بيان

أقول : إنّما أوردنا هذه الفصول متّصلة لما يظهر من سائر الروايات اتّصالها ، و إنّما فرّقها و حذف أكثرها على عادته قدّس سرّه و أخّرنا شرح ما أورده منها إلى ذكر سائر الروايات لكونها أجمع و أفيد ، و سنشير إلى الاختلاف بينها و بينها .

قوله « فاذا كان غد » كان ههنا تامّة أي إذا حدث غد و وجد ، و تقول إذا كان غدا فأتني بالنصب باعتبار آخر أي إذا كان الزمان غدا أي موصوفا بأنّه الغد ، و من النحويّين من يقدّره إذا كان الكون غدا لأنّ الفعل يدلّ على المصدر ، و الكون هو التجدّد

-----------
( 427 ) نهج البلاغة ، تحت الرقم 266 من الحكم .

[ 353 ]

و الحدوث . و « الشاردة » النافرة ، و « ثقفه » كعلمه أي صادفه أو أخذه أو ظفر به .

و « يخطئها » أي لا يدركها و لا يفهمها أو لا يحفظها و ينساها .

كا : عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، و محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، و عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، جميعا عن الحسن بن محبوب عن يعقوب السرّاج ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام ، و بأسانيد مختلفة عن الأصبغ ابن نباتة قال : خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في داره أو قال في القصر و نحن مجتمعون ثمّ أمر صلوات اللّه عليه فكتب في كتاب و قري‏ء على الناس ، و روى غيره أنّ ابن الكوّا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن صفة الإسلام و الإيمان و الكفر و النفاق فقال :

أمّا بعد ، فإنّ اللّه تبارك و تعالى شرع الاسلام ، و سهّل شرائعه لمن ورده ، و أعزّ أركانه لمن جاربه ، و جعله عزّا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله ، و هدى لمن ائتمّ به ، و زينة لمن تجلّله ، و عذرا لمن انتحله ، و عروة لمن اعتصم به ، و حبلا لمن استمسك به ، و برهانا لمن تكلّم به ، و نورا لمن استضاء به ، و شاهدا لمن خاصم به ، و فلجا لمن حاجّ به ،

و علما لمن وعاه ، و حديثا لمن روى ، و حكما لمن قضى ، و حلما لمن جرّب ، و لباسا لمن تدبّر [ 428 ] و فهما لمن تفطّن ، و يقينا لمن عقل ، و بصيرة لمن عزم ، و آية لمن توسّم ، و عبرة لمن اتّعظ ، و نجاة لمن صدّق ، و تؤدة لمن أصلح ، و زلفى لمن اقترب ، و ثقة لمن توكّل ،

و رجاء لمن فوّض ، و سبقة لمن أحسن ، و خيرا لمن سارع ، و جنّة لمن صبر ، و لباسا لمن اتّقى ، و ظهيرا لمن رشد ، و كهفا لمن آمن ، و أمنة لمن أسلم ، و رجاء لمن صدق ، و غنى لمن قنع .

فذلك الحقّ سبيله الهدى ، و مأثرته المجد ، و صفته الحسنى ، فهو أبلج المنهاج ، مشرق المنار ، ذاكي المصباح ، رفيع الغاية ، يسير المضمار ، جامع الحلبة ، سريع السبقة ، أليم النقمة ، كامل العدة ، كريم الفرسان .

-----------
( 428 ) في نسخة النهج : « و لبّا لمن تدبّر » و هو الصحيح ، و بين النسخ كما سيأتي من المصنّف اختلافات . و الصحيح في بعض نسخ الكافي و في بعض نسخ النهج .

[ 354 ]

فالإيمان منهاجه ، و الصالحات مناره ، و الفقه مصابيحه ، و الدّنيا مضماره ، و الموت غايته ، و القيامة حلبته ، و الجنّة سبقته ، و النار نقمته ، و التقوى عدّته ، و المحسنون فرسانه ، فبالإيمان يستدلّ على الصالحات ، و بالصالحات يعمر الفقه ، و بالفقه يرهب الموت ، و بالموت يختم الدّنيا ، و بالدّنيا تجوز القيامة ، و بالقيامة تزلف الجنّة ، و الجنّة حسرة أهل النار ، و النار موعظة للمتّقين ، و التقوى سنخ الايمان . 429 كا : بالاسناد المتقدّم 430 عن أبي جعفر عليه السلام قال : سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الايمان فقال :

إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الايمان على أربع دعائم : على الصبر ، و اليقين ، و العدل ،

و الجهاد .

فالصبر من ذلك على أربع شعب : على الشوق ، و الإشفاق ، و الزهد ، و الترقّب ، فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات ، و من أشفق عن النار رجع عن المحرّمات ، و من زهد في الدّنيا هانت عليه المصيبات ، و من راقب الموت سارع إلى الخيرات .

و اليقين على أربع شعب : تبصرة الفطنة ، و تأوّل الحكمة ، و معرفة العبرة ، و سنّة الأوّلين ، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة ، و من تأوّل الحكمة عرف العبرة و من عرف العبرة عرف السنّة ، و من عرف السنّة فكأنّما كان مع الأوّلين و اهتدى إلى الّتي هي أقوم ، و نظر إلى من نجا بما نجا ، و من هلك بما هلك ، و إنّما أهلك اللّه من هلك بمعصيته ، و أنجا من أنجا بطاعته .

