99 و من خطبة له عليه السلام في التزهيد من الدنيا

نحمده على ما كان ، و نستعينه من أمرنا على ما يكون ، و نسأله المعافاة في الأديان ، كما نسأله المعافاة في الأبدان .

عباد اللّه ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم و إن لم تحبّوا تركها ، و المبلية لأجسامكم و إن كنتم تحبّون تجديدها ،

فإنّما مثلكم و مثلها كسفر ( 1313 ) سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه ، و أمّوا ( 1314 ) علما فكأنّهم قد بلغوه . و كم عسى المجري إلى الغاية ( 1315 ) أن يجري إليها حتّى يبلغها و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، و طالب حثيث من الموت يحدوه ( 1316 ) و مزعج في الدّنيا حتّى يفارقها رغما فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا و فخرها ، و لا تعجبوا

-----------
( 405 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 51 ، كتاب تاريخ الإمام الثاني عشر عليه السلام ، ص 120 .

[ 334 ]

بزينتها و نعيمها ، و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها ، فإنّ عزّها و فخرها إلى انقطاع ، و إنّ زينتها و نعيمها إلى زوال ، و ضرّاءها و بؤسها إلى نفاد ( 1317 ) ، و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، و كلّ حيّ فيها إلى فناء .

أ و ليس لكم في آثار الأوّلين مزدجر ( 1318 ) ، و في آبائكم الماضين تبصرة و معتبر ، إن كنتم تعقلون أ و لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ،

و إلى الخلف الباقين لا يبقون أ و لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون و يمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، و آخر يعزّى ، و صريع مبتلى ، و عائد يعود ، و آخر بنفسه يجود ( 1319 ) ، و طالب للدّنيا و الموت يطلبه ، و غافل و ليس بمغفول عنه ، و على أثر الماضي ما يمضي‏ء الباقي ألا فاذكروا هاذم اللّذّات ، و منغّص الشّهوات ، و قاطع الأمنيات ،

عند المساورة ( 1320 ) للأعمال القبيحة ، و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه ، و ما لا يحصى من أعداد نعمه و إحسانه .