بيان

يقال : « لحاه اللَّه » أي قبّحه و لعنه ، و « ازبأر الكلب » تنفّش ،

و « [ ازبأرّ ] الرجل للشرّ » تهيّا . و « الضرب بالفتح » الرجل الخفيف اللحم . و « البلعوم » بالضمّ ، مجرى الطعام في الحلق . و « اسيت » كأنّه تصغير الإست . و « الشارف من النوق » المسنّة الهرمة . و « انغله » أفسده . و في القاموس : « الشرف » المكان العالي ،

و جبل قرب جبل شريف ، و الربذة و الشرف الأعلى : جبل قرب زبيد .

أقول : قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : روى أبو عمرو [ 537 ] ابن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب لمّا حضر أباذرّ الوفاة و هو بالربذة بكت زوجته امّ ذرّ ، قالت :

فقال لي : ما يبكيك ؟

فقلت [ 538 ] : ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة من الأرض ، و ليس عندي ثوب يسعك كفنا ، و لا بدّ لي من القيام بجهازك .

فقال : أبشري و لا تبكي ، فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله يقول : « لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاث فيصبران و يحتسبان فيريان النار أبدا » . و قد مات لنا ثلاثة من الولد ، و سمعت أيضا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله يقول لنفر ، أنا فيهم : « ليموتنّ أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين » ،

و ليس من اولئك النفر أحد إلاّ و قد مات في قرية و جماعة ، فأنا لا أشك أنّي ذلك الرجل ،

و اللَّه ما كذبت و لا كذبت ، فانظري الطريق .

-----------
( 536 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 8 ، ص 252 261 ، ط بيروت .

[ 537 ] الصحيح هو أبو عمر .

[ 538 ] فقالت . خ ل .

[ 24 ]

قالت أمّ ذرّ : فقلت : أنّى و قد ذهب الحاجّ و تقطّعت الطرق ؟

فقال : اذهبي فتبصّري .

قالت : فكنت أشتدّ إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثمّ أرجع إليه فامرّضه ، فبينا أنا و هو على هذه الحال إذا أنا برجال على ركابهم كأنهم الرخم تخبّ [ 539 ] بهم رواحلهم ،

فأسرعوا إليّ حتّى وقفوا عليّ ، و قالوا : يا أمة اللَّه مالك ؟

فقلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفّنونه ؟

قالوا : و من هو ؟ قلت : أبوذرّ .

قالوا : صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ؟

قلت : نعم .

ففدوه بآبائهم ، و امّهاتهم و أسرعوا إليه حتّى دخلوا عليه .

فقال لهم : أبشروا فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله يقول لنفر أنا فيهم : « ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين » و ليس من اولئك النفر أحد إلاّ و قد هلك في قرية و جماعة ، و اللَّه ما كذبت و لا كذبت و لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم اكفن إلاّ في ثوب لي أولها ، و إنّي انشدكم اللَّه أن يكفّنني رجل منكم كان أميرا أو عريّفا أو بريدا أو نقيبا .

قالت : و ليس في اولئك النفر أحد إلاّ و قد قارف بعض ما قال إلاّ فتى من الأنصار .

قال له : أنا اكفّنك يا عمّ في ردائي هذا ، و ثوبين معي في عيبتي من غزل امي .

فقال أبوذرّ : أنت تكفّني .

فمات فكفّنه الأنصاريّ ، و غسّله في النفر الّذين حضروه و قاموا عليه و دفنوه في نفر كلّهم يمان .

قال أبو عمرو [ 540 ] بن عبد البرّ قبل أن يروي هذا الحديث : كان النفر الذين

[ 539 ] « خبّ الفرس في عدوه » راوح بين يديه و رجليه ، أي قام على إحداهما مرّة و على الأخرى مرّة .

[ 540 ] الصحيح هو أبو عمر .

[ 25 ]

حضروا موت أبي ذرّ الربذة مصادفة جماعة منهم حجر بن عديّ الّذي قتله معاوية و هو من أعلام الشيعة و عظمائها ، و أمّا الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة ،

و قري‏ء كتاب الاستيعاب على شيخنا عبد الوّهاب بن سكينة المحدّث و أنا حاضر ، فلما انتهى القاري‏ء إلى هذا الخبر قال أستادي عمرو بن عبد اللَّه الدباس و كنت أحضر معه سماع الحديث : لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت ، فما قال المرتضى و المفيد إلاّ بعض ما كان حجر و الأشتر يعتقدانه في عثمان و من تقدّمه ، فأشار الشيخ اليه بالسكوت فسكت .

انتهى كلامه بلفظه .

فانظر فيه ببصيرة تزدد يقينا .

أقول : و قال ابن عبد البر بعد نقل الرواية الطويلة : روى عنه جماعة من الصحابة و كان من أوعية العلم المبرّزين في الزهد و الورع و القول بالحقّ سئل عليّ عليه السلام عن أبي ذر ، فقال : ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثمّ أوكأ عليه و لم يخرج شيئا منه ، و روى عن النبي صلى اللَّه عليه و آله أنّه قال : أبوذرّ في أمّتي شبيه عيسى بن مريم في زهده ، و بعضهم يرويه : من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر . 541