و العدل على أربع شعب : غامض الفهم ، و غمر العلم ، و زهرة الحكم ، و روضة الحلم ، فمن فهم فسّر جميع العلم ، و من علم عرف شرائع الحكم ، و من حلم لم يفرط في أمره ، و عاش في الناس حميدا .

و الجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و الصدق في المواطن ، و شنآن الفاسقين ، فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن ، و من نهى عن المنكر

-----------
( 429 ) الكافي ، ج 2 ، ص 49 50 .

-----------
( 430 ) في المصدر : بالإسناد الأوّل ، عن ابن محبوب ، عن يعقوب السرّاج ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام .

[ 355 ]

أرغم أنف المنافق و أمن كيده ، و من صدق في المواطن قضى الّذي عليه ، و من شني‏ء الفاسقين غضب للّه و من غضب للّه غضب اللّه له .

فذلك الايمان و دعائمه و شعبه . 431 جا ، ما : عن المفيد ، عن المرزبانيّ ، عن أحمد بن سليمان الطوسيّ ، عن الزبير بن بكّار ، عن عبد اللّه بن وهب ، عن السدّيّ ، عن عبد خير ، عن جابر الأسدي قال : قام رجل إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن الإيمان فقام عليه السلام خطيبا فقال :

الحمد للّه الّذي شرع الاسلام . . .

و ساق نحوه إلى قوله :

غضب للّه ، و من غضب للّه تعالى فهو مؤمن حقّا فهذه صفة الايمان و دعائمه .

فقال له السائل : لقد هديت يا أمير المؤمنين و أرشدت فجزاك اللّه عن الدين خيرا . 432 و لنوضّح هذه الرواية الشريفة مشيرا إلى اختلاف النسخ في الكتب :

« أمّا بعد » أي بعد الحمد و الصلاة . « فسهّل شرائعه لمن ورده » ، « الشرع و الشريعة » بفتحهما ، ما شرع اللّه لعباده من الدّين ، أي سنّه و افترضه عليهم ، و « شرع اللّه لنا كذا » أي أظهره و أوضحه ، و « الشريعة » مورد الابل على الماء الجاري و كذلك المشرعة قال الأزهريّ : و لا تسمّيها العرب مشرعة إلاّ إذا كان الماء غير منقطع كماء الأنهار و يكون ظاهرا معينا و لا يستقى منه برشاء ، فإن كان من ماء الأمطار فهو « الكرع » بفتحتين . و « وردت الماء » كوعدت إذا حضرته لتشرب ، و قيل :

-----------
( 431 ) الكافي ، ج 2 ، ص 50 51 و في النهج ، تحت الرقم 31 من الحكم .

-----------
( 432 ) أمالي المفيد ، ص 170 و أمالي الطوسيّ ، ج 1 ، ص 35 .

[ 356 ]

« الشريعة » مورد الشاربة و يقال لما شرع اللّه تعالى لعباده ، إذ به حياة الأرواح كما بالماء حياة الأبدان . « و أعزّ أركانه لمن حاربه » ، « ركن الشي‏ء » جانبه أو الجانب الأقوى منه ، و « العزّ » المنعة و ما يتقوّى به من ملك و جند و غيره ، كما يستند إلى الركن من الحائط عند الضعف ، و « العزّ » القوّة و الشدّة و الغلبة ، و « أعزّه » أي جعله عزيزا ،

أي جعل أصوله و قواعده أو دلائله و براهينه قاهرة غالبة منيعة قويّة لمن أراد محاربته أي هدمه و تضييعه ، و قيل : محاربته كناية عن محاربة أهله ، و في بعض النسخ : « جأربه » كسأل بالجيم و الهمز ، أي استغاث به و لجأ إليه ، و في النهج : « على من غالبه » أي حاول أن يغلبه و لعلّه أظهر ، و في تحف العقول [ 433 ] على من جانبه .

« و جعله عزّا لمن تولاّه » أي جعله سببا للعزّة و الرفعة و الغلبة لمن أحبّه و جعله وليّه في الدنيا من القتل و الأسر و النهب و الذلّ ، و في الآخرة من العذاب و الخزي ، و في مجالس الشيخ : « لمن والاه » و في النهج مكانه : « فجعله أمنا لمن علقه » أي نشب و استمسك به . « و سلما لمن دخله » و « السلم » بالكسر ، كما في النهج ، و بالفتح أيضا ،

الصلح ، و يطلق على المسالم أيضا و بالتحريك الاستسلام ، إذ من دخله يؤمن من المحاربة و القتل و الأسر . « لمن تجلّله » كأنّه على الحذف و الإيصال أي تجلّل به ، أو علاه الاسلام و ظهر عليه ، أو أخذ جلاله و عمدته . قال الجوهريّ : « تجليل الفرس » أن تلبسه الجلّ ، و « تجلّله » أي علاه ، و « تجلّله » أي أخذ جلاله . انتهى . و ربّما يقرأ بالحاء المهملة ، و يفسّر بأن جعله حلّة على نفسه و لا يخفى ما فيه ، و في المجالس و التحف : « لمن تحلّى به » و هو أظهر .

« و عذرا لمن انتحله » ، « الانتحال » أخذه نحلة و دينا ، و يطلق غالبا على ادّعاء أمر لم يتّصف به ، فعلى الثاني المراد أنّه عذر ظاهرا في الدنيا . و يجري به عليه أحكام المسلمين ، و إن لم ينفعه في الآخرة . و « العروة من الدلو و الكوز » المقبض و كلّ ما يتمسّك

[ 433 ] راجع تحف العقول ، ص 158 . و قد مرّ مرارا الإشارة إلى أنّ هذه التعليقات الواردة ههنا منقولة عن شرح المؤلّف العلاّمة على الكافي المسمّى بمرآة العقول ، و لذلك ترى أنّه قدّس سرّه يذكر النسخة الّتي لم ينقل بعد هنا .

