تبيين

« الملحمة » هي الحرب أو الوقعة العظيمة فيها ، و موضع القتال ، مأخوذ من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسّدى ، و قيل من اللحم . و « التجلّي » الانكشاف . و الخلق الثّاني يحتمل المصدر و المخلوق . و « الرويّة » التفكر . و المراد القلب أو ما يضمر من الصور . قوله عليه السلام « في نفسه » أي كائن في نفسه ، أي في حدّ ذاته إذا تأمّل فيه متأمّل بنظر صحيح . و « الغامض » من الأرض المطمئنّ ، و من الكلام و غيره خلاف الواضح . و « المشكاة » كوّة غير نافذة يجعل فيها المصباح ، أو عمود القنديل الّذي فيه الفتيلة ، أو القنديل . و « الذؤابة » بالضمّ مهموزا الناصية أو منبتها من الرأس . و « العليآء » بالفتح و المدّ ، كلّ مكان مشرف ، و السماء و رأس الجبل . و « سرّة البطحاء » وسطها تشبيها بسرّة الإنسان . و « البطحاء و الأبطح » مسيل واسع فيه دقاق الحصا . قيل : استعار « الشجرة » لصنف الأنبياء عليهم السلام ، و فروعها أشخاصهم ، و ثمرتها العلوم و الكمالات ، و « مشكاة الضيآء » لآل إبراهيم عليه السلام ، و « ذؤابة العليا » لقريش ، و « سرّة البطحاء » لمكّة ، و « المصابيح و الينابيع » هم الأنبياء عليهم السلام . و المراد ب « الطبيب » نفسه عليه السلام .

و « الدوران بالطب » إيتان المرضى و تتبّعهم فهو تعريض الأصحاب بقعودهم عمّا يجب عليهم ، أو المراد بيان كمال الطبيب فإنّ الدوّار أكثر تجربة من غيره كما قيل .

و « المرهم » طلأليّن يطلى به الجرح مشتقّ من « الرهمة » بالكسر ، و هي المطر الضعيف ،

و « إحكامها » إتقانها و منعها عن الفساد . و « الوسم » أثر الكيّ . و « الميسم » بالكسر ،

المكواة . و « أحماها » أي أسخنها . و لعلّ إحكام المراهم إشارة إلى البشارة بالثواب أو الأمر بالمعروف و إحماء المواسم إلى الإنذار من العقاب ، أو النهي عن المنكر و إقامة الحدود . و « قدح بالزند » كمنع رام الايراء به و استخرج النار منه . و « الزند » بالفتح ، العود الّذي يقدح به النار . و « ثقبت النار » اتّقدت ، و « ثقب الكوكب » أضاء .

و « القاسية » الشديدة و الغليظة .

و « انجابت السرائر » انكشفت . و المراد بالسرائر ما أضمره المعاندون للحقّ في

[ 374 ]

قلوبهم من إطفاء نور اللّه و هدم أركان الشريعة ، و قيل : إشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسيّة و لأهل البصائر من استيلاء بني أميّة و عموم ظلمهم ، أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها . و « الخابط » السائر على غير هدى . و لعلّ المراد أنّ ضلالهم ليس لخفآء الحقّ بل للإصرار على الشقاق و النفاق . و « سفر الصبح و أسفر » أضاء و أشرق ،

و « أسفرت المرأة » كشفت عن وجهها . و المراد بإسفار الساعة و ظهور العلامة قرب القيامة بعدم بقاء نبيّ ينتظر بعثته ، و ظهور الفتن و الوقائع الّتي هي من أشراطها .

و « الشبح » بالتحريك ، سواد الإنسان و غيره تراه من بعيد . و المراد بكونهم أشباحا بلا أرواح تشبيهم بالجمادات و الأموات في عدم الانتفاع بالعقل و عدم تأثير المواعظ فيهم ،

كما قال تعالى : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ 466 . و أمّا كونهم أرواحا بلا أشباح فقيل : المراد بيان نقصهم لأنّ الروح بلا جسد ناقصة عاطلة عن الأعمال . و قيل : إشارة إلى خفّتهم و طيشهم في الأفعال . و قيل : المراد أنّ منهم من هو كالجماد و الأموات ، و منهم من له عقل و فهم و لكن لا قوّة له على الحرب فالجميع عاطلون عمّا يراد منهم . و قيل :

المراد أنّهم إذا خافوا ذهلت عقولهم و طارت ألبابهم فكانوا كأجسام بلا أرواح ، و إذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنّهم أرواح لا تعلّق لهم بالأجسام . و « النسّاك » العبّاد ، أي ليست عبادتهم مقرونة بالإخلاص و على الوجه المأمور به و مع الشرائط المعتبرة ، فإنّ منها معرفة الإمام و طاعته ، و كونهم « تجّارا بلا أرباح » لعدم ترتّب الثواب على أعمالهم . و قوله عليه السلام : « راية ضلالة » منقطع عمّا قبله ، التقطه السيّد رضي اللّه عنه من كلامه على عادته ، و كأنّه إشارة إلى ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفيانيّ و غيره . و « القطب » حديده تدور عليها الرحى و ملاك الأمر و مداره و سيّد القوم . و قيامها على قطبها كناية عن انتظام أمرها و تفرّق شعبها عن انتشار فتنتها في الآفاق و تولّد فتن أخر عنها . و قيل : ليس التفرّق للراية نفسها بل لنصّارها و أصحابها ، و حذف المضاف . و معنى تفرّقهم أنّهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرّقة . و « تكيلكم بصاعها » أي تأخذكم للإهلاك زمرة زمرة كالكيّال يأخذ

-----------
( 466 ) المنافقون : 4 .

