل » بالتشديد و « التعديل » التقويم ، و المآل واحد . و « الابتلاء » الامتحان ، و « الميسور و المعسور » مصدران بمعنى العسر و اليسر كالمفتون بمعنى الفتنه ، و يمتنع عند سيبويه مجي‏ء المصدر على مفعول ، قال :

« الميسور » الزمان الّذي يوسر فيه . و الاختبار فيه سبحانه صورته . و « غنيّها و فقيرها » نشر على ترتيب اللفّ على الظاهر ، و الضمير فيهما إلى الأرزاق ، و في الإضافة توسّع ، و يحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدنيا ، أو إلى الأرض ،

و لعلّ إحديهما أنسب ببعض الضمائر الآتية .

و « العقابيل » جمع « عقبول و عقبولة » بالضمّ ، و هي قروح صغار تخرج بالشفة غبّ الحمّى و بقايا المرض ، و في تشبيه الفاقة و هي الفقر و الحاجة و آثارها 344 بالعقابيل من اللطف ما لا يخفى لكونها ممّا يقبح في المنظر و تخرج في العضو الّذي لا يتيسّر سترها عن الناس و تشتمل على فوائد خفيّة و كذلك الفقر و ما يتبعه ، و أيضا تكون غالبا

-----------
( 344 ) في بعض النسخ : أو آثارها .

[ 299 ]

بعد التلذّد بالنعم . و « طوارق الآفات » متجدّدات المصائب و ما يأتي منها بغتة من « الطروق » و هو الإتيان بالليل . و « الفرج » جمع « فرجة » و هي التفصّي من الهمّ و فرجة الحائط أيضا ، و « الفرح » السرور و النشاط ، و « الغصّة » بالضمّ ، ما اعترض في الحلق ، و « الترح » بالتحريك ، الهمّ و الهلاك و الانقطاع أيضا .

و « الأجل » محرّكة ، مدّة الشي‏ء ، و غاية الوقت في الموت ، و حلول الدين ،

و تعليق الإطالة و التقصير على الأوّل واضح ، و أمّا التقديم و التأخير ، فيمكن أن يكون باعتبار أنّ لكلّ مدّة غاية و حينئذ يرجع التقديم إلى التقصير و الإطالة إلى التأخير و يكون العطف للتفسير تأكيدا ، و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الأعمار سابقا على بعض و تقديم بعض الأمم على بعض مثلا فيكون تأسيسا ، و يمكن أن يراد بتقديم الآجال قطع بعض الأعمار لبعض الأسباب كقطع الرحم مثلا كما ورد في الأخبار و بتأخيرها مدّها لبعض الأسباب فيعود الضمير في « قدّمها و أخّرها » إلى الآجال بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوّز في التعليق كما مرّ . و « السبب » في الأصل الحبل يتوسّل به إلى الماء و نحوه ثم توسّعوا فيه ، و اتّصال أسباب الآجال أي أسباب انقضائها أو أسباب نفسها 345 على المعنى الثاني بالموت [ 346 ] واضح ، و يحتمل أن تكون الأسباب عبارة عن الآجال بالمعنى الأوّل . و « خالجا » أي جاذبا ، و « الشطن » بالتحريك ، الحبل ، و أشطان الآجال الّتي يجذبها الموت هي الأعمار شبّهت بالأشطان لطولها و امتدادها . و « المرائر » جمع « مرير و مريرة » و هي الحبال المفتولة على أكثر من طاق ، ذكره في النهاية ، و قيل : الحبال الشديدة الفتل ، و قيل : الطول الدقاق منها .

و « الأقران » جمع « قرن » بالتحريك ، و هو في الأصل حبل يجمع به البعيران و لعلّ المراد بمرائر أقران الآجال ، الأعمار الّتي يرجى امتدادها لقوّة المزاج و البنية و نحو ذلك .

و كلمة « من » في قوله « من ضمائر المضمرين » بيانيّة ، و « الضمائر » الصور الذهنية المكنونة في المدارك . و « النجوى » اسم يقام مقام المصدر ، و هو المسارّة .

-----------
( 345 ) في المخطوطة : أنفسها .

[ 346 ] الجارّ و المجرور متعلّق بقوله « اتّصال » .