[ 357 ]

به ، شبّه الاسلام تارة بالعروة الّتي في الحبل يتمسّك بها في الارتقاء إلى مدارج الكمال ،

و النجاة من مهاوي الحيرة و الضلال ، كما قال تعالى : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا 434 و تارة بالحبل المتين يصعد بالتمسّك به إلى درجات المقرّبين ،

و الحبل يطلق على الرسن و على العهد و على الذمّة و على الأمان . و الكلّ مناسب ، و قيل :

شبّهه بالعروة لأنّ من أخذ بعروة الشي‏ء كالكوز مثلا ملك كلّه ، و كذلك من تمسّك بالإسلام استولى على جميع الخيرات .

« و برهانا لمن تكلّم به » ، « البرهان » الحجّة و الدليل ، أي الاسلام إذا أحاط الإنسان بأصوله و فروعه يحصل منه براهين ساطعة على من أنكرها إذ لا تحصل الاحاطة التامّة إلاّ بالعلم بالكتاب و السنّة و فيهما برهان كلّ شي‏ء . « و نورا لمن استضاء به » شبّهه بالنور للاهتداء به إلى طرق النجاة ، و رشّحه بذكر الاستضاءة . [ 435 ] « و شاهدا لمن خاصم به » إذ باشتماله على البراهين الحقّة يشهد بحقّيّته من خاصم به . « و فلجا لمن حاجّ به » ، « الفلج » بالفتح ، الظفر و الفوز كالإفلاج ، و الاسم بالضمّ و المحاجّة المغالبة بالحجّة . « و علما لمن وعاه » أي سببا لحصول العلم و إن كان مسبّبا عنه أيضا في الجملة ، إذ العلم به يزداد و يتكامل . و « حديثا لمن روى » أي يتضمّن الإحاطة بالاسلام أحاديث و أخبارا لمن أراد روايتها ، ففي الفقرة السابقة حثّ على الدّراية و في هذه الفقرة حثّ على الرواية . « و حكما لمن قضى » أي يتضمّن ما به يحكم بين المتخاصمين لمن قضى بينهما ، و في المجالس رواه : و قضى به . « و حلما لمن جرّب » ، « الحلم » بمعنى العقل أو بمعنى الأناة و ترك السفه ، و كلاهما يحصلان باختيار الإسلام و تجربة ما ورد فيه من المواعظ و الأحكام ، و اختصاص التجربة بالإسلام لأنّ

-----------
( 434 ) البقرة : 256 .

[ 435 ] الترشيح من توابع الاستعارة بالكناية ، و هي أن تثبت أحد لوازم المشبّه به للمشبّه لينتقل السامع إلى حقيقة التشبيه كما في المثال المعروف : مخالب المنيّة نشبت بفلان . فقد شبّه المنيّة بالسبع ، ثمّ أثبت للمشبّه و هو المنيّة أحد لوازم المشبّه به و هي المخالب بالكناية ، فيكون ذكر النشوب ترشيحا و تزيينا لهذه الاستعارة ، و ههنا استعير السراج للإسلام لكنّه لم يذكر المشبّه به الّذي هو المستعار منه كما في المثال المعروف بل كنى عنها بذكر النور الّذي هو من لوازم السراج ، فيكون ذكر الاستضاءة ترشيحا لها .

فافهم .

[ 358 ]

من سفه و بادر بسبب غضب عرض له ، يلزمه في دين الاسلام أحكام من الحدّ و التعزير و القصاص من جرّبها و اعتبر بها تحمله التجربة على العفو و الصفح و عدم الانتقام لا سيّما مع تذكّر العقوبات الأخرويّة على فعلها ، و المثوبات الجليلة على تركها ،

و كلّ ذلك يظهر من دين الاسلام .

« و لباسا لمن تدبّر » أي لباس عافية لمن تدبّر في العواقب أو في أوامره و نواهيه بتقريب ما مرّ ، أو لباس زينة ، و الأوّل أظهر ، و قد يقرأ « تدثّر » بالثاء المثلّثة ، أي لبسه و جعله مشتملا على نفسه كالدثار ، و هو تصحيف لطيف ، و في النهج و الكتابين 436 :

« و لبّا لمن تدبّر » ، و « اللبّ » بالضمّ ، العقل و هو أصوب . « و فهما لمن تفطّن » ، « الفهم » العلم وجودة تهيّؤ الذهن لقبول ما يرد عليه ، و « الفطنة » الحذق ، و « التفطّن » طلب الفطانة أو إعماله . و ظاهر أنّ الإسلام و الانقياد للرسول و الأئمة عليهم السلام يصير سببا للعلم و جودة الذهن لمن أعمل الفطنة فيما يصدر عنهم من المعارف و الحكم ، و في المجالس : لمن فطن .