[ 375 ]

ما يكيله جملة جملة ، أو يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم و يتلاعبون بكم ، يرفعونكم و يضعونكم كما يفعل كيّال البرّ به إذا كاله بصاعه ، أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللام كما في قوله تعالى : وَ إِذَا كَالُوهُمْ 467 ، أي تحملكم على دينها و دعوتها و تعاملكم بما يعامل به من استجاب لها ، أو تغرز لكم من فتنتها شيئا و يصل إلى كلّ منكم نصيب منها . و « الخبط » بالفتح ، ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها ، و « خبط البعير الأرض بيده خبطا » أي ضربها ، و الكلام على الوجهين يفيد الذلّة و الانقهار .

و « القيام على الضلّة » الإصرار على الضلال . و « ثفالة القدر » بالضمّ ،

ما سفل فيه من الطبيخ ، و هي كناية عن الأراذل و من لا ذكر له بين الناس لعدم الاعتناء بقتلهم . و « النفاضة » بالضمّ ، ما سقط من النفض . و « العلم » بالكسر ،

العدل و نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها . قال في النهاية : « العكوم » الاخال الّتي تكون فيها الأمتعة و غيرها ، واحدها « عكم » بالكسر ، و منه حديث عليّ عليه السلام :

« نفاضة كنفاضة العكم » . انتهى . و المراد بها ما يبقى في العدل بعد التخلية من غبار أو بقيّة زاد لا يعبأ بها فتنفض . و « عركه » كنصره دلكه و حكّه . و « الأديم » الجلد أو المدبوغ منه . و « داس الرجل الحنطة » دقّها ليخرج الحبّ من السنبل . و « الحصيد » الزرع المقطوع . و « استخلصه لنفسه » أي استخصّه . و الغرض تخصيص المؤمن بالقتل و الأذى . و « البطينة » السمينة . و « الهزيل » ضدّ السمين .

قوله عليه السلام « أين تذهب بكم » البآء في الموضعين للتعدية ،

و « المذاهب » الطرق و العقائد ، و إسناد الإذهاب إليها على التجوّز للمبالغة . و « تاه يتيه تيها » بالفتح و الكسر ، أي تحيّر و ضلّ . و « الغيهب » الظلمة و الشديد السواد من الليل . و « الكواذب » الأماني الباطلة و الأوهام الفاسدة . قوله عليه السلام « و من أين تؤتون » على بناء المجهول ، أي من أيّ جهة و طريق يأتيكم من الشّياطين أو تلك الأمراض . و « أنّى تؤفكون » أي أنّى تصرفون عن قصد السبيل و أين تذهبون .

قوله عليه السلام « فلكلّ أجل كتاب » أي لكلّ أمد و وقت حكم

-----------
( 467 ) المطفّفين : 3 .

[ 376 ]

مكتوب على العباد . و « الإياب » بالكسر ، الرجوع . قيل : هذا الكلام منقطع عمّا قبله ،

و قيل : تهديد بالإشارة إلى قرب الموت و أنّهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم .

و « الربّانيّ » منسوب إلى الربّ ، و فسّر بالمتألّه العارف باللّه أو الّذي يطلب بعمله وجه اللّه أو العالم العامل المعلّم ، و المراد نفسه عليه السلام . و « إحضار القلب إيّاه » الإقبال التامّ إلى كلامه و مواعظه . قوله عليه السلام « إن هتف بكم » بكسر الهمزة و في بعض النسخ بالفتح ، أي لهتافه بكم و هو الصياح .

و « الرائد » الّذي يتقدّم القوم يبصر لهم الكلاء و مساقط الغيث ، و في المثل :

« لا يكذب الرائد أهله » . و لعلّ المراد بالرائد نفسه عليه السلام ، أي وظيفتي و شأني الصدق فيما أخبركم به ممّا تردون عليه من الأمور المستقبلة في الدنيا و الآخرة كما أنّ وظيفتكم الاستماع و إحضار القلب . و « الشمل » ما تشتّت من الأمر ، و المراد به الأفكار و العزائم أي يجب عليّ التوجّه إلى نصحكم و تذكيركم بقلب فارغ عن الوساوس و الشواغل و إقبال تامّ على هدايتكم . و يحتمل أن يراد بالشمل من تفرّق من القوم في فيافي الضلالة . و الفاعل في « فلق » هو الرائد . و قيل : المراد بالرائد الفكر لكونه مبعوثا من قبل النفس في طلب رعاها و ماء حياتها من العلوم و سائر الكمالات فكنّى به عنه ،

و أهله هو النفس ، فكأنّه عليه السلام قال : فلتصدق أفكاركم و متخيّلاتكم نفوسكم ، و صدقها إيّاها تصرّفها على حسب إشارة العقل بلا مشاركة الهوى ، و المراد بالرائد أشخاص من حضر عنده فإنّ كلاّ منهم له أهل و قبيلة يرجع إليهم فأمره أن يصدقهم بتبليغ ما سمع على الوجه الّذي ينبغي و النصيحة و الدعوة إليه .

