[ هذا بيان آخر في شرح الخطبة : ] إيضاح

قال ابن أبي الحديد : هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان و فيها ألفاظ لم يوردها الرضيّ رحمه اللّه .

ثمّ ذكر بعض الألفاظ المتروكة ، منها قوله عليه السلام « و لم يكن ليجتري‏ء عليها غيري ، و لو لم أك فيكم ما قوتل أهل الجمل و النهروان ، و ايم اللّه لو لا أن تتّكلوا فتدعوا العمل لحدّثتكم بما قضى اللّه عزّ و جلّ على لسان نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الّذي نحن عليه . سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي ميّت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم هذه و ضرب بيده على لحيته » .

-----------
( 385 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 7 ، ص 47 58 ، ط بيروت .

-----------
( 386 ) القاموس ، ج 1 ، ص 20 .

-----------
( 387 ) القاموس ، ج 1 ، ص 111 .

-----------
( 388 ) راجع كتاب سليم بن قيس ، ص 85 90 .

-----------
( 389 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 41 ، كتاب تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام ، ص 349 355 .

[ 317 ]

و منها في ذكر بني أميّة : « يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتّى يملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا إلى أن يضع اللّه جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها .

ألا و إنّكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر و حنين توجروا ،

و لا تمالؤوا عليهم عدوّهم فتصرعكم البليّة و تحلّ بكم النّقمة » .

و منها : « إلاّ مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه و إذا توارى عنه شتمه .

و ايم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ حجر لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم » .

و منها : « فانظروا أهل بيت نبيّكم فإن لبدوا فالبدوا ، و إن استنصروكم فانصروهم فليفرّجنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت . بأبي ابن خيرة الإماء ، لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا هرجا ، موضوعا على عانقه ثمانية [ أشهر ] حتّى تقول قريش : لو كان هذا ولد فاطمة لرحمنا ، يغريه اللّه ببني أميّة حتّى يجعلهم حطاما و رفاتا ، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتّلوا تقتيلا ، سنّة اللّه في الّذين خلوا من قبل و لن تجد لسنّة اللّه تبديلا 390 » .

ثمّ قال : فإن قبل فمن هذا الرجل الموعود به ؟ قيل : أمّا الإماميّة فيزعمون أنّه إمامهم الثّاني عشر و أنّه ابن أمة اسمها نرجس . و أمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطميّ يولد في مستقبل الزمان لامّ ولد و ليس بموجود الآن . فإن قيل : فمن يكون من بني أميّة في ذلك الوقت موجودا حتّى ينتقم منهم ؟ قيل : أمّا الإماميّة فتقول بالرجعة و يزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أميّة و غيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر ، و إنّه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم ، و يسمل عيون بعضهم ، و يصلب قوما آخرين ، و ينتقم من أعداء آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله المتقدّمين و المتأخّرين . و أمّا أصحابنا فيزعمون أنّه سيخلق اللّه تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة عليها السلام يستولي على السفيانيّ و أشياعه من بني أميّة .

ثمّ قال : فإن قيل : لما ذا خصّ عليه السلام أهل الجمل و أهل النهروان بالذكر و لم يذكر صفّين ؟ قيل : لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل و أهل النهروان ظاهرة

-----------
( 390 ) اقتباس من القرآن ، الأحزاب : 61 62 .

[ 318 ]

الالتباس ، و أمّا أهل الجمل لحسن ظنّهم بطلحة و الزبير ، و كون عايشة زوجة الرسول صلّى اللّه عليه و آله معهم . و أمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد و عزوف عن الدنيا ، و هم كانوا قرّاء العراق و زهّادها . و أمّا معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلّة الدين و الانحراف عن الإسلام ، و كذلك ناصره عمرو بن العاص و من اتّبعهما من طغام أهل الشام و أجلافهم و جهّال الأعراب ، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز قتالهم و محاربتهم . انتهى .

قوله عليه السلام « فأنا فقأت » يقال : « فقأت العين » أي شققتها أو قلعتها بشحمها أو أدخلت الإصبع فيها . و « فقأ عين الفتنة » كسر ثورانها . و حذف المضاف أي عين أهلها بعيد . و عدم اجتراء غيره عليه السلام على إطفاء تلك الفتنة لأنّ الناس كانوا يهابون قتال أهل القبلة و يقولون : كيف نقاتل من يؤذّن كأذاننا و يصلّي بصلاتنا ؟ و « الغيهب » الظلمة . و تموّجها عمومها و شمولها تشبيها لها بالبحر . و « الكلب » بالتحريك ، داء يعرض الإنسان من عضّ الكلب و العطش ، و المراد شرّها و أذاها . و « الفئة » الطّائفة و الجماعة لا واحد لها من لفظها . و « ناعقها » الدّاعي لها أو إليها . و « المناخ » بضمّ الميم ، موضع الإناخة . و « الركاب » الإبل الّتي يسار عليها ،

و الواحدة « راحلة » . و « الرحل » بالفتح ، كلّ شي‏ء يعدّ للرحيل . و « حططت الرجل » أنزلته عن الإبل ، و « المحطّ » اسم مكان ، و قيل : هو و المناخ مصدران . و « الكريهة » النّازلة و « كرائه الأمور » المصائب الّتي تكرهها النفوس . و « الحوازب » جمع « حازب » و هو الأمر الشديد ، و « حزبه أمر » اشتدّ عليه و دهمه . و « الخطب » بالفتح ، الشأن و الحال و الأمر الّذي تقع فيه المخاطبة . و « الإطراق » السكوت ، و إطراق السّائل لصعوبة الأمر و شدّته حتّى أنّه يبهته عن السؤال و يتحيّر كيف يسأل . و « الفشل » الجبن و الضعف .