« و يقينا لمن عقل » أي يصير سببا لحصول اليقين لمن تفكّر و تدبّر ، يقال :

« عقلت الشي‏ء عقلا » كضربت أي تدبّرته ، و « عقل » كعلم لغة فيه ، و يمكن أن يراد بمن عقل من كان من أهل العقل ، و هو قوّة بها يكون التمييز بين الحسن و القبيح و قيل : غريزة يتهيّأ بها الانسان لفهم الخطاب . « و بصيرة لمن عزم » و في النهج و المجالس :

و تبصرة . قال الراغب : يقال لقوّة القلب المدركة : بصيرة ، و بصر ، و منه : أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ 437 أي على معرفة و تحقّق ، و قوله « تبصرة » أي تبصيرا و تبيينا ، يقال :

بصّرته تبصيرا و تبصرة ، كما يقال : ذكّرته تذكيرا و تذكرة . و قال : « العزم و العزيمة » عقد القلب على إمضاء الأمر ، يقال : عزمت الأمر و عزمت عليه و اعتزمت . انتهى . أي تبصرة لمن عزم على الطاعة كيف يؤدّيها أو في جميع الأمور فإنّ في الدين كيفيّة المخرج في جميع أمور الدين و الدنيا ، و أيضا من كان ذا دين لا يعزم على أمر إلا على وجه البصيرة .

-----------
( 436 ) المراد بالكتابين أمالي الطوسيّ و أمالى المفيد .

-----------
( 437 ) يوسف : 108 .

[ 359 ]

« و آية لمن توسّم » أي الاسلام مشتمل على علامات لمن تفرّس و نظر بنور العلم و اليقين إشارة إلى قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ 438 . قال الراغب 439 : « الوسم » التأثير ، و « السمة » الأثر ، قال تعالى : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ 440 و قال : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ 441 و قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي للمعتبرين العارفين المتفطّنين ، و هذا التوسّم هو الّذي سمّاه قوم الذكاء ، و قوم الفطنة ، و قوم الفراسة ، و قال صلّى اللّه عليه و آله : اتّقوا فراسة المؤمن ، و قال : المؤمن ينظر بنور اللّه . و « توسّمت » تعرّفت السمة .

« و عبرة لمن اتّعظ » ، « العبرة » بالكسر ما يتّعظ به الانسان و يعتبره ليستدلّ به على غيره ، و « الاتّعاظ » قبول الوعظ . و « نجاة لمن صدّق » بالتشديد ، و يحتمل التخفيف كما ورد في الخبر : من صدق نجا . و الأوّل هو المضبوط في نسخ النهج . « و تؤدة » كهمزة بالهمز « لمن أصلح » ، و في القاموس : « التؤدة » بفتح الهمزة و سكونها ،

الرزانة و التأنّي ، و قد اتّأد و توأد . 442 و في المصباح : « اتّأد في مشبه على افتعل اتّئادا » ترفّق و لم يعجّل ، و هو يمشي على « تؤدة » وزّان رطبة ، و « فيه تؤدة » أي تثبّت ،

و أصل التاء فيها واو . انتهى . أي يصير الاسلام سبب وقار و رزانة لمن أصلح نفسه بشرائعه و قوانينه ، أو أصلح أموره بالتأنّي أو يتأنّي في الاصلاح بين الناس أو بينه و بين الناس ، و في بعض النسخ : « و مودّة » و هو بالأخير أنسب . و في المجالس : « و مودّة من اللّه لمن أصلح » و في التحف : « و مودّة من اللّه لمن صلح » أي يودّه اللّه أو يلقي حبّه في قلوب العباد كما قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً 443 .

« و زلفى لمن اقترب » ، « الزلفى » كحبلى القرب و المنزلة و الحظوة ،

و « الاقتراب » الدنوّ ، و طلب القرب و كأنّ المعنى : الاسلام سبب قرب من اللّه تعالى لمن طلب ذلك بالأعمال الصالحة الّتي دلّ عليها دين الاسلام و شرائعه ، و في

-----------
( 438 الحجر : 75 .

-----------
( 439 ) المفردات ، ص 524 .

-----------
( 440 ) الفتح : 29 .

-----------
( 441 ) البقرة : 273 .

-----------
( 442 ) القاموس ، ج 1 ، ص 343 .

-----------
( 443 ) مريم : 96 .

[ 360 ]

بعض النسخ : « لمن اقترن » أي معه و لم يفارقه ، و كأنّه تصحيف ، و في المجالس و التحف : « لمن ارتقب » أي انتظر الموت أو رحمة اللّه ، أو حفظ شرائع الدين و ترصّد مواقيتها ، في القاموس : « الرقيب » الحافظ و المنتظر و الحارس و « رقبه » انتظره كترقّبه و ارتقبه ، و الشي‏ء حرسه كراقبه مراقبة ، و « ارتقب » أشرف و علا .

« و ثقة لمن توكّل » ، « الثقة » من يؤتمن و يعتمد عليه ، يقال : « ثقت به أثق بكسرهما ثقة و وثوقا » أي ائتمنته ، و « وثق الشي‏ء بالضمّ وثاقة فهو وثيق » أي ثابت محكم ، و « توكّل عليه » أي فوّض أمره إليه ، أي الاسلام ثقة مأمون لمن وكّل أموره إليه أي راعى في جميع الأمور قوانينه فلا يخدعه ، أو يصير الاسلام سببا لوثوق المرء على اللّه إذا توكّل عليه و يعلم به أنّ اللّه حسبه و نعم الوكيل .