و قوله عليه السلام « و ليجمع شمله » أي ما تفرّق و تشعّب من خواطره في أمور الدّنيا و مهمّاتها و ليحضر ذهنه أي يوجّهه إلى ما أقول . انتهى . و « الفلق » الشقّ .

و « الخرزة » بالتحريك ، الجوهر . و « قرفه قرف الصمغة » أي قشره كما تقشر الصمغة من عود الشجرة و تقلع لأنّها إذا قلعت لم يبق لها أثر ، و هذا مثل ، و المعنى : أوضح لكم أمر الفتن أو طريق الحقّ إيضاحا تامّا فأظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقّها و لا أدّخر عنكم شيئا بل ألقي الأمر بكلّيّته إليكم .

[ 377 ]

قوله « فعند ذلك » قيل : هو متّصل بقوله « من بين هزيل الحبّ » فيكون التشويش من السيّد رضي اللّه عنه ، و يمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين . و « أخذ الشي‏ء مأخذه » أي تمكّن و استحكم . و « الطاغية » مصدر بمعنى الطغيان أو صفة محذوف ، أي الفئة الطاغية ، و كذا « الداعية » تحتمل الوجهين . و في بعض النسخ : « الراعية » بالراء المهملة . و « الفنيق » الفحل من الإبل . و « هدر » أي ردّد صوته في حنجرته في غير شقشقة . و « الكظوم » الإمساك و السكوت .

و « كون الولد غيظا » لكثرة العقوق أو لاشتغال كلّ امري‏ء بنفسه فيتمنّى أن لا يكون له ولد . و « المطر قيضا » بالضاد المعجمة ، أي كثيرا . قيل : إنّه من علامات تلك الشرور أو من أشراط الساعة ، و قيل : إنّه أيضا من الشرور إذا جاوز الحدّ . و في بعض النسخ بالظاء المعجمة و هو صميم الصيف و هو المطابق لما في النهاية ، قال : و منه حديث أشراط الساعة : « أن يكون الولد غيظا و المطر قيظا » لأنّ المطر إنّما يراد للنبات و برد الهواء و القيظ ضدّ ذلك . انتهى . و حينئذ يحتمل أن يكون المراد تبدلّ المطر بشدّة الحرّ أو قلّة المطر أو كثرته في الصيف دون الربيع و الشتاء ، أو المراد أنّه يصير سببا لاشتداد الحرّ لكثرته في الصيف إذ يثور به الأبخرة و يفسد الهواء ، أو يصير على خلاف العادة سببا لشدّة الحرّ . و « تفيض اللئام » أي تكثر . و « تغيض الكرام » أي تقلّ . و « أهل ذلك الزمان » أي أكابرهم . « اكّالا » بالضمّ و التشديد ، جمع « آكل » . و قال بعض الشارحين : روي « أكالا » بفتح الهمزة و تخفيف الكاف ، يقال : « ما ذقت أكالا » أي طعاما . و قال : لم ينقل هذا إلاّ في النفي فالأجود الرواية الأخرى و هي « آكالا » بمدّ الهمزة على أفعال ، جمع « اكل » و هو ما أكل ، و قد روي « أكالا » بضمّ الهمزة على فعال ، و قالوا : إنّه جمع أكل للمأكول كعرق و عراق إلاّ أنّه شاذّ ، أي صار أوساط الناس طعمة للولاة و أصحاب السلاطين كالفريسة للاسد . و « غار الماء » ذهب في الأرض . و « فاض » أي كثر حتّى سال . و في بعض النسخ : « و فاد الكذب » . قوله عليه السلام « و صار الفسوق نسبا » أي يحصل أنسابهم من الزنا ، و قيل : أي يصير الفاسق صديقا للفاسق حتّى يكون ذلك كالنسب بينهم و « أمّا لبسهم الاسلام لبس

[ 378 ]

الفرو » فالظاهر أنّ المراد به تبديل شرائع الإسلام و قلب أحكامه أو إظهار النيّات و الأفعال الحسنة و إبطال خلافها . و قيل : وجه القلب أنّه لمّا كان الغرض الأصليّ من الإسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب و يظهر فيه منفعة فقلّب المنافقون غرضه و استعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم فأشبه قلبهم له لبس الفرو إذ كان أصله أن يكون حمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الّذي هو لباسه فاستعمله الناس مقلوبا . 468