تبيين

« فقأ العين » شقّها ، و عدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم . و « الغيهب » الظلمة ، و تموّجه كناية عن عمومه و شموله للأماكن . و « اشتدّ كلبها » أي شرّها و أذاها ، يقال للقحط الشديد : الكلب ، و كذلك للقرّ الشديد . قوله « بناعقها » أي الداعي إليها ، يقال : « نعق ينعق » بالكسر ، أي صاح و زجر . و « المناخ » بضمّ الميم ، مصدر أو اسم مكان من « أناخ البعير » . و « الركاب » الإبل الّتي تسار عليها ،

الواحدة « راحلة » و لا واحد لها من لفظها . و « الكرائه » جمع « الكريهة » و هي الشدّة . و قال الجزريّ : « الحوازب » جمع « حاذب » و هو الأمر الشديد . 363 قوله عليه السلام « لأطرق كثير من السائلين » أي لشدّة الأمر و صعوبته ، حتّى أنّ السائل ليبهت و يدهش فيطرق و لا يستطيع السّؤال . و « الفشل » الجبن .

و قال ابن أبي الحديد : « قلّصت » يروى بالتشديد أي انضمّت و اجتمعت فيكون أشدّ و أصعب من أن يتفرّق في مواطن متعدّدة ، و بالتخفيف أي كثرت و تزايدت من « قلصت البئر » أي ارتفع ماؤها و روي : « إذا قلصت عن حربكم » أي إذا قلصت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها . 364 قوله عليه السلام « و شمّرت عن ساق » أي كشفت عن شدّة و مشقّة ،

كقوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ 365 أو كناية عن قيام الحرب و تمام أسبابها ، فإنّه كناية عن الاهتمام في الأمر . قوله عليه السلام « إذا أقبلت شبّهت » أي في ابتدائها تلتبس الأمور و لا يعلم الحقّ من الباطل إلى أن تنقضي فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها . و « حام الطائر حول الماء يحوم حوما و حومانا » أي دار ، شبّه عليه السلام الفتن في دورانها و وقوعها من دعاة الضلال في بلد دون بلد بالرّياح .

و « الخطّة » الحال و الأمر و عمومها لأنّها كانت ولاية عامّة و خصّت بليّتها بالصالحين و الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم ، فالمبصر العارف للحقّ يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه و في غيره ، و أمّا الجاهل المنقاد لهم فهو في راحة . و « الناب » الناقة

-----------
( 363 ) النهاية ، ج 1 ، ص 222 .

-----------
( 364 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 7 ، ص 52 ، ط بيروت .

-----------
( 365 ) القلم : 42 .

[ 312 ]

المسنّة ، و « الضروس » السيّئة الخلق ، و « العذم » العضّ و الأكل بجفاء . و « الزبن » الدفع . و « الدرّ » في الأصل اللّبن ثمّ أطلق على كلّ خير ، و هو كناية عن منع حقوق المسلمين و الاستبداد بأموالهم .

قوله « أو غير ضائر » يعني من لا ينكر أفعالهم . و « الانتصار » الانتقام ، و قد جاء في كلامه عليه السلام تفسير انتصار العبد من ربّه في غير هذا الموضع حيث عقّبه بقوله « إذا شهد أطاعه و إذا غاب اغتابه » 366 و المراد بالصّاحب هنا التابع .

و « الشوهاء » القبيحة ، و في بعض النسخ : « شوها » بالضمّ بغير مدّ ، جمع « الشوهاء » .

قوله عليه السلام « و قطعا جاهليّة » شبّهها بقطع السحاب لتراكمها ، أو قطع الحبل لورودها دفعات . قوله عليه السلام « بمنجاة » أي بمعزل لا تلحقنا آثامها و لسنا من أنصار تلك الدعوة . قوله « كتفريج الأديم » ، « الأديم » الجلد ، و وجه الشبه انكشاف الجلد عمّا تحته من اللّحم . قوله عليه السلام « يسومهم خسفا » أي يولّيهم ذلا و « الخسف » النقصان و الهوان . قوله عليه السلام « مصبّرة » أي ممزوجة بالصبر المرّ أو مملوءة إلى أصبارها أي جوانبها . قوله عليه السلام « و لا يحلسهم » أي لا يلبسهم ،

و « الحلس » كساء رقيق يكون تحت البرذعة ، و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى ، و « جزرها » ذبحها .

قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة : هذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادّعاء الربوبيّة و لا ادّعاء النبوّة ، و لكنّه كان يقول : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخبره بذلك ، و لقد امتحنّا أخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كاخباره عن الضربة الّتي يضرب في رأسه فتخضب لحيته ، و إخباره عن قتل الحسين عليه السلام ابنه ، و ما قاله في كربلاء حيث مرّ بها ، و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده ، و إخباره عن الحجّاج و عن يوسف بن عمر و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنّهروان ، و ما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم و صلب من يصلب ، و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين ، و

-----------
( 366 ) راجع النهج لمحمّد عبده ، ج 1 ، ص 207 ، ط مصر .

[ 313 ]

إخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها ، و إخباره عن عبد اللّه بن الزبير و قوله عليه السلام فيه : « خبّ صبّ يروم أمرا و لا يدركه ، ينصب حبالة الدّين لاصطياد الدنيا و هو بعد مصلوب قريش » ، و كاخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة أخرى بالزنج ، و هو الّذي صحّفه قوم فقالوا : بالريح . [ 367 ] و كإخباره عن الأئمة الّذين ظهروا من ولده بطبرستان كالنّاصر و الدّاعي و غيرهما في قوله عليه السلام « و إنّ لآل محمّد بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاة حقّ تقوم بإذن اللّه فتدعو إلى دين اللّه » ، و كإخباره عن مقتل النفس الزكيّة بالمدينة و قوله : « إنّه يقتل عند أحجار الزيت » ، و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا [ 368 ] « يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر » و قوله عليه السلام فيه أيضا : « يأتيه سهم غرب يكون فيه منيّته فيا بؤس الرامي 369 شلّت يده و وهن عضده » ،

و كإخباره عن قتلى فخّ و قوله عليه السلام 370 : « هم خير أهل الأرض أو من خير أهل الأرض » ، و كإخباره عن المملكة العلويّة بالغرب و تصريحه بذكر كتامة و هم الّذين نصروا أبا عبد اللّه الداعي المعلّم ، و كقوله و هو يشير إلى عبيد اللّه المهديّ و هو أوّلهم : « ثمّ يظهر صاحب القيروان » [ 371 ] الفضّ البضّ ، ذو النسب المحض ، المنتجب من سلالة ذي البداء ، المسجّى بالرّداء » ، و كان عبيد اللّه المهديّ أبيض مترفا مشربا حمرة رخص البدن تارّ الأطراف و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمّد عليهما السلام و هو المسجّى بالرّداء ، لأنّ أباه أبا عبد اللّه جعفر عليه السلام سجّاه بردائه لمّا مات ، و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة في أمره ،

[ 367 ] في المصدر بعد ذلك : و كإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان و تنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب الّذين منهم طاهر بن الحسين و ولده و إسحاق بن إبراهيم ، و كانوا هم و سلفهم دعاة الدولة العباسيّة . اه .

[ 368 ] موضع بين الكوفة و واسط و إلى الكوفة أقرب ، به قبر إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن ، قتله بها أصحاب المنصور . فراجع مراصد الاطّلاع ، ج 1 ، ص 148 .

-----------
( 369 ) في المصدر : فيا بؤسا للرامي .

-----------
( 370 ) في المصدر : و قوله فيهم .

[ 371 ] كانت مدينة عظيمة بإفريقيا .

[ 314 ]

و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم : « و يخرج من ديلمان بنو الصيّاد » إشارة إليهم ،

و كان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو و عياله بثمنه فأخرج اللّه تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة ، و نشر ذرّيّتهم حتّى ضربت الأمثال بملكهم ،