« و رجاء لمن فوّض » أي الاسلام سبب رجاء لمن فوّض أموره إليه أو إلى اللّه على الوجهين السابقين ، و في بعض النسخ بالخاء المعجمة أي سعة عيش ، و في النهج و الكتابين : « و راحة » و هو أظهر . « و سبقة لمن أحسن » في القاموس : « سبقه يسبقه و يسبقه » تقدّمه ، و الفرس في الحلبة جلّى ، و « السبق » محرّكة و « السبقة » بالضمّ ، الخطر يوضع بين أهل السباق و هما « سبقان » بالكسر ، أي يستبقان 444 . انتهى . و الظاهر هنا « سبقة » بالضمّ ، أي الاسلام متضمّن لسبقة لمن أحسن المسابقة أو لمن أحسن إلى الناس فإنّه من الأمور الّتي تحسن المسابقة فيه أو لمن أحسن صحبته ، أو لمن أتى بأمر حسن فيشمل جميع الطاعات ، و لا يبعد أن يكون إشارة إلى قوله تعالى : وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِاحْسَانٍ 445 بأن يكون المعنى :

اتّبعوهم في الاحسان . « و خيرا لمن سارع » على الوجوه المتقدّمة إشارة إلى قوله سبحانه في مواضع يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ 446 .

« و جنّة لمن صبر » ، « الجنّة » بالضمّ ، الترس و كلّ ما وقي من سلاح و غيره ،

فالاسلام يحثّ على الصبر و هو جنّة لمخاوف الدنيا و الآخرة ، و قيل : استعار لفظ الجنّة

-----------
( 444 ) القاموس ، ج 3 ، ص 243 .

-----------
( 445 ) التوبة : 100 .

-----------
( 446 ) آل عمران : 114 و الأنبياء : 90 و المؤمنون : 61 .

[ 361 ]

للاسلام لأنّه يحفظ من صبر على العمل بقواعده و أركانه من العقوبة الدنيويّة و الاخرويّة ، و قيل : جنّة لمن صبر في المناظرة مع أعادي الدين . « و لباسا لمن اتّقى » كأنّه إشارة إلى قوله تعالى : وَ لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ 447 بناء على أنّ المراد بلباس التقوى خشية اللّه ، أو الايمان ، أو العمل الصالح ، أو الحياء الّذي يكسب التقوى ، أو السمت الحسن ، و قد قيل : كلّ ذلك أو اللباس الّذي هو التقوى ، فإنّه يستر الفضائح و القبائح ، و يذهبها ، لا لباس الحرب كالدرع و المغفر و الآلات الّتي تتّقى بها عن العدوّ كما قيل ، فالاسلام سبب للبس لباس الايمان و التقوى و الأعمال الصالحة ، و الحياء و هيئة أهل الخير لمن اتّقى و عمل بشرائعه .

« و ظهيرا لمن رشد » أي معينا لمن اختار الرشد و الصلاح ، في القاموس :

« رشد كنصر و فرح رشدا و رشدا و رشادا » اهتدى و « الرشد » الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه . « و كهفا لمن آمن » ، « الكهف » كالغار في الجبل و الملجأ ،

أي محلّ أمن من مخاوف الدنيا و العقبى لمن آمن بقلبه لا لمن أظهر بلسانه و نافق بقلبه .

« و أمنة لمن أسلم » ، « الأمنة » بالتحريك ، الأمن ، و قيل : في الآية [ 448 ] جمع كالكتبة و الظاهر أنّ المراد بالاسلام هنا الانقياد التامّ للّه و لرسوله و لأئمّة المؤمنين فإنّ من كان كذلك فهو آمن في الدنيا و الاخرة من مضارّهما . « و رجاء لمن صدّق » أي الاسلام باعتبار اشتماله على الوعد بالمثوبات الاخرويّة و الدرجات العالية ، سبب لرجاء من صدّق به ، و يمكن أن يقرأ بالتخفيف و يؤيّده أنّ [ ما ] في التحف « و روحا للصادقين » ،

و في بعض نسخ الكتاب أيضا « روحا » و منهم من فسّر الفقرتين بأنّ الاسلام أمنة في الدنيا لمن أسلم ظاهرا و روح في الاخرة لمن صدّق باطنا ، أقول : و كأنّه يؤيّده قوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحَانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ 449 .

« و غنى لمن قنع » أي الاسلام لاشتماله على مدح القناعة و فوائدها فهو يصير سببا لرضا من قنع بالقليل و غناه عن الناس ، و قيل : لأنّ التمسّك بقواعده يوجب وصول

-----------
( 447 ) الأعراف : 25 .

[ 448 ] آل عمران : 154 ، و الآية هي : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً .

-----------
( 449 ) الواقعة : 88 .

[ 362 ]

ذلك القدر إليه كما قال عزّ شأنه : وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ 450 ، و يحتمل أن يراد به أنّ الاسلام باعتبار اشتماله على ما لا بدّ للانسان منه من العلوم الحقّة و المعارف الالهيّة و الأحكام الدينيّة يغني من قنع به عن الرجوع إلى العلوم الحكميّة و القوانين الكلاميّة و الاستحسانات العقليّة و القياسات الفقهيّة و إن كان بعيدا .

« فذلك الحقّ » أي ما وصفت لك من صفة الاسلام حقّ أو « ذلك » إشارة إلى الإسلام ، أي فلمّا كان الاسلام متّصفا بتلك الصفات فهو الحقّ الثابت الّذي لا يتغيّر أو لا يشوبه باطل أو ذلك هو الحقّ الّذي قال اللّه تعالى : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَلْبَابِ 451 . و قوله « سبيله الهدى » استيناف بيانيّ صفة لاسم الاشارة ، و سبيله الهدى خبره أي هذا الدّين الحقّ الّذي عرفت فوائده و صفاته سبيله الهدى كما قيل في قوله سبحانه اُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ 452 و كأنّه إشارة إليه أيضا ، و المراد بالهدى الهداية الربّانيّة الموصلة إلى المطلوب .

