بيان :

قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذا الكلام : قد روى هذا الكلام أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب السقيفة عن عبد الرزّاق ، عن أبيه عن عكرمة ، عن أبن عباس قال : لمّا أخرج أبوذرّ إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس أن لا يكلّم أحد أباذرّ و لا يشيّعه ، و أمر مروان بن الحكم أن يخرج به [ 519 ] فتحاماه الناس

-----------
( 518 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 687 ، ط كمپاني و ص 636 ، ط تبريز .

[ 519 ] في المصدر : و أمر مروان بن الحكم أن يخرج به ، فخرج به . . .

[ 14 ]

إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام و عقيلا أخاه و حسنا و حسينا عليهما السلام و عمّار بن ياسر ، فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه .

فجعل الحسن عليه السلام يكلّم أباذرّ فقال له مروان : ايها يا حسن ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين قد نهى عن كلام ذلك الرجل ، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك .

فحمل عليّ عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته ،

و قال : تنحّ لحاك اللّه إلى النار .

فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره الخبر ، فتلظّى على عليّ عليه السلام . و وقف أبوذرّ فودّعه القوم و معه ذكوان مولى أمّ هاني‏ء بنت أبي طالب ، قال ذكوان : فحفظت كلام القوم و كان حافظا ، فقال عليّ عليه السلام :

يا باذرّ إنّك غضبت للّه ، إنّ القوم خافوك على دنياهم و خفتهم على دينك ،

فامتحنوك بالقلا ، و نفوك إلى الفلا ، و اللّه لو كانت السماوات و الأرض على عبد رتقا ثمّ اتّقى اللّه لجعل منهما مخرجا ، يا باذرّ لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ و لا يوحشنّك إلاّ الباطل .

ثمّ قال لأصحابه : ودّعوا عمّكم . و قال لعقيل : ودّع أخاك .

فتكلّم عقيل فقال : ما عسى أن نقول يا باذرّ أنت تعلم أنّا نحبّك و أنت تحبّنا فاتّق اللّه ، فإنّ التقوى نجاة و اصبر فإنّ الصبر كرم ، و اعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع و استبطاءك العافية من اليأس ، فدع اليأس و الجزع .

ثمّ تكلّم الحسن عليه السلام فقال : يا عمّاه لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت ، و للمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام و إن طال الأسف ، و قد أتى القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراقها ، و شدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها ، و اصبر حتّى تلقى نبيّك صلّى اللَّه عليه و آله و هو عنك راض .

ثمّ تكلّم الحسين عليه السلام فقال : يا عمّاه إنّ اللّه تعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى ، و اللّه كلّ يوم في شأن [ 520 ] ، و قد منعك القوم دنياهم ، و منعتهم دينك فما أغناك عمّا منعوك ، و أحوجهم إلى ما منعتهم ، فاسأل اللّه الصبر و النصر ، استعذبه من

[ 520 ] في المصدر : كلّ يوم هو في شأن .

[ 15 ]

الجشع و الجزع ، فإنّ الصبر من الدين و الكرم ، و إنّ الجشع لا يقدم رزقا و الجزع لا يؤخّر أجلا .

ثمّ تكلّم عمّار رحمه اللّه مغضبا فقال : لا آنس اللّه من أوحشك ، و لا آمن من أخافك ، أما و اللّه لو أردت دنياهم لآمنوك ، و لو رضيت أعمالهم لأحبّوك ، و ما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا ، و الجزج من الموت و مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، و الملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ، و منحهم القوم دنياهم ، فخسروا الدنيا و الآخرة ، ألا ذلك هو الخسران المبين .

فبكى أبوذّر رحمه اللّه و كان شيخا كبيرا ، و قال : رحمكم اللّه يا أهل بيت الرحمة ، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، ما لي بالمدينة سكن و لا شجن غيركم ، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ،

و كره أن أجاور أخاه و ابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما ، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر و لا دافع إلاّ اللّه ، و اللّه ما أريد إلاّ اللّه صاحبا ، و ما أخشى مع اللّه وحشة .

و رجع القوم إلى المدينة فجاء عليّ عليه السلام إلى عثمان ، فقال له :

ما حملك على ردّ رسولي و تصغير أمري ؟

فقال عليّ عليه السلام : أمّا رسولك فأراد أن يردّ وجهى فرددته و أمّا أمرك فلم أصغره .

قال : أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذرّ ؟

قال : أو كلّ ما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟

قال عثمان : أقد مروان من نفسك .

قال : ممّ ذا ؟

قال : من شتمه و جذب راحلته .

قال : أمّا الراحلة فراحلتي بها ، و أمّا شتمه إيّاي فو اللّه لا يشتمني شتمة إلاّ شتمتك ، لا أكذب عليك .

