تبيان

« فلن يفوت » المفعول محذوف أي فلن يفوته . و « الأخذ » التناول و العقوبة . و « المرصاد » الطريق يرصد بها . و « الشجا » ما ينشب في الحلق من عظم و غيره . و موضع الشجا هو الحلق . و « مساغ ريقه » موضع إساغته . و « ساغ الشراب » سهل في الحلق ، و « سغت الشراب » يتعدّى و لا يتعدّى . و هذا إمّا تهديد لأهل الشام أو لأصحابه كما سيأتي نسبة الظلم إليهم . و « ظهر عليه » غلب . و « راعي القوم » من ولى عليهم . و « الاستنفار » الاستنجاد و الاستنصار ، أو طلب النفور و الإسراع إلى القتال .

قوله عليه السلام « و عبيد كأرباب » أي أخلاقكم أخلاق العبيد من

[ 328 ]

الخلاف و النفاق و دناءة الأنفس ، و فيكم مع ذلك كبر السادات و تيههم و عدم إطاعتهم ، أو حكمكم حكم العبيد في وجوب الإطاعة و تأبون عنها كالسادة و هذا أنسب بالفقرة السّابقة . و « أيادي سبأ » مثل يضرب للمتفرّقين ، و أصله قوله تعالى عن أهل سبأ : وَ مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 396 . و سبأ مهموز يصرف و لا يصرف ، و يمدّ و لا يمدّ ،

و هو بلدة بلقيس ، و لقب ابن يشجب بن يعرب ، يقال : « ذهبوا أيدي سبأ ، و أيادي سبأ » الياء ساكنة و كذلك الألف ، هكذا نقل المثل ، أي متفرّقين و هما اسمان جعلا واحدا مثل معدى كرب ، ضرب المثل بهم لأنّهم لمّا غرق مكانهم و ذهبت جنّاتهم تبدّدوا في البلاد ، و لهم قصّة غريبة مذكورة في كتب الأمثال .

قوله عليه السلام « و تتخادعون » المخادعة هي الاستغفال عن المصلحة ، أي إذا رجعتم عن مجلس الوعظ أخذ كلّ منكم يستغفل صاحبه و يشغله بالأحاديث و إن لم يكن عن قصد خداع بل يقع منهم صورة المخادعة ، كذا ذكره ابن ميثم ، و قال ابن أبي الحديد : « تتخادعون عن مواعظكم » أي تمسكون عن الاتّعاظ من قولهم : كان فلان يعطي ثمّ خدع أي أمسك و أقلع ، و يجوز أن يريد تتلوّنون و تختلفون في قبول الوعظ ، من قولهم : « خلق فلان خلق خادع » أي متلوّن ، و « سوق خادعة » أي متلوّنة مختلفة . و لا يجوز أن يراد المعنى المشهور منها لأنّه إنّما يقال : « فلان يتخادع فلانا » إذا كان يريد أن ينخدع له و ليس بمنخدع في الحقيقة ، و هذا لا يناسب المقام .

و « الحنيّة » على فعيلة ، القوس ، أي ترجعون معوجا كاعوجاج ظهر القوس و « أعضل » أشكل . و كأنّ غيبة عقولهم كناية عن تركهم العمل بما تقتضيه ، أو عن ذهابها . قوله عليه السلام « منيت » أي ابتليت . و إنّما لم يجمع الخمس لكون الثلاث من جنس و الاثنتين من آخر ، أو لأنّ الثلاث إيجابيّة دون الاثنتين . و « الحرّ » خلاف العبد ، و الخيار من كلّ شي‏ء . و « اللقاء » ملاقاة الأحباب أو العدوّ . و قوله عليه السلام « تركت أيديكم » كلمة يدعى على الانسان بها ، أي لا أصبتم خيرا ،

و أصل ترب إصابة التراب ، فكأنّه يدعى عليه بأن يفتقر .

-----------
( 396 ) السبأ : 19 .