و كقوله عليه السلام فيهم : « ثمّ يستقوي أمرهم حتّى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء » . فقال له قائل : فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : مائة أو تزيد قليلا . و كقوله فيهم : « و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمّه على دجلة » و هو إشارة إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين ، و كان معزّ الدولة أقطع اليد قطعت يده النكوض 372 في الحرب ، و كان ابنه عزّ الدولة بختيار مترفا صاحب لهو و شرب 373 و قتله عضد الدولة فنّاخسره 374 ابن عمّه بقصر الجفن 375 على دجلة في الحرب و سلبه ملكه ، فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي و رتّب عوضه المطيع ، و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع و رتّب عوضه القادر ، و كانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليه السلام . و كإخباره عليه السلام لعبد اللّه بن العبّاس رحمه اللّه عن انتقال الأمر إلى أولاده ، فإنّ عليّ بن عبد اللّه لمّا ولد أخرجه أبوه عبد اللّه إلى عليّ عليه السلام فأخذه و تفل في فيه و حنّكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال : « خذ إليك أبا الأملاك » هكذا الرواية الصحيحة و هي الّتي ذكرها أبو العبّاس المبرّد في الكتاب الكامل 376 ، و ليست الرواية الّتي يذكر فيها العدد بصحيحة و لا منقولة في كتاب 377 معتمد عليه .

و كم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصاءه لكرّسنا كراريس [ 378 ] كثيرة ، و كتب السير تشتمل عليها مشروحة 379 ، ثمّ قال : و هذا

-----------
( 372 ) في المصدر : النكوص .

-----------
( 373 ) في المصدر : و طرب .

-----------
( 374 ) في المصدر : فنّاخسرو .

-----------
( 375 ) في المصدر : الجصّ .

-----------
( 376 ) في المصدر : في كتاب الكامل .

-----------
( 377 ) كذا في ( ك ) . و في غيره من النسخ و كذا المصدر : من كتاب .

[ 378 ] « الكرّاس و الكرّاسة » بالضمّ و الشدّ ، الجزء من الكتاب ، مجموعة صغيرة دون الكتاب ، و في غير ( ك ) من النسخ و كذا المصدر : لكسرنا له كراريس .

-----------
( 379 ) أسقط المصنّف ههنا كثيرا من كلامه و قد نقل بعضه فيما سبق .

[ 315 ]

الكلام إخبار عن ظهور المسوّدة و انقراض ملك بني أميّة ، و وقع الأمر بموجب إخباره صلوات اللّه عليه حتّى لقد صدق قوله عليه السلام « تودّ قريش » إلى آخره ، فإنّ أرباب السيرة كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد قال يوم الزاب لمّا شاهد عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بإزائه في صفّ خراسان : « لوددت أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى » و القصّة طويلة مشهورة و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة ، و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان ، و فيها ألفاظ لم يوردها الرضيّ رحمه اللّه من قوله عليه السلام 380 : « و لم يكن ليجتري‏ء عليها غيري و لو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل و النهروان ، و ايم اللّه لو لا أن تتّكلوا فتدعوا العمل لحدّثتكم بما قضى اللّه عزّ و جلّ على لسان نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله لمن قاتلهم مبصرا بضلالتهم عارفا للهدى الّذي نحن عليه ، سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي ميّت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم . » و ضرب بيده إلى لحيته .

و منها 381 في ذكر بني أميّة : « يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتّى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا ، إلى أن يضع اللّه عزّ و جلّ جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها ، ألا و إنّكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر و حنين توجروا ، و لا تمالؤوا عليه عدوّهم فيصير عليهم 382 و يحلّ بكم النقمة » و منها : « إلاّ مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه ، و إن توارى عنه شتمه ، و ايم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ حجر لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم » و منها : « فانظروا أهل بيت نبيّكم فإن لبدوا فالبدوا ، و إن استنصروكم فانصروهم ، فليفرّ جنّ اللّه منّا 383 أهل البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا هرجا ، موضوعا على عانقه ثمانية 384 حتّى

-----------
( 380 ) كذا في ( ك ) . و في غيره من النسخ و كذا المصدر : من ذلك قوله . اه .

-----------
( 381 ) أي و ممّا لم يوردها الرضيّ رحمه اللّه .

-----------
( 382 ) في المصدر : فتصرعكم البليّة .

-----------
( 383 ) في المصدر : فليفرّجنّ اللّه الفتنة برجل منّا . اه .

-----------
( 384 ) في المصدر : ثمانية أشهر .

[ 316 ]

تقول قريش : لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا ، يغريه اللّه ببني أميّة حتّى يجعلهم حطاما و رفاتا ، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتّلوا تقتيلا ، سنّة اللَّه في الّذين خلوا من قبل و لن تجد لسنّة اللّه تبديلا » . 385