[ 300 ]

و « الخواطر » ما يخطر في القلب من تدبير أمر و نحو ذلك . و « رجم الظنون » كلّ ما يسبق إليه الظنّ من غير برهان أو مسارعته ، و « الحديث المرجم » الّذي لا يدرى أحقّ هو أم باطل . و « عقدة كلّ شي‏ء » بالضمّ ، الموضع الّذي عقد منه و أحكم . و « مسارق العيون » النظرات الخفيّة كأنّها تسترق النظر لإخفائها ، و « أو مضت المرأة » إذا سارقت النظر ، و « أومض البرق » إذا لمع خفيفا و لم يعترض في نواحي الغيم ، و « الجفن » بالفتح ،

غطاء العين من أعلى و أسفل و جمعه « جفون و أجفن و أجفان » و المقصود إحاطة علمه سبحانه بكلّ معلوم جزئيّ و كلّيّ ردّا على من قصّر علمه على البعض كالكلّيّات .

و « الأكنان و الأكنّة » جمع « الكنّ » بالكسر ، و هو اسم لكلّ ما يستتر فيه الإنسان لدفع الحرّ و البرد من الأبنية و نحوها ، و ستر كلّ شي‏ء و وقاؤه كما قال تعالى : وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً 347 . و قال ابن أبي الحديد : و يروى : « أكنّة القلوب » و هي غلفها و أغطيتها [ و ] قال اللّه تعالى : وَ جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ 348 .

و « غيابة البئر » قعره . و « أصغى » أي استمع ، و « أصغى إليه » أي مال بسمعه نحوه و « استراق السمع » الاستماع في خفية ، و « صاخ و أصاخ له » أي استمع و « مصائخ الأسماع » خروقها الّتي يستمع بها . و « الذرّ » صغار النمل ، و « مصائفها » المواضع الّتي تصيف فيها أي تقيم فيها بالصيف . و « مشاتي الهوامّ » مواضع إقامتها بالشتاء ، و « الهامّة » كلّ ذات سمّ يقتل ، و ما لا يقتل فهو السامّة كالعقرب ، و قد يقع الهوامّ على ما يدبّ من الحيوان كالحشرات . و « الحنين » شدّة البكاء و صوت الطرب عن حزن أو فرح ، و « رجعه » ترجيعه و ترديده ، و قيل : أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها ، و « المولهات » النوق ، و كلّ أنثى حيل بينها و بين أولادها ، و في بعض النسخ :

« الموالهات » و أصل الوله زوال العقل و التحيّر من شدّة الوجد . و « الهمس » أخفى ما يكون من صوت القدم أو كلّ صوت خفيّ . و « المنفسح » موضع السعة ، و « منفسح

-----------
( 347 ) النحل : 81 .

-----------
( 348 ) الأنعام : 25 .

[ 301 ]

الثمرة » موضع نموّها في الأكمام ، و يروى : « متفسّخ » بالخاء المعجمة و تشديد السين و التاء ، مصدرا من « تفسّخت الثمرة » إذا انقطعت ، و « الوليجة » الدخيلة و البطانة . و قال ابن أبي الحديد : « الولائج » المواضع الساترة و الواحد 349 « وليجة » و هي كالكهف يستتر فيها المارّة من مطر أو غيره . و « الغلف » بضمّة و بضمّتين 350 ، جمع « غلاف » ككتاب و يوجد في النسخ على الوجهين ، و « الكمّ » بالكسر ، وعاء الطلع و غطاء النّور و جمعه « أكمام و أكمّة و كمام » ، و كلمة « من » على ما في الأصل بيانيّة أو تبعيضيّة ، و على الرواية صلة أو بيانيّة . و « المنقمع » على زنة المفعول من باب الانفعال ،

موضع الاختفاء ، كما في أكثر النسخ و في بعضها من باب التفعّل بمعناه ، و « الغيران » جمع « غار » و هو ما ينحت في الجبل شبه المغارة ، فإذا اتّسع قيل : كهف ، و قيل : « الغار » الجحر يأوي إليه الوحش ، أو كلّ مطمئنّ في الأرض أو المنخفض من الجبل .

