القسم الثاني

و منها : و لو تعلمون ما أعلم ممّا طوي عنكم غيبه ، إذا لخرجتم إلى الصّعدات ( 1593 ) تبكون على أعمالكم ، و تلتدمون ( 1594 ) على أنفسكم ،

و لتركتم أموالكم لا حارس لها و لا خالف ( 1595 ) عليها ، و لهمّت ( 1596 ) كلّ امرى‏ء منكم نفسه ، لا يلتفت إلى غيرها ، و لكنّكم نسيتم ما ذكّرتم ، و أمنتم ما حذّرتم ، فتاه عنكم رأيكم ، و تشتّت عليكم أمركم . و لوددت أنّ اللّه فرّق بيني و بينكم ، و ألحقني بمن هو أحقّ بي منكم . قوم و اللّه ميامين ( 1597 ) الرّأي ، مراجيح ( 1598 ) الحلم ،

مقاويل ( 1599 ) بالحقّ ، متاريك ( 1600 ) للبغي . مضوا قدما ( 1601 ) على الطّريقة ، و أوجفوا على ( 1602 ) المحجّة ( 1603 ) ، فظفروا بالعقبى الدّائمة ،

و الكرامة الباردة ( 1604 ) . أ ما و اللّه ، ليسلّطنّ عليكم غلام ثقيف الذّيّال ( 1605 ) الميّال ، يأكل خضرتكم ، و يذيب شحمتكم ، إيه أبا وذحة قال الشريف : الوذحة : الخنفساء . و هذا القول يومى‏ء به إلى الحجاج ، و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره . و قال ابن أبي الحديد : ما ذكره السيّد لم أسمع من شيخ من أهل اللّغة و لا وجدته في كتاب من كتب اللّغة [ 475 ] ، و المشهور أنّ الوذح ما يتعلّق بأذناب الشاة من

-----------
( 474 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 18 ، كتاب تاريخ نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله ، ص 221 .

[ 475 ] و قد قال في أقرب الموارد : « الوذحة » الخنفساء ، و بعضهم يقوله بالخاء . ب .

[ 398 ]

أبعارها فيجفّ ، ثمّ إنّ المفسّرين بعد الرضيّ رضي اللّه عنه قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوها :

منها أنّ الحجّاج رأى خنفساء تدبّ إلى مصلاّه فطردها ، فعادت فأخذها بيده فقرصته قرصا [ 476 ] فورمت يده منه ، و كان فيه حتفه ، قتله اللّه تعالى بأهون خلقه كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة .

و منها أنّ الحجّاج كان إذا رأى خنفساء أمر بإبعادها و قال : هذه وذحة من وذح الشيطان ، تشبيها لها بالبعرة المتعلّقة بذنب الشاة .

و منها أنّه رأى خنفساوات مجتمعات فقال : وا عجبا لمن يقول : إنّ اللّه خلقها ؟

قيل : فمن خلقها أيّها الأمير ؟ قال : الشيطان ، إنّ ربّكم لأعظم شأنا من أن يخلق هذه الوذح فنقل قوله إلى الفقهاء فأكفروه .

و منها أنّ الحجّاج كان مثفارا أي ذا ابنة ، و كان يمسك الخنفساء حيّة ليشفي بحركتها الموضع قالوا : و لا يكون صاحب هذا الداء إلاّ مبغضا لأهل مبغضا لأهل البيت عليهم السلام قالوا : و لسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الداء ، بل كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض . قالوا : و قد روى ابن عمر الزاهد و لم يكن من رجال الشيعة في أماليه و أحاديثه عن السيّاريّ عن أبي خزيمة الكاتب ، قال : ما فتّشنا أحدا فيه هذا الداء إلاّ وجدناه ناصبا ، قالوا : سئل جعفر بن محمّد الصادق عن هذه الصنف من الناس فقال : رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي ، و ما كانت هذه الخصلة في وليّ اللّه تعالى أبدا قطّ ، و إنّما كان في الفسّاق و الكفّار و الناصب للطاهرين ، و كان أبو جهل بن هشام المخزوميّ من القوم ، و كان أشدّ الناس عداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، قالوا :

و لذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر : يا مصفر إسته . و يغلب على ظنّي أنّه معنى آخر و ذلك أنّ عادة العرب أن يكنّي الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم ، و إذا أرادت تحقيره بما يستحقر و يستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية « أبو زنة » يعنون القرد كقول ابن بسّام :

[ 476 ] « قرص لحمه » أخذه و لوى عليه باصبعه و آلمه .

[ 399 ]

أبو النتن أبو الدفر
أبو الجعفر أبو البعر [ 477 ]

فلنجاسته بالذنوب و المعاصي كنّاه أمير المؤمنين عليه السلام أبا وذحة ،

و يمكن أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه و حقارة منظره و تشويه خلقه ، فإنّه كان دميما قصيرا سخيفا أخفش العين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه ، فكنّاه بأحقر الأشياء و هو البعرة و قد روى قوم : « إيه أبا ودجة » قالوا : واحدة « الأوداج » كنّاه بذلك لأنّه كان قتّالا يقطع الأوداج بالسيف .

و رواه قوم : « أبا وحرة » و هو دويبة يشبه الحرباء قصير الظهر . و هذا و ما قبله ضعيف . 478