فغضب عثمان و قال : لم لا يشتمك كأنّك خير منه ؟

[ 16 ]

قال عليّ عليه السلام إي و اللّه و منك .

ثمّ قام فخرج . فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين و الأنصار و إلى بني أميّة يشكو إليهم عليّا عليه السلام ، فقال القوم : أنت الوالي عليه ، و إصلاحه أجمل .

قال : وددت ذاك .

فأتوا عليّا عليه السلام و قالوا : لو اعتذرت إلى مروان و أتيته .

فقال : كلاّ ، أمّا مروان فلا آتيه و لا أعتذر إليه [ 521 ] ، و لكن إن أحبّ عثمان أتيته .

فرجعوا إلى عثمان فأخبروه ، فأرسل إليه فأتاه و معه بنو هاشم ، فتكلّم علي عليه السلام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال : أمّا ما وجدت عليّ فيه من كلام أبي ذرّ و وداعه فو اللّه ما أردت مناواتك [ 522 ] و لا الخلاف عليك و لكن أردت به قضاء حقّه ،

و أمّا مروان فإنّه اعترض ، يريد ردّي عن قضاء حقّ اللّه عزّ و جلّ فرددته ردّ مثلي مثله ، و أمّا ما كان منّي إليك فإنّك أغضبتني فاخرج الغضب منّي ما لم أردّه .

فتكلّم عثمان فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال : أمّا ما كان منك إليّ فقد وهبته لك ، و أمّا ما كان منك إلى مروان فقد عفا اللّه عنك ، و أمّا ما حلفت عليه فأنت البرّ الصادق ، فادن يدك ، فأخذ يده فضمّها إلى صدره .

فلمّا نهض قالت قريش و بنو أميّة لمروان : أنت رجل جبهك [ 523 ] عليّ فضرب راحلتك ، و قد تفانت وائل في ضرع ناقة ، و ربيان و عبس في لطمة فرس [ 524 ] ، و الأوس و الخزرج في نسعة ، أفتحمّل لعليّ عليه السلام ما أتى إليك .

فقال مروان : و اللّه لو أردت ذلك لما قدرت عليه .

[ 521 ] في المصدر : و لا أعتذر منه .

[ 522 ] في المصدر : مساءتك .

[ 523 ] « جبه الرجل » ضربه على جبهته ، فاجأه ، ردّه عن حاجته . « جبهه بالمكروه » استقبله به .

[ 524 ] « وائل » كليب بن ربيعة . راجع حروب أيّام العرب يوم البسوس . و « ربيان » مصحف [ ذبيان ] وقعت بين ذبيان و عبس حروبا عظيمة و بقيت نار الحرب مستعرة مدّة مديدة بسبب فرسين اسمهما داحس و الغبراء ، و سمّي بعض أيّامهم بيوم داحس و يوم الغبراء .

[ 17 ]

و اعلم أنّ الّذي عليه أكثر أرباب السير و علماء الأخبار و النقل أنّ عثمان نفى أباذرّ أوّلا إلى الشام ، ثمّ استقدمه إلى المدينة لمّا شكى منه معاوية ثمّ نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام . و أصل هذه الواقعة أنّ عثمان لمّا أعطى مروان بن الحكم و غيره بيوت الأموال و اختصّ زيد بن ثابت بشي‏ء منها جعل أبوذرّ يقول بين الناس و في الطرقات و الشوارع : بشّر الكافرين بعذاب أليم ، و يرفع بذلك صوته ، و يتلو قوله تعالى وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الفِضَّةَ وَ و لا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ 525 فرفع ذلك إلى عثمان مرارا و هو ساكت ، ثمّ إنّه أرسل إليه مولى من مواليه أن انته عمّا بلغني عنك فقال أبوذرّ : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه تعالى و عيب من ترك أمر اللّه ؟ فو اللّه لأن أرضى اللّه بسخط عثمان أحبّ إليّ و خير لي من أن أسخط اللّه برضى عثمان .

فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر و تماسك إلى أن قال عثمان يوما و الناس حوله : أيجوز للإمام أن يأخذ من بيت المال شيئا قرضا ، فإذا أيسر قضى ؟

فقال كعب الأحبار : لا بأس بذلك .

فقال أبوذرّ : يابن اليهودييّن أتعلّمنا ديننا ؟

فقال عثمان : قد كثر أذاك لي و تولّعك بأصحابي ، الحق بالشام ، فأخرجه إليها .

