القسم الثالث عصيان الخلق

[ 380 ]

سبحانك خالقا و معبودا بحسن بلائك ( 1458 ) عند خلقك خلقت دارا ، و جعلت فيها مأدبة ( 1459 ) : مشربا و مطعما ، و أزواجا و خدما ،

و قصورا ، و أنهارا ، و زروعا ، و ثمارا ، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الدّاعي أجابوا ، و لا فيما رغّبت رغبوا ، و لا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا . أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها ، و اصطلحوا على حبّها ، و من عشق شيئا أعشى ( 1460 ) بصره ، و أمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، و يسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ، و أماتت الدّنيا قلبه ، و ولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ،

و لمن في يديه شي‏ء منها ، حيثما زالت زال إليها ، و حيثما أقبلت أقبل عليها ، لا ينزجر من اللّه بزاجر ، و لا يتّعظ منه بواعظ ، و هو يرى المأخوذين على الغرّة ( 1461 ) ، حيث لا إقالة و لا رجعة ، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ،

و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون . فغير موصوف ما نزل بهم :

اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ،

و تغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ( 1462 ) ، فحيل بين أحدهم و بين منطقه ، و إنّه لبين أهله ينظر ببصره ، و يسمع بأذنه ،

على صحّة من عقله ، و بقاء من لبّه ، يفكّر فيم أفنى عمره ، و فيم

[ 381 ]

أذهب دهره و يتذكّر أموالا جمعها ، أغمض ( 1463 ) في مطالبها ،

و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها ، قد لزمته تبعات ( 1464 ) جمعها ،

و أشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، و يتمتّعون بها ،

فيكون المهنأ ( 1465 ) لغيره ، و العب‏ء ( 1466 ) على ظهره . و المرء قد غلقت رهونه ( 1467 ) بها ، فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر ( 1468 ) له عند الموت من أمره ، و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، و يتمنّى أنّ الّذي كان بغبطه بها و يحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه ( 1469 ) ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، و لا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، و لا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد الموت التياطا ( 1470 ) به ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، و خرجت الرّوح من جسده ،

فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه ، و تباعدوا من قربه .

لا يسعد باكيا ، و لا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى مخطّ في الأرض ،

فأسلموه فيه إلى عمله ، و انقطعوا عن زورته ( 1471 ) .