« و مأثرته المجد » ، « المأثرة » بفتح الميم و سكون الهمزة و ضمّ الثاء و فتحها و فتح الراء ، واحدة « المآثر » و هي المكارم من الأثر ، و هو النقل و الرواية لأنّها تؤثر و تروى ،

و في القاموس : المكرمة المتوارثة . و « المجد » نيل الكرم و الشرف ، و « رجل ماجد » أي كريم شريف ، و يطلق غالبا على ما يكون بالآباء فكأنّ المعنى أنّه يصير سببا لمجد صاحبه حتّى يسري في أعقابه أيضا . « و صفته الحسنى » أي موصوف بأنّه أحسن الأخلاق و الأحوال و الأعمال ، و في المجالس بعد قوله « و جنّة لمن صبر » : الحقّ سبيله ، و الهدى صفته ، و الحسنى مأثرته .

« فهو أبلج المنهاج » في القاموس : « بلج الصبح » أضاء و أشرق كابتلج و تبلّج و أبلج و كلّ متّضح أبلج ، و « النهج و المنهج و المنهاج » الطريق الواضح و « أنهج » وضح و أوضح . و في النهج بعده : « و أوضح الولائج » أي المداخل . « مشرق المنار » ، « المنار » جمع .

-----------
( 450 ) الطلاق : 2 3 .

-----------
( 451 ) الرعد : 19 .

-----------
( 452 ) البقرة : 5 . (

[ 363 ]

« منارة » و هي العلامة توضع في الطريق ، و كأنّها سمّيت بذلك لأنّهم كانوا يضعون عليها النار لاهتداء الضالّ في اللّيل ، و في القاموس : « المنارة » و الأصل « منورة » موضع النور كالمنار و المسرجة و المأذنة ، و الجمع « مناور و منائر » و المنار العلم . انتهى . و في النهج : « مشرف » بالفاء ، أي العالي و بعده « مشرق الجوادّ » جمع الجادّة . و « ذاكي المصباح » ، و في النهج و الكتابين : « مضيي‏ء المصابيح » ، و في القاموس : « ذكت النار و استذكت » اشتدّ لهبها ، و هي ذكيّة ، و « أذكاها و ذكّاها » أوقدها . « رفيع الغاية » ،

« الغاية » منتهى السباق أو الراية المنصوبة في آخر المسافة ، و هي خرقة تجعل على قصبة و تنصب في آخر المدى ، يأخذها السابق من الفرسان و كأنّ الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف و قيل : هو من قولهم « رفع البعير في مسيره » بالغ أي يرفع إليها .

« يسير المضمار » في النهاية : « تضمير الخيل » هو أن تضامر عليها بالعلف حتّى يسمن ، ثمّ لا تعلف إلاّ قوتا لتخفّ ، و قيل : تشدّ عليها سروجها و تجلّل بالأجلّة حتّى تعرق فيذهب رهلها [ 453 ] و يشتدّ لحمها ، و في حديث حذيفة : « اليوم مضمار و غدا السباق » أي اليوم العمل في الدّنيا للاستباق في الجنّة ، و المضمار الموضع الّذي تضمر فيه الخيل ، و يكون وقتا للأيّام الّتي تضمر فيها ، و في القاموس : « المضمار » الموضع الّذي يضمر فيه الخيل ، و غاية الفرس في السباق . انتهى . و الحاصل أنّ المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق و زمانه ، و على الميدان الّذي يسابق فيه .

شبّه عليه السلام أهل الاسلام بالخيل الّتي تجمع للسباق ، و مدّة عمر الدنيا بالميدان الّذي يسابق فيه ، و الموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان ، فإنّ ما يتسابق فيه من الأعمال الصالحة إنّما هو قبل الموت ، و القيامة موضع تجمع فيه الخيل بعد السباق ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه و يظهر خسران من تأخّر ، و الجنّة بالسبقة ، و النار بما يلحق المتأخّر من الحرمان و الخسران ، أو شبّه عليه السلام الدنيا بزمان تضمير الخيل أو مكانه ، و القيامة بميدان المسابقة ، فمن كان تضميره في الدنيا أحسن كانت سبقته في الآخرة أكثر ، كما ورد التشبيه كذلك في قوله عليه السلام في خطبة أخرى : « أ لا

[ 453 ] « الرهل » محرّكة ، استرخاء اللحم ، و الرخاوة مع انتفاخ .

[ 364 ]

و إنّ اليوم المضمار ، و غدا السباق ، و السبقة الجنّة ، و الغاية النار » . 454 و لكن ينافيه ظاهرا قوله « و الموت غايته » إلاّ أن يقال : المراد بالموت ما يلزمه من دخول الجنّة أو النار ،

إشارة إلى أنّ آثار السعادة و الشقاوة الاخرويّة تظهر عند الموت كما ورد : « ليس بين أحدكم و بين الجنّة و النار إلاّ الموت » ، و على التقديرين المراد بقوله « يسير المضمار » قلّة مدّته و سرعة ظهور السبق و عدمه ، أو سهولة قطعه و عدم وعورته أو سهولة التضمير فيه و عدم صعوبته لقصر المدّة و تهيّؤ الأسباب من اللّه تعالى .

و في النهج : « كريم المضمار » فكأنّ كرمه لكونه جامعا لجهات المصلحة الّتي خلق لأجله ، و هي اختيار العباد بالطاعات ، و فوز الفائزين بأرفع الدرجات ، و لا ينافي ذلك ما ورد في ذمّ الدنيا ، لأنّه يرجع إلى ذمّ من ركن إليها و قصّر النظر عليها ، كما بيّن عليه السلام ذلك في خطبة نوردها في باب ذمّ الدنيا إن شاء اللّه .

« جامع الحلبة » ، « الحلبة » بالفتح ، خيل تجمع للسباق من كلّ أوب أي ناحية ، لا تخرج من اصطبل واحد ، و يقال للقوم إذا جاؤوا من كلّ أوب للنصرة قد أحلبوا و كون الحلبة جامعة عدم خروج أحد منها أو المراد بالحلبة محلّها و هو القيامة كما سيأتي ، فالمراد أنّه يجمع الجميع للحساب ، كما قال تعالى : ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ 455 .

« سريع السبقة » ، « السبقة » بالفتح ما في النهج ، أي يحصل السبق سريعا في الدنيا للعاملين ، أو في القيامة إلى الجنّة ، أو بالضمّ أي يصل إلى السابقين عوض السباق و هو الجنّة سريعا لأنّ مدّة الدنيا قليلة و هو أظهر ، و في النهج و المجالس و التحف :

« متنافس السبقة » فالضمّ أصوب ، و إن كان المضبوط في نسخ النهج بالفتح .

و « التنافس » الرغبة في الشي‏ء النفيس الجيّد في نوعه . « أليم النقمة » أي مؤلم انتقام من تأخّر في المضمار ، لأنّه النار .

« كامل العدّة » ، و « العدّة » بالضمّ و الشدّ ما أعددته و هيّأته من مال أو سلاح

-----------
( 454 ) الخطبة رقم 28 من خطب النهج .

-----------
( 455 ) هود : 103 .

[ 365 ]

أو غير ذلك ممّا ينفعك يوما ما ، و المراد هنا التقوى و كماله ظاهر . « كريم الفرسان » و في النهج : « شريف الفرسان » و « الفرسان » بالضمّ ، جمع « فارس » كالفوارس .

ثمّ فسّر صلوات اللّه عليه ما أبهم من الأمور المذكورة فقال : « فالايمان منهاجه » هذا ناظر إلى قوله « أبلج المنهاج » أي المنهاج الواضح للاسلام هو التصديق القلبيّ باللّه و برسوله و بما جاء به ، و البراهين القاطعة الدالّة عليه ، و في النهج و غيره :

« فالتصديق منهاجه » و هو أظهر . « و الصالحات مناره » ناظر إلى قوله « مشرق المنار » شبّه الأعمال الصالحة و العبادات الموظّفة بالأعلام و المنائر الّتي تنصب على طريق السالكين لئلاّ يضلّوا فمن اتّبع الشريعة النبويّة و أتى بالفرائض و النوافل يهديه اللّه للسلوك إليه ،

و بالعمل يقوى إيمانه ، و بقوّة الايمان يزداد عمله ، و كلّما وصل إلى علم يظهر له علم آخر ،

و يزداد يقينه بحقيّة الطريق إلى أن يقطع عمره و يصل إلى أعلى درجات كماله بحسب قابليّته الّتي جعلها اللّه له ، أو شبّه الايمان بالطريق ، و الأعمال بالأعلام ، فكما أنّ بسلوك الطريق تظهر الأعلام فكذلك بالتصديق باللّه و رسله و حججه عليهم السلام تعرف الأعمال الصالحة ، و قيل : الأعمال الصالحة علامات لاسلام المسلم ، و بها يستدلّ على إيمانه و لا يتمّ حينئذ التشبيه .

« و الفقه مصابيحه » ، « الفقه » العلم بالمسائل الشرعيّة أو الأعمّ و به يرى طريق السلوك إلى اللّه و أعلامه ، و هو ناظر إلى قوله « ذاكي المصباح » إذ علوم الدين و شرائعه ظاهرة واضحة للناس بالأنبياء و الأوصياء عليهم السلام و بما أفاضوا عليهم من العلوم الربّانيّة .

« و الدنيا مضماره » قال ابن أبي الحديد 456 : كأنّ الانسان يجري في الدنيا إلى غاية الموت و إنّما جعلها مضمار الاسلام لأنّ المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته ،

فالدنيا كالمضمار للفرس إلى الغاية المعيّنة . « و الموت غايته » قد عرفت وجه تشبيه الموت بالغاية ، و قال ابن أبي الحديد : أي إنّ الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن . و قال ابن ميثم 457 : إنّما جعل الموت غاية أي الغاية القريبة الّتي هي باب

-----------
( 456 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 7 ، ص 172 ، ط بيروت .

-----------
( 457 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 3 ، ص 33 ، ط بيروت .

[ 366 ]

الوصول إلى اللّه تعالى ، و يحتمل أن يريد بالموت موت الشهوات فإنّها غاية قريبة للإسلام أيضا و هذا ناظر إلى قوله « رفيع الغاية » . و في سائر الكتب هذه الفقرة مقدّمة على السابقة ،

فالنشر على ترتيب اللفّ ، و على ما في الكتاب يمكن أن يقال : لعلّ التأخير هنا لأجل أنّ ذكر الغاية بعد ذكر المضمار أنسب بحسب الواقع ، و التقديم سابقا باعتبار الرفعة و الشرف ، و أنّها الفائدة المقصودة ، فأشير إلى الجهتين الواقعيّتين بتغيير الترتيب .

« و القيامة حلبته » أي محلّ اجتماع الحلبة إمّا للسباق أو لحيازة السبقة كما مرّ و إطلاق الحلبة عليها من قبيل تسمية المحلّ باسم الحالّ ، و قال ابن أبي الحديد : « حلبته » أي ذات حلبته ، فحذف المضاف كقوله تعالى : هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ 458 أي ذووا درجات . « و الجنّة سبقته » في أكثر نسخ النهج : « سبقته » بالفتح ، فلذا قال الشرّاح : أي جزاء سبقته ، فحذف المضاف و الظاهر سبقته بالضمّ فلا حاجة إلى تقدير كما عرفت . « و النار نقمته » أي نصيب من تأخّر و لم يحصل له استحقاق للسبقة أصلا النار زائدا عن الحسرة و الحرمان . « و التقوى عدّته » ناظر إلى قوله « كامل العدّة » لأنّ التقوى تنفع في أشدّ الأهوال و أعظمها و هو القيامة ، كما أنّ العدّة من المال و غيره تنفع صاحبها عند الحاجة إليها . « و المحسنون فرسانه » لأنّهم بالاحسان و الطاعات يتسابقون في هذا المضمار .

« فبالايمان يستدلّ على الصالحات » إذ تصديق اللّه و رسوله و حججه يوجب العلم بحسن الأعمال الصالحة و كيفيّتها من واجبها و ندبها ، و قيل : لأنّ الايمان منهج الإسلام و طريقه ، و لا بدّ للطريق من زاد يناسبه ، و زاد طريق الاسلام هو الأخلاق و الأعمال الصالحة ، فيدلّ الايمان عليها كدلالة السبب على المسبّب و قيل : أي يستدلّ بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها . انتهى . و كأنّه حمل الكلام على القلب و إلاّ فلا معنى للاستدلال بالأمر المخفيّ في القلب على الأمر الظاهر . نعم ، يمكن أن يكون المعنى أنّ بالايمان يستدلّ على صحّة الأعمال و قبولها فإنّه لا تقبل أعمال غير المؤمن ،

-----------
( 458 آل عمران : 163 .

[ 367 ]

و هذا معنى حسن ، لكنّ الأوّل أحسن .

« و بالصالحات يعمر الفقه » لأنّ العمل يصير سببا لزيادة العلم ، كما أنّ من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلاّ ما حوله ، و كلّما مشى ينتفع بالضوء و يرى ما لم يره ،

كما ورد : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » . 459 و قد مرّ أنّ العلم يهتف بالعمل فإن أجاب و إلاّ ارتحل عنه ، و قيل : الفقرتان مبنيّتان على أنّ المراد بالعمل الصالح ولاية أهل البيت عليهم السّلام كما ورد في تأويل كثير من الآيات ، و ظاهر أنّ بالايمان يستدلّ على الولاية ، و بها يعمر الفقه لأخذه عنهم .

« و بالفقه يرهب الموت » أي كثرة العلم و اليقين سبب لزيادة الخشية كما قال تعالى : إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ 460 فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت ، أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له و لما بعده ، فقوله « و بالموت تختم الدنيا » كالتعليل لذلك لأنّ الدنيا الّتي هي مضمار العمل ، تختم بالموت ، فلذا يرهبه لحيلولته بينه و بين العمل و الاستعداد للقاء اللّه ، لا لحبّ الحياة و اللذّات الدنيويّة ،

و المألوفات الفانية . « و بالدنيا تجوز القيامة » هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق ، أي إنّما ترهب الموت لأنّ بالدنيا و الأعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة و تخرج عنها إلى نعيم الأبد ، بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز ، و في بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الانسان ، و في بعضها « يجاز » على بناء المجهول ، و هو أظهر ، و في بعضها « يحاز » بالحاء المهملة من « الحيازة » أي تحاز مثوبات القيامة . و على التقادير فالوجه فيه أنّ كلّ ما يلقاه العبد في القيامة فإنّها هو نتائج عقائده و أعماله و أخلاقه المكتسبة في الدنيا ، فبالدنيا تجاوز القيامة أو تحاز . و منهم من قرأ « تحوز » بالحاء المهملة ، أي بسبب الدنيا و أعمالها تجمع القيامة الناس للحساب و الجزاء ، فإنّ القيامة

-----------
( 459 ) الكافي ، ج 1 ، ص 44 .

-----------
( 460 ) الفاطر : 28 .

[ 368 ]

جامع الحلبة كما مرّ ، و في التحف : « تحذر القيامة » و كأنّه أظهر .

« و بالقيامة تزلف الجنّة » أي تقرّب للمتّقين كما قال تعالى : وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ 461 . و في المجالس : « و تزلف الجنّة للمتّقين و تبرز الجحيم للغاوين » . و قال البيضاوي : وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ بحيث يرونها من الموقف فيتبجّحون بأنّهم المحشورون إليها و بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ فيرونها مكشوفة و يتحسّرون على أنّهم المسوقون إليها ، و في اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد . 462 انتهى .

« و الجنّة حسرة أهل النار » في القيامة حيث لا تنفع الحسرة و الندامة ، و تلك علاوة لعذابهم العظيم . « و النار موعظة للمتّقين » في الدنيا حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها و يأتون بما يوجب البعد عنها . « و التقوى سنخ الايمان » أي أصله و أساسه ، في القاموس « السنخ » بالكسر ، الأصل . 463 [ و سيأتي شرح كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الإيمان و دعائمه و شعبه تحت الرقم 31 من حكم النهج . ] بيان : « الحابس » الواقف في مكانه الّذي حبس ناقته ضلالا ، فهو يخبط و لا يدري كيف يهتدي ، و المراد ببنائه قواعد دينه أو كمالاته . و « النزل » بالضمّ ،

ما يهيّأ للضّيف . 464