فكان أبوذرّ ينكر على معاوية أشياء يفعلها ، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار ، فقال أبوذرّ لرسوله : إن كانت من عطائي الّذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها ،

و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها و ردّها عليه . ثمّ بنى معاوية الخضراء بدمشق ، فقال أبوذرّ : يا معاوية إن كانت هذه من مال اللّه فهي الخيانة ، و إن كانت من مالك فهي الإسراف . و كان أبوذرّ يقول بالشام : و اللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، و اللّه ما هي في كتاب اللّه و لا سنّة نبيّه ، إنّي لأرى حقّا يطفأ ، و باطلا يحيى ، و صادقا مكذّبا ، و أثرة بغير تقى ، و صالحا مستأثرا عليه .

-----------
( 525 ) التوبة : 34 .

[ 18 ]

فقال حبيب بن مسلمة الفهريّ لمعاوية : إنّ أباذرّ لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة .

و روى أبو عثمان الجاحظ عن جلام بن جندل الغفاريّ قال : كنت عاملا لمعاوية على قنسّرين و العواصم في خلافة عثمان ، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي ، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول : أتتكم القطار بحمل النار ، اللّهمّ العن الآمرين بالمعروف التاركين له ، اللّهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له .

فاز بأر معاوية و تغيّر لونه و قال : يا جلام أتعرف الصارخ ؟

فقلت : اللّهمّ لا .

قال : من عذيرى من جندب بن جنادة ، يأتينا كلّ يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت .

ثمّ قال : أدخلوه ، فجي‏ء بأبي ذرّ بين قوم يقودونه حتّى وقف بين يديه ، فقال له معاوية : يا عدوّ اللّه و عدوّ رسوله تأتينا في كلّ يوم فتصنع ما تصنع ، أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمّد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك و لكنّي أستاذن فيك .

قال جلام : و كنت أحبّ أن أرى أباذرّ لأنّه رجل من قومي ، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ، ضرب من الرجال ، خفيف العارضين ، في ظهره حناء فأقبل على معاوية و قال : ما أنا بعدو للّه و لا لرسوله ، بل أنت و أبوك عدوّان للّه و لرسوله ، أظهرتما الاسلام ،

و أبطنتما الكفر ، و لقد لعنك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و دعا عليك مرّات أن لا تشبع ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : « إذا ولّى الامّة الأعين الواسع البلعوم الّذي يأكل و لا يشبع فلتأخذ الامّة حذرها منه » .

فقال معاوية : ما أنا ذلك الرجل .

قال أبوذرّ : بل أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سمعته يقول و قد مررت به : « اللّهمّ العنه و لا تشبعه إلاّ بالتراب » و سمعته يقول : « أسيت [ 526 ] معاوية في النار » .

[ 526 ] في المصدر : الست .

[ 19 ]

فضحك معاوية و أمر بحبسه ، و كتب إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : أن احمل جندبا إليّ على أغلظ مركب و أوعره . فوجّه به من سار به [ 527 ] الليل و النهار ، و حمله على شارف ليس عليها إلاّ قتب حتّى قدم به المدينة ، و قد سقط لحم فخذيه من الجهد فلمّا قدم بعث إليه عثمان : أن الحق بأيّ أرض شئت .

قال بمكّة .

قال : لا .

قال : بيت المقدس .

قال : لا .

قال : بأحد المصرين .

قال : لا .

قال : و لكنّي مسيّرك إلى الربذة فسيّره إليها ، فلم يزل بها حتّى مات .

و في رواية الواقديّ أنّ أباذرّ لمّا دخل على عثمان قال له :

لا أنعم اللَّه بقين عينا
نعم و لا لقّاه يوما زينا

تحية السخط إذا التقينا

فقال أبوذرّ : ما عرفت اسمي قينا .

و في رواية أخرى : لا أنعم اللَّه بك عينا يا جنيدب . فقال أبوذر : أنا جندب و سمّاني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عبد اللَّه ، فاخترت اسم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله الّذي سمّانى به على اسمي .

فقال له عثمان : أنت الّذي تزعم أنّا نقول : يد اللَّه مغلولة ، و أنّ اللَّه فقير و نحن أغنياء ؟

فقال أبوذرّ : لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللَّه على عباده و لكنّي أشهد [ 528 ] لسمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : « إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين

[ 527 ] في المصدر : مع من ساربه .

[ 528 ] في المصدر : أشهد أنّي سمعت .

[ 20 ]

رجلا جعلوا مال اللَّه دولا ، و عباده خولا [ 529 ] » .

فقال عثمان لمن حضر : أسمعتموها من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ؟

قالوا : لا .

قال عثمان : و يلك يا أباذرّ أتكذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ؟

فقال أبوذرّ لمن حضر : ما تدرون [ 530 ] أنّي صدقت ؟

قالوا : لا و اللَّه ما ندري .

فقال عثمان : ادعوا لي عليّا .