و « البعوض » البقّ ، و قيل : صغارها ، و الواحدة بهاء 351 و « مختبأ البعوض » موضع اختفائه ، و « السوق » جمع ساق ، و « الألحية » جمع « اللحاء » ككساء و هو قشر الشجر . و « غرزه في الأرض » كضربه ، أدخله و ثبّته ، و « مغرز الأوراق » موضع وصلها ، و « الأفنان » جمع « فنن » بالتحريك ، و هو الغصن . و « الحطّ » الحدر من علو إلى سفل . و « الأمشاج » قيل : مفرد ، و قيل : جمع « مشج » بالفتح أو بالتحريك أو « مشيج » على فعيل أي المختلط . قيل في قوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ 352 : أي أخلاط من الطبائع من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ، و قيل : من الأجزاء المختلفة في الاستعداد ، و قيل : « أمشاج » أي أطوار : طورا نطفة ، و طورا علقة ، و هكذا ، و قيل : أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة و سيأتي الكلام فيه . و كلامه عليه السلام يؤيّد بعض الوجوه الأوّلة كما لا يخفى .

و « المسارب » المواضع الّتي ينسرب فيه المنيّ أي يسيل ، أو ينسرب فيها المنيّ

-----------
( 349 ) في المخطوطة : الواحدة .

-----------
( 350 ) في بعض النسخ : أو ضمّتين .

-----------
( 351 ) يعني : يزاد في آخرها هاء فيقال : بعوضة .

-----------
( 352 ) الدهر : 2 .

[ 302 ]

أي يختفي ، من قولهم « انسرب الوحشيّ » إذ دخل في جحره و اختفى ، أو مجاري المنيّ من السرب بمعنى الطريق ، و المراد أوعيتها من الأصلاب أو مجاريها ، و تفسير المسارب بالأخلاط الّتي يتولّد منها المنيّ كما احتمله ابن ميثم بعيد ، و المراد بمحطّ الأمشاج مقرّ النطفة من الرحم أو من الأصلاب على بعض الوجوه في المسارب فتكون كلمة « من » تبعيضيّة ، و لعلّ الأوّل أظهر .

و « الناشئة من السحاب » أوّل ما ينشأ منه و لم يتكامل اجتماعه أو المرتفع منه ، و « متلاحم الغيوم » ما التصق منها بعضها ببعض . و « الدرور » السيلان ، و « القطر » بالفتح ، المطر ، و الواحدة « قطرة » ، و « السحائب » جمع سحابة ، و « متراكمها » المجتمع المتكاثف منها ، و في بعض النسخ : « و تراكمها » .

و « سفت الريح التراب تسفيه » أي ذرته و رمت به أو حملته ، و « الأعاصير » جمع « الإعصار » و هو بالكسر الريح الّتي تهبّ صاعدا من الأرض نحو السماء كالعمود ،

و قيل : الّتي فيها نار ، و قيل : الّتي فيها العصار و هو الغبار الشديد ، و « ذيولها » أطرافها الّتي تجرّها على الأرض ، و لطف الاستعارة ظاهر . و « عفت الريح الأثر » إذا طمسته و محته ،

و « عفي الأثر » إذا انمحى ، يتعدّى و لا يتعدّى . و « العوم » السباحة و سير السفينة و الإبل ،

و « بنات الأرض » بتقديم الباء على ما في أكثر النسخ ، الحشرات و الهوامّ الّتي تكون في الرمال و غيرها كاللحكة و العصابة و غيرهما ، و حركتها في الرمال لعدم استقرارها تشبه السباحة ، و في بعض النسخ بتقديم النون ، فالمراد حركة عروقها في الرمال كأرجل السابحين و أيديهم في الماء ، و « الكثبان » بالضمّ ، جمع « الكثيب » و هو التلّ من الرمل .

و « المستقرّ » موضع الاستقرار ، و يحتمل المصدر . و « ذروة الشي‏ء » بالضمّ و الكسر ،

أعلاه . و « غرد الطائر » كفرح و « غرّد تغريدا » رفع صوته و طرب به و ذوات المنطق من الطيور ماله صوت و غناء كأنّ غيره أبكم لا يقدر على المنطق . و « الدياجير » جمع « ديجور » و هو الظلام و المظلم و الإضافة على الثاني من إضافة الخاصّ إلى العامّ ،

و « الوكر » بالفتح ، عشّ الطائر . و « ما أوعته الأصداف » أي ما حفظته و جمعته من اللئالي . و « الحضن » بالكسر ، ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر ، أو العضدان و

[ 303 ]

