تبيين

المخاطبون بهذا الخطاب الطّالبون للبيعة بعد قتل عثمان ، و لمّا كان النّاس نسوا سيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و اعتادوا بما عمل فيهم خلفاء الجور من تفضيل الرؤساء و الأشراف لانتظام أمورهم و أكثرهم إنّما نقموا على عثمان استبداده بالأموال كانوا يطمعون منه عليه السلام أن يفضّلهم أيضا في العطاء و التشريف و لذا نكث طلحة و الزبير في اليوم الثاني من بيعته ، و نقموا عليه التسوية في العطاء و قالوا : آسيت بيننا و بين الأعاجم و كذلك عبد اللّه بن عمر ، و سعيد بن العاص ، و مروان و أضرابهم ، و لم يقبلوا ما قسم لهم ، فهؤلاء القوم لمّا طلبوا البيعة بعد قتل عثمان قال عليه السلام لهم : « دعوني و التمسوا غيري » إتماما للحجّة عليهم

-----------
( 359 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 5 ، كتاب العدل و المعاد ، ص 148 .

[ 307 ]

باستقبال أمور لها وجوه و ألوان لا يصبرون عليها و أنّه بعد البيعة لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه و لا يصغي إلى قول القائل و عتب العاتب بل يقيمهم على المحجّة البيضاء و يسير فيهم بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله .

« و إنّ الآفاق قد أغامت » أي أظلمت بغيم سير أرباب البدع ، و خفاء شمس الحقّ تحت سحاب شبه أهل الباطل . و « المحجّة » جادّة الطريق . « و تنكّرها » تغيّرها و خفاؤها . قوله عليه السلام « ركبت بكم » أي جعلتكم راكبين . و تركهم إيّاه عدم طاعتهم له و اختيار غيره للبيعة حتّى لا تتمّ شرائط الخلافة لعدم الناصر كقوله عليه السلام في الشقشقيّة : « لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها » . و ليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجّة و إبطال لما علم عليه السلام من ادّعائهم الإكراه على البيعة كما فعل طلحة و الزبير بعد النكث ، مع أنّ المرء حريص على ما منع و الطبع نافر عمّا سورع إلى إجابته . و « الوزير » من يحمل عن الملك ثقل التدبير .

و قال ابن أبي الحديد كما هو دأبه أن يأتي بالحقّ ثمّ عنه يحيد : هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره و يقولون : إنّه عليه السلام لم يكن منصوصا عليه بالإمامة ، و إن كان أولى النّاس بها لأنّه لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول : دعوني و التمسوا غيري .

ثمّ ذكر تأويل الإماميّة بأنّ الخطاب للطالبين منه عليه السلام أن يسير فيهم بسيرة الخلفاء و يفضّل بعضهم على بعض في العطاء ، أو بأنّ الكلام خرج مخرج التضجّر و التسخّط لأفعال الّذين عدلوا عنه عليه السلام قبل ذلك للأغراض الدنيويّة ، أو بأنّه خرج مخرج التهكّم كقوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ 360 أي بزعمك .

ثمّ قال : و اعلم أنّ ما ذكروه ليس ببعيد لو دلّ عليه دليل ، فأمّا إذا لم يدلّ عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره . 361

-----------
( 360 ) الدخان : 49 .

-----------
( 361 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 7 ، ص 33 35 ، ط بيروت .

[ 308 ]

و لا يخفى على اللبيب أنّه بعد الإغماض عن الأدلّة القاهرة و النصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التأويل ، و لا يستقيم الحمل على ظاهره إلاّ على القول بأنّ إمامته عليه السلام كان مرجوحا و أنّ كونه وزيرا أولى من كونه أميرا ، و هو ينافي القول بالتفضيل الّذي قال به ، فإنّه عليه السلام إذا كان أحقّ بالإمامة و بطل تفضيل المفضول على ما هو الحقّ و اختاره أيضا ، كيف يجوز للنّاس أن يعدلوا عنه إلى غيره ؟

و كيف يجوز له عليه السلام أن يأمر الناس بتركه و العدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة إلى ترك الإمامة ، و مع وجود الضرورة كما جاز ترك الإمامة الواجبة بالدليل جاز ترك الإمامة المنصوص عليها ، فالتأويل واجب على التقديرين ، و لا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ، و رجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان ، على أنّ للظّاهر للمتأمّل في أجزاء الكلام حيث علّل الأمر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب و تنكّر المحجّة ، و إنّه إن أجابهم حملهم على محض الحقّ هو أنّ السبب في ذلك وجود المانع دون عدم النصّ و أنّه لم يكن متعيّنا للإمامة أو لم يكن أحقّ و أولى به و نحو ذلك . و لعلّ الوجه في قوله عليه السلام « لعلّي أسمعكم و أطوعكم » هو أنّه إذا تولّى الغير أمر الإمامة و لم تتمّ الشرائط في خلافته عليه السلام لم يكن عليه السلام ليعدل عن مقتضى التقيّة بخلاف سائر الناس حيث يجوز الخطاء عليهم .

و أمّا قوله عليه السلام « فأنا لكم وزيرا ، خير لكم منّي أميرا » فلعلّ المراد بالخيريّة فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا فإنّه عليه السلام على تقدير الإمامة و بسط اليد يجب عليه العمل بمحض الحقّ و هو يصعب على النفوس و لا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فإنّ الوزير يشير بالرأي مع تجويز التأثير في الأمير و عدم الخوف و نحوه من شرائط الأمر بالمعروف . و لعلّ الأمير الّذي يولّونه الأمر يرى في كثير من الأمور ما يطابق آمال القوم و يوافق أطماعهم و لا يعمل بما يشير به الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم . فالحاصل أنّ ما قصدتموه من بيعتي لا يتمّ لكم ، و وزارتي أوفق لغرضكم ، و الغرض إتمام الحجّة كما عرفت . 362

-----------
( 362 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 397 ، ط كمپاني و ص 372 ، ط تبريز .

[ 309 ]