فلمّا جاء ، قال عثمان لأبي ذرّ : اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص .

فأعاده فقال عثمان لعليّ عليه السلام : أسمعت هذا من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ؟

قال : لا ، و صدق أبوذرّ .

فقال : كيف عرفت صدقه ؟

قال : لأنّي سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : « ما اظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ » .

فقال من حضر : أمّا هذا فسمعناه كلّنا من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله .

فقال أبوذرّ : أحدّثكم أنّي سمعت هذا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فتتهموني ؟ ما كنت أظنّ أنّي أعيش حتّى اسمع هذا من أصحاب محمّد صلى اللَّه عليه و آله و في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميّين ، قال : رأيت أباذرّ يوم دخل به على عثمان ، فقال له : أنت الّذي فعلت و فعلت .

[ 529 ] في المصدر بعده : و دينه دخلا .

[ 530 ] في المصدر : أما تدرون .

[ 21 ]

فقال أبوذرّ : نصحتك فاستغششتني ، و نصحت صاحبك فاستغشّني .

قال عثمان : كذبت ، و لكنّك تريد الفتنة و تحبّها ، قد انغلت الشام علينا .

فقال له أبوذر : اتبع سنّة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام .

فقال عثمان : مالك و ذلك ؟ لا أمّ لك .

قال أبوذر : ما وجدت لي عذرا إلاّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

فغضب عثمان و قال : أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب ، إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ، فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الإسلام .

فتكلّم عليّ عليه السلام و كان حاضرا فقال : أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون : « و ان يك كاذبا فعليه كذبه ، و إن يك صادقا يصبكم بعض الّذي يعدكم ،

إنّ اللَّه لا يهدي من هو مسرف كذاب . » 531 فأجابه عثمان بجواب غليظ ، و أجابه عليّ عليه السلام بمثله ، و لم يذكر الجوابين تذمّما منهما .

قال الواقدي : ثمّ إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أباذرّ أو يكلّموه فمكث كذلك أيّاما ثم أتي به فوقف بين يديه ، فقال أبوذرّ : ويحك يا عثمان أما رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و رأيت أبا بكر و عمر ، هل هديك كهديهم ؟ أما إنّك لتبطش بي بطش جبّار .

فقال عثمان : اخرج عنّا من بلادنا .

فقال أبوذر : ما أبغض إليّ جوارك ، فإلى أين أخرج ؟

قال : حيث شئت .

قال : أخرج إلى الشام أرض الجهاد .

قال : إنّما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها ، أفأردّك إليها ؟

قال : أفاخرج إلى العراق ؟

قال : لا . إنّك إن تخرج إليها تقدم على قوم أولي شبه و طعن على الأئمّة

-----------
( 531 ) الغافر : 28

[ 22 ]

و الولاة .

قال : أفأخرج إلى مصر ؟

قال : لا .

قال : فإلى أين أخرج ؟

قال : إلى البادية .

قال أبوذرّ : أصير بعد الهجرة أعرابيّا ؟

قال : نعم .

قال أبوذر : فأخرج إلى بادية نجد .

قال عثمان : بل إلى الشرف الأبعد فأقصى [ 532 ] ، امض على وجهك هذا ، فلا تعدون [ 533 ] . فخرج إليها .

و روى الواقديّ أيضا عن مالك بن أبي الرجا [ 534 ] عن موسى بن ميسرة أنّ أبا الأسود الدؤليّ قال : كنت أحبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة ،

فجئته فقلت له : ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت [ 535 ] ؟

فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم فأخرجت إلى المدينة .

فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم فأخرجت إلى المدينة .

فقلت : دار هجرتي ، فأخرجت من المدينة إلى ما ترى .

ثمّ قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله إذ مرّ بي صلى اللَّه عليه و آله فضربني برجله ، و قال : لا أراك نائما في المسجد .

فقلت : بأبي أنت و امّي غلبتني عيني فنمت فيه .

قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟

قلت : آخذ سيفي فأضربهم به .

[ 532 في المصدر : اقصى فأقصى .

[ 533 ] في المصدر : فلا تعدون ربذة .

[ 534 ] في المصدر : مالك بن أبي الرجال .

[ 535 ] في المصدر : أم أخرجت كرها .

[ 23 ]

فقال : ألا أدلّك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك ، و تسمع و تطيع ، فسمعت و أطعت و أنا أسمع و اطيع ، اللَّه ليلقينّ اللَّه عثمان و هو آثم فى جنبي . 536 انتهى كلامه .

و إنّما أوردته بطوله لتعلم أنّ قبائح أعمال عثمان و طغيانه على أبي ذرّ و غيره متواتر بين الفريقين .