ما بينهما ، و « حضن الصبيّ » كنصر جعله في حضنه ، و « ما حضنته الأمواج » العنبر و المسك و غيرهما . و « ما غشيته » أي غطّته ، و « السدفة » بالضمّ ، الظلمة . و « ذرّت الشمس » أي طلعت ، و « شرقت الشمس و أشرقت » أي أضاءت . و « ما اعتقبت » أي تعاقبت و جاءت واحدة بعد أخرى ، و « الأطباق » جمع « طبق » بالتحريك ، و هو غطاء كلّ شي‏ء و تارات 353 الظلمة تستر الأشياء كالأغطية . و « سبحات النور » مرّاته ،

و « سبحات وجه اللّه » أنواره ، و قال ابن أبي الحديد : ليس يعني بالسبحات ههنا ما يعني به في قوله « سبحات وجه ربّنا » لأنّه هناك بمعنى الجلالة ، و ههنا بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجري ، من « سبح الفرس » و هو جريه ، و « المتعاقبان » النور و الظلمة أي ما تغطّيه ظلمة بعد نور و نور بعد ظلمة ، و يحتمل أن يراد تعاقب أفراد كلّ منهما .

و « أثر القدم » علامته الّتي تبقى في الأرض ، و « الخطوة » المشية . و « الحسّ » الصوت الخفيّ . و « رجع الكلمة » ما ترجع به من الكلام إلى نفسك و تردّده في فكرك أو جواب الكلمة أو ترديد الصوت و ترجيعه عند التلفّظ بالكلمة ، أو إرجاع النفس للتلفّظ بكلمة بعد الوقف على كلمة ، و الرجع يكون لازما و متعدّيا . و « النسمة » محرّكة ،

الإنسان أو كلّ دابّة فيها روح ، و « مستقرّ النسمة » إمّا الصلب أو الرحم أو القبر أو مكانه في الدنيا أو في الآخرة أو الأعمّ . و « مثقال الذرّة » وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ 354 . و « الهمهمة » الصوت الخفيّ أو ترديد الصوت في الحلق أو تردّد الصوت في الصدر من الهمّ . « كلّ نفس هامّة » أي ذات همّة تعزم على أمر ، و الوصف للتعميم ، و « ما عليها » أي على الأرض بقرينة المقام كقوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ 355 . و « النطفة » ماء الرجل ، و الماء الصافي قلّ أو كثر و يطلق على قليل ماء في دلو أو قربة ، و الأوّل أظهر في المقام . و « قرارتها » موضعها الّذي تستقرّ فيه ، و أصل القرارة المطمئنّ من الأرض يستقرّ فيه ماء المطر و جمعها « القرار » .

و « نقاعة كلّ شي‏ء » بالضمّ ، الماء الّذي ينقع فيه ، و قال الشرّاح : « النقاعة » نقرة يجتمع فيها الدم . و « المضغة » بالضمّ ، القطعة من اللحم قدر ما يمضغ . و « ناشئة الخلق »

-----------
( 353 ) في بعض النسخ : دثارات .

-----------
( 354 ) النساء : 40 .

-----------
( 355 ) الرحمن : 26 .

[ 304 ]

الصورة ينشئها سبحانه في البدن أو الروح الّتي ينفخها فيه ، و « السلالة » بالضمّ ، ما استلّ و استخرج من شي‏ء ، و في الكلام إشارة إلى قوله سبحانه : وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ . . . إلى قوله : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ 356 ، ثمّ الغرض من ذكره هذه الأشياء التنصيص على عموم علمه سبحانه مع الإشارة إلى أصناف خلقه و أنواع بريّته و عجائب ربوبيّته ، فإنّ الدليل على علمه بها خلقه لها و حفظه و تربيته لكلّ منها و إظهار بدائع الحكمة في كلّ صفة من أوصافها و حال من أحوالها كما قال سبحانه : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 357 .