قوله عليه السلام « و ذلك » أي النزول أو الإطراق و الفشل . و « قلّصت » بالتشديد ، أي اجتمعت و انضمّت . و الحرب إذا كانت في موضع واحد يكون أشدّ و أصعب ، و يكون التشديد للمبالغة ، و هي بالتخفيف بمعنى ارتفعت فالمراد شدّتها و كثرتها ، و يقال : بالتشديد بمعنى استمرّت في المضيّ ، و يقال : « قلص قميصه فقلّص

[ 319 ]

تقليصا » أي شمّر لازم و متعدّ ، و في بعض النسخ : « قلّصت حربكم عن ساق » بدون كلمة « شمّرت » ، و يروى : « إذا قلصت عن حربكم » بالتخفيف ، أي إذا انكشفت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم . و « شمّرت عن ساق » أي كشفت عن شدّة و مشقّة ، كما قيل في قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ 391 و قيل : كشف السّاق مثل في اشتداد الأمر و صعوبة الخطب ، و أصله تشمير المخدّرات عن سوقهنّ في الهرب . و قيل : « يكشف عن ساق » أي عن أصل الأمر و حقيقته بحيث يصير عيانا ،

و يحتمل أن يكون الغرض تشبيه الحرب بالجدّ في أمر ، فإنّ الإنسان إذا جدّ في السّعي شمّر عن ساقه و رفع ثوبه لئلاّ يمنعه . و استطالة الأيّام عدّها طويلة ، و يوم البؤس و الشدّة يطول على الإنسان ، و لعلّ المراد ببقيّة الأبرار أولادهم و إن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم إن كان إشارة إلى دولة بني العبّاس و إلاّ ظهر أنّه أراد القائم صلوات اللّه عليه .

قوله عليه السلام « شبّهت » على المعلوم ، جعلت نفسها أو الأمور الباطلة شبيهة بالحقّ ، أو على المجهول ، أي أشكل أمرها و التبس على النّاس . قوله عليه السلام « نبّهت » أي أيقظت القوم من النوم و أظهرت بطلانها عليهم .

« ينكرن » أي لا يعرف حالهنّ . و « حام الطّائر حول الماء » إذا طاف و دار لينزل عليه و « حوم الرياح » أي كحومها . و « الخطّة » بالضمّ ، شبه القصّة و الأمر و الخطب ، و عموم خطّة تلك البليّة لكونها رياسة عامّة و سلطنة شاملة ، و خصوص البليّة لكون حظّ أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم منها أوفر ، و إصابة البلاء من أبصر فيها لحزن المبصر من مشاهدة أفعالهم الشنيعة و قصدهم إيّاه بأنواع الأذى بخلاف الجاهل المنقاد لهم . و يطلق الربّ على المالك و السيّد و المدبر و المربّي و المنعم . و « الناب » الناّقة المسنّة . و « الضروس » السيّئة الخلق تعضّ حالبها . و « عذم الفرس » كضرب إذا أكل بجفاء أو عضّ . و « خبط البعير » إذا ضرب بيده الأرض شديدا . و « الزّبن » الدفع ، و « زبنت الناقة » إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب . و « و الدرّ » اللبن ، و يقال لكلّ خير على

-----------
( 391 ) القلم : 42 .

[ 320 ]

التوسّع .

قوله عليه السلام « لا يزالون بكم » أي لا يزالون يؤذونكم بأنواع الأذى حتّى لا يبقى منكم إلاّ من ينفعهم في مقاصدهم ، أو لا يضرّهم بإنكار المنكرات عليهم .

و « الضائر » المضرّ . و « الانتصار » الانتقام . و « الصاحب » التابع . و « المستصحب » المتبوع ، و الغرض إمّا نفي إمكان الانتصار ، أو إثبات انتصار الأذلاّء و المقهورين كالغيبة و الذّم مع الأمن من الوصول إلى المغتاب . و « الشوهاء » الفبيحة . و « المخشيّة » المخوفة .

و « الجاهليّة » الحالة الّتي كانت العرب عليها قبل الإسلام . و « المنجاة » موضع النجاة ،

و الغرض خلاصهم من لحوق الآثام و المتابعة في الدعوة إلى الباطل لا الخلاص من الأذيّة . و « الأديم » الجلد و وجه الشبه انكشاف الجلد عمّا تحته من اللحم ، و يحتمل أن يكون المراد بالأديم الجلد الّذي يلفّ الإنسان فيه للتعذيب لأنّه يضغطه شديدا إذا جفّ ،

و في تفريحه راحة . و « يسومهم » أي يكلّفهم و يلزمهم . و « الخسف » النقصان و الذلّ و الهوان . و « المصبّرة » الممزوجة بالصبر المرّ ، و قيل : أي المملوّة إلى أصبارها أي جوانبها .

و « الحلس » بالكسر ، كساء رقيق يكسى على ظهر البعير تحت البرذعة ، و « أحلس البعير » ألبسه الحلس . و يحتمل أن يكون من الحلس الّذي يبسط تحت حرّ الثياب إشعارا بأنّهم في بيوتهم أيضا خائفون و هو اشارة إلى ظهور دولة بني العبّاس .

و « الجزور » النّاقة الّتي تجزر . قوله عليه السلام « ما أطلب اليوم بعضه » أي الطّاعة و الانقياد ، أي يتمنّون أن يروني فيطيعوني إطاعة كاملة و قد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا . و قد روي في السير : أنّ مروان بن محمّد و هو آخر ملوك بني أميّة قال يوم الزاب ممّا شاهد عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بازائه في صفّ خراسان : لوددت أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى [ العي ] . و يحتمل أن يكون التمنّي عند قيام القائم عليه السلام . 392

-----------
( 392 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 693 ، ط كمپاني و ص 641 ، ط تبريز .

[ 321 ]