[ 329 ]

و قال في النهاية : هذه الكلمة جارية على ألسن العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب و لا وقوع الأمر بها 397 كما يقولون : قاتله اللّه و قيل : معناها : للّه درّك . قال : و كثيرا ترد للعرب ألفاظ ظاهرها الذّم و إنّما يريدون بها المدح كقولهم : لا أب لك ، و لا أمّ لك ، و هوت أمّه ، و لا أرض لك ، و نحو ذلك . و قال المطرّزيّ : في قولهم « كأنّ بك تنحطّ » الأصل كأنّي أبصرك تنحطّ ، ثمّ حذف الفعل و زيدت الباء . و يحتمل أن يكون الباء متعلّقا بملتصق و نحوه ، نحو « به داء » ، أو بمعنى في . و « خال الشي‏ء يخاله » أي ظنّه ، و تقول : « خلت إخال » بالكسر 398 ، و بالفتح لغة بني أسد كما في النسخ ، و « ما » مصدريّة أي في ظنّي . و « حمس » كفرح أي اشتدّ . و « حمي » كرضي اشتدّ حرّه . و « انفراجهم » تفرّقهم . قال ابن ميثم : شبّه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الأنفة . و تسليم المرأة قبلها 399 و انفراجها عنه إمّا وقت الولادة أو وقت الطعان .

قوله عليه السلام « ألقطه » كأنّه إشارة إلى أنّ الضلال غالب على الهدى فيحتاج السالك إلى التقاط طريق الهدى من بين طريق الضلالة . و في بعض النسخ :

« ألفظه لفظا » أي ابيّنه بيانا . و « السمت » الجهة و الطريق و هيئة أهل الخير . « فإن لبدوا » أي قعدوا عن طلب الخلافة و الجهاد و لزموا البيوت فتابعوهم ، و إن قاموا بها فانصروهم . يقال : « لبد الشي‏ء بالأرض » كنصر أي التصق بها . و « لا تسبقوهم » أي لا تفعلوا ما لم يأمروكم به ، و « لا تتأخّروا عنهم » أي لا تخالفوهم فيما يأمرونكم به .

« يراوحون » أي يسجدون بالجبهة مرّة و بالخدود أخرى . و وقوفهم على مثل « الجمر » جمع « جمرة » و هي النّار المتّقدة ، كناية عن قلقهم و اضطرابهم من خوف المعاد . و « المعزى » بالكسر ، خلاف الضأن كالمعز ، و المراد ببين أعينهم جباههم مجازا . « هملت » أي سالت . و « مادوا » أي تحرّكوا و اضطربوا . 400 .

-----------
( 397 ) في المصدر : به ، فالضمير راجع إلى المخاطب .

-----------
( 398 ) هذا بالسماع ، و القياس الفتح .

-----------
( 399 ) في المصدر : لقبلها .

-----------
( 400 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 686 ، ط كمپاني و ص 634 ، ط تبريز .

[ 330 ]

[ هذا بيان آخر في شرح جزء من الخطبة : ] بيان : « شعثا غبرا » إمّا لفقرهم فالمدح للصبر على الفقر ، أو لتركهم زينة الدنيا و لذّاتها على ما ذكره الأكثر فينبغي التقييد بعدم القدرة ، أو التخصيص ببعض الأفراد ،

أو لتقشّف العبادة و قيام الليل و صوم النهار و هجر الملاذّ فالغبرة كناية عن صفرة اللّون ، و « السجّد » جمع « ساجد » كالقيام جمع قائم أو القيام مصدر أجري مجراه ،

و التخصيص باللّيل لكون العبادة فيه أحمز و أبعد عن الرئاء . و « المراوحة بين الجبهة و الخدّ » وضع كلّ على الأرض حتّى يستريح الآخر ، أو كأنّه يستريح و ليس الغرض الاستراحة ، و ذلك في سجدة الشكر و إن كان وضع الجبهة شاملا لسجود الصلاة . و « الجمر » بالفتح ، جمع « جمرة » و هي النار المتّقدة ، و وقوفهم على مثل الجمر قلقهم و اضطرابهم من خوف المعاد و عذاب النار ، و المراد بين أعينهم جباههم مجازا . أو الموضع حقيقة للارغام في السجود ، و الأوّل أظهر . « و هملت » كضربت و نصرت أي سالت و فاضت ، و « جيب القميص » و نحوه بالفتح ، طوقه . و « مادوا » تحرّكوا و اضطربوا ، و « الريح العاصف و العاصفة » الشديدة . و « خوفا » مفعول له لقوله عليه السلام « مادوا » فقط فسيلان العين للحبّ و الشوق أو للفعلين جميعا أو للجميع على بعد ، و يدلّ على أنّ الخوف من العقاب و الرجاء للثواب لا ينافيان الاخلاص . 401