« لم يلحقه في ذلك » المشار إليه إمّا العلم بالجزئيّات المذكورة و إمّا خلق الأشياء المذكورة قبل تفصيل المعلومات أو فيها أيضا كما قلنا انّ الغرض ليس محض تعلّق العلم بها ، « كلفة » أي مشقّة . « و لا اعترضته » أي منعته ، و « العارضة » ما يستقبلك من شي‏ء يمنعك عن مسيرك . « و لا اعتورته » قيل : « اعتورته » أحاطت به ، و في اللغة :

« اعتوروا الشي‏ء » أي تداولوه و تناوبوه ، و « في تنفيذ الأمور » أي إجرائها و إمضائها و « التدبير » النظر في عاقبة الأمر أو الفعل عن رويّة ، و المراد هنا إمضاء الأمور على وفق المصلحة و العلم بالعواقب ، و « الملالة » السأمة و الضجر ، و « فتر عن العمل » انكسر حدّته و لان بعد شدّته . « بل نفذ فيهم علمه » أي أحاط علمه بظواهرهم و بواطنهم و في بعض النسخ : « نفذهم » على الحذف و الإيصال . و « العدّ » مصدر « عددته » و في بعض النسخ : « عدده » . و « غمرهم » أي غطّاهم و سترهم و شملهم فضله . و « كنه الشي‏ء » نهايته و حقيقته .

و « الوصف الجميل » ذكر الفضائل ، و « التعداد » بالفتح ، مصدر للمبالغة و التكثير ، و قال الكوفيّون : أصله التفعيل الّذي يفيد المبالغة ، قلبت ياؤه ألفا و بالكسر شاذّ . و « الأمل » ضدّ اليأس ، و « خير » خبر مبتدأ محذوف ، و كذلك « أكرم » . و

-----------
( 356 ) المؤمنون : 14 .

-----------
( 357 ) الملك : 14 .

[ 305 ]

« البسط » النشر و التوسيع ، و كلمة « في » إمّا زائدة أو للظرفيّة المجازيّة و المفعول محذوف أي بسطت لي القدرة أو الكلام فيما لا أمدح به غيرك ، و الغرض شكره سبحانه على فضيلة البلاغة و العلم به سبحانه و مدائحه و التوفيق على قصر المدح على اللّه جلّ شأنه . و « الخيبة » الحرمان ، و المخلوقون هم معادنها لأنّ عطاياهم قليلة فانية مع أنّهم لا يعطون غالبا ، و هم مواضع الريبة أي التهمة و الشكّ لعدم الوثوق بإعطائهم و عدم الاعتماد عليهم في رعاية مصلحة في المنع و اللّه سبحانه لا يمنع إلاّ لمصلحة تعود إلى السائل و يدّخر مع ذلك له أضعاف ما سأل في الدار الباقية .

و « المثوبة » الثواب ، و « الجزاء » المكافاة على الشي‏ء ، و « العارفة » الإحسان .

« دليلا على ذخائر الرحمة » أي هاديا إلى أسبابها بالتوفيق و التأييد ، و « ذخائر الرحمة » عظائم العطايا ، و أصل الذخيرة المختار من كلّ شي‏ء أو ما يعدّه الرجل ليوم حاجته .

« و هذا مقام » اسم مكان ، و يحتمل المصدر . و « المحمدة » بفتح الميم و كسرها ، مصدر « حمده » كسمعه . و « الفاقة » الفقر ، و « الجبر » في الأصل إصلاح العظم المكسور ،

و « المسكنة » الخضوع و الذلّة و قلّة المال و سوء الحال . و « نعشه » رفعه ، و « الخلّة » بالفتح ، الفقر و الحاجة ، و ضميرا « مسكنتها » و « خلّتها » راجعان إلى الفاقة و في الإضافة توسّع . و « المنّ » العطاء ، و « مدّ الأيدي » كناية عن الطلب و إظهار الحاجة ،

و « القدير » مبالغة في القادر .

و إنّما بسطنا الكلام بعض البسط في شرح هذه الخطبة لكونها من جلائل الخطب ، و ذكرنا جميعها لذلك و لكون أكثرها متعلّقا بمطالب هذا المجلّد ، و تفريقها على الأبواب كان يوجب تفويت نظام البلاغة و كمالها كما فوّت السيّد رحمه اللّه كثيرا من فوائد الخطبة باختصارها و اختيارها ، و أمّا دلالتها على حدوث السماء و الأرض و الملائكة و غير ذلك فغير خفيّ على المتأمّل فيها . 358 [ هذا بيان آخر في شرح بضعة كلمات للخطبة : ] بيان : « العقابيل » بقايا المرض ، واحدها « عقبول » . و « الأتراح » الغموم .

-----------
( 358 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 57 ، كتاب السماء و العالم ، ص 115 158 .

[ 306 ]

و « الخلج » الجذب . و « الشطن » الحبل . و « المرائر » الحبال المفتولة على أكثر من طاق . و « الأقران » الحبال . 359