القسم الثالث فتنة بني امية

و منها : طبيب دوّار بطبّه ، قد أحكم مراهمه ، و أحمى مواسمه ( 1433 ) ،

يضع ذلك حيث الحاجة إليه ، من قلوب عميّ ، و آذان صمّ ، و ألسنة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ، و مواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ، و لم يقدحوا بزناد العلوم الثّاقبة ، فهم في ذلك كالأنعام السّائمة ، و الصّخور القاسية .

قد انجابت السّرائر ( 1434 ) لأهل البصائر ، و وضحت محجّة الحقّ لخابطها ( 1435 ) ، و أسفرت السّاعة عن وجهها ، و ظهرت العلامة لمتوسّمها .

ما لي أراكم أشباحا بلا أرواح ، و أرواحا بلا أشباح ، و نسّاكا بلا صلاح ، و تجّارا بلا أرباح ، و أيقاظا نوّما ، و شهودا غيّبا ،

و ناظرة عمياء ، و سامعة صمّاء ، و ناطقة بكماء راية ضلال قد قامت على قطبها ( 1436 ) ، و تفرّقت بشعبها ( 1437 ) ، تكيلكم بصاعها ( 1438 ) ،

و تخبطكم بباعها ( 1439 ) . قائدها خارج من الملّة ، قائم على الضّلّة ،

فلا يبقى يومئذ منكم إلاّ ثفالة ( 1440 ) كثفالة القدر ، أو نفاضة كنفاضة العكم ( 1441 ) ، تعرككم عرك الأديم ( 1442 ) ، و تدوسكم دوس

[ 372 ]

الحصيد ( 1443 ) ، و تستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطّير الحبّة البطينة ( 1444 ) من بين هزيل الحبّ .

أين تذهب بكم المذاهب ، و تتيه بكم الغياهب و تخدعكم الكواذب ؟

و من أين تؤتون ، و أنّى تؤفكون ؟ فلكلّ أجل كتاب ، و لكلّ غيبة إياب ، فاستمعوا من ربّانيّكم ( 1445 ) ، و أحضروه قلوبكم ، و استيقظوا إن هتف بكم ( 1446 ) . و ليصدق رائد ( 1447 ) أهله ، و ليجمع شمله ،

و ليحضر ذهنه ، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة ، و قرفه قرف الصّمغة ( 1448 ) . فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه ، و ركب الجهل مراكبه ،

و عظمت الطّاغية ، و قلّت الدّاعية ، و صال الدّهر صيال السّبع العقور ،

و هدر فنيق ( 1449 ) الباطل بعد كظوم ( 1450 ) ، و تواخى النّاس على الفجور ، و تهاجروا على الدّين ، و تحابّوا على الكذب ، و تباغضوا على الصّدق . فإذا كان ذلك كان الولد غيظا ( 1451 ) ، و المطر قيظا ( 1452 ) ،

و تفيض اللّئام فيضا ، و تغيض الكرام غيضا ( 1453 ) ، و كان أهل ذلك الزّمان ذئابا ، و سلاطينه سباعا ، و أوساطه أكّالا ، و فقراؤه أمواتا ،

و غار الصّدق ، و فاض الكذب ، و استعملت المودّة باللّسان ، و تشاجر النّاس بالقلوب ، و صار الفسوق نسبا ، و العفاف عجبا ، و لبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا .

[ 373 ]