111 و من خطبة له عليه السلام في ذم الدنيا

أمّا بعد ، فإنّي أحذّركم الدّنيا ، فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشّهوات ،

و تحبّبت بالعاجلة ، و راقت بالقليل ، و تحلّت بالآمال ، و تزيّنت

[ 386 ]

بالغرور . لا تدوم حبرتها ( 1490 ) ، و لا تؤمن فجعتها . غرّارة ضرّارة ،

حائلة ( 1491 ) زائلة ، نافدة ( 1492 ) بائدة ( 1493 ) ، أكّالة غوّالة ( 1494 ) . لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها و الرّضاء بها أن تكون كما قال اللّه تعالى سبحانه : كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً ( 1495 ) تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ، وَ كَانَ اللَّهُ عَلَى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً . لم يكن امرؤ منها في حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة ( 1496 ) ،

و لم يلق في سرّائها بطنا ( 1497 ) ، إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا ( 1498 ) ،

و لم تطلّه ( 1499 ) فيها ديمة ( 1500 ) رخاء ( 1501 ) ، إلاّ هتنت ( 1502 ) عليه مزنة بلاء و حريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكّرة ، و إن جانب منها اعذوذب و احلولى ، أمرّ منها جانب فأوبى ( 1503 ) لا ينال امرؤ من غضارتها ( 1504 ) رغبا ( 1505 ) ، إلاّ أرهقته ( 1506 ) من نوائبها تعبا و لا يمسي منها في جناح أمن ، إلاّ أصبح على قوادم ( 1507 ) خوف غرّارة ،

غرور ما فيها ، فانية ، فان من عليها ، لا خير في شي‏ء من أزوادها إلاّ التّقوى . من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ( 1508 ) ، و زوال عمّا قليل عنه . كم من واثق بها قد فجعته ، و ذي طمأنينة إليها قد صرعته ، و ذي أبّهة ( 1509 ) قد جعلته حقيرا ،

و ذي نخوة ( 1510 ) قد ردّته ذليلا سلطانها دوّل ( 1511 ) ، و عيشها

[ 387 ]

رنق ( 1512 ) ، و عذبها أجاج ( 1513 ) ، و حلوها صبر ( 1514 ) ، و غذاؤها سمام ( 1515 ) ، و أسبابها رمام ( 1516 ) حيّها بعرض موت ، و صحيحها بعرض سقم ملكها مسلوب ، و عزيزها مغلوب ، و موفورها ( 1517 ) منكوب ، و جارها محروب ( 1518 ) ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، و أبقى آثارا ، و أبعد آمالا ، و أعدّ عديدا ، و أكثف جنودا تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد ، و آثروها أيّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ و لا ظهر قاطع ( 1519 ) . فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ( 1520 ) ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة بل أرهقتهم بالقوادح ( 1521 ) ، و أوهقتهم بالقوارع ( 1522 ) ،

و ضعضعتهم ( 1523 ) بالنّوائب ، و عفّرتهم ( 1524 ) للمناخر ، و وطئتهم بالمناسم ( 1525 ) ، و أعانت عليهم « ريب المنون » . فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها ( 1526 ) ، و آثرها و أخلد إليها ( 1527 ) ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد . و هل زوّدتهم إلاّ السّغب ( 1528 ) ، أو أحلّتهم إلاّ الضّنك ( 1529 ) ،

أو نوّرت لهم إلاّ الظّلمة ، أو أعقبتهم إلاّ النّدامة أ فهذه تؤثرون ،

أم إليها تطمئنّون ، أم عليها تحرصون ؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ،

و لم يكن فيها على وجل منها فاعلموا و أنتم تعلمون بأنّكم تاركوها و ظاعنون عنها ، و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا

[ 388 ]

قُوَّةً : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ( 1530 ) ، و أنزلوا الأجداث ( 1531 ) فلا يدعون ضيفانا ، و جعل لهم من الصّفيح ( 1532 ) أجنان ( 1533 ) ، و من التّراب أكفان ، و من الرّفات ( 1534 ) جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، و لا يمنعون ضيما ، و لا يبالون مندبة . إن جيدوا ( 1535 ) لم يفرحوا ، و إن قحطوا لم يقنطوا . جميع و هم آحاد ، و جيرة و هم أبعاد . متدانون لا يتزاورون ، و قريبون لا يتقاربون . حلماء قد ذهبت أضغانهم ، و جهلاء قد ماتت أحقادهم . لا يخشى فجعهم ( 1536 ) ،

و لا يرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، و بالسّعة ضيقا ،

و بالأهل غربة ، و بالنّور ظلمة ، فجاؤوها كما فارقوها ، حفاة عراة ،

قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة و الدّار الباقية ، كما قال سبحانه و تعالى : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْداً عَلَيْنا ، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ .