إيضاح :

لعلّ أوّل الكلام إشارة إلى ظهور القائم عليه السلام و كذا قوله « و سيأتي غد » و ما قبله إلى الفتن التي تظهر قبل القائم عليه السلام . و قيام الحرب على ساق كناية عن شدّتها ، و قيل : « الساق » الشدّة ، و « بدوّنو اجذها » عن الضحك تهكّما أو عن بلوغ الحرب غايتها كما أنّ غاية الضحك أن تبدو النواجذ . و « الأخلاف » للناقة حلمات الضرع . و إنّما قال عليه السلام : « حلوا رضاعها » لأنّ أهل النجدة في أوّل الحرب يقبلون عليها ، و مرارة عاقبتها لأنّها القتل ، و لأنّ مصير أكثرهم إلى النار .

و المنصوبات الأربعة أحوال و المرفوع بعد كلّ منها فاعل ، و إنّما ارتفع عاقبتها بعد « علقما » مع أنّه اسم صريح لقيامه مقام اسم الفاعل ، كأنه قال مريرة عاقبتها .

قوله عليه السلام « ألا و في غد » قال ابن أبي الحديد : تمامه قوله عليه السلام « يأخذ الوالي » ، و بين الكلام جملة اعتراضيّة . قد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس كانت ذات ملك وافرة فذكر عليه السلام أنّ الوالي يعني القائم

[ 39 ]

عليه السلام يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم ، و « على » هيهنا متعلّقة به « يأخذ » و هي بمعنى يؤاخذ .

و « الأفاليذ » جمع « أفلاذ » و هي جمع « فلذة » و هي القطعة من الكبد ، كناية عن الكنوز التي تظهر للقائم عليه السلام . و قد فسر قوله تعالى : وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . 554 بذلك في بعض التفاسير . 555 و قوله عليه السلام « سلما » مصدر سدّ مسدّ الحال أو تمييز . قوله عليه السلام « كأنّي به » الظاهر أنّه إشارة إلى السفياني . و قال ابن أبي الحديد : إخبار عن عبد الملك بن مروان و ظهوره بالشام و ملكه بعد ذلك العراق و ما قتل من العرب فيها أيّام عبد الرحمن بن أشعث و قتله أيّام مصعب بن الزبير . و قال : مفعول « فحص » محذوف أي فحص الناس براياته أي نحاهم و قلّبهم يمينا و شمالا . و « ضواحى كوفان » ما قرب منها من القرى ، و قد سار القتال مصعب بعد أن قتل المصعب المختار فالتقوا بأرض مسكن من نواحي الكوفة . « قد فاغرته » أي انفتح فوه ، و يقال : فغرفاه ، يتعدّى و لا يتعدّى . و « ثقل وطأته » كناية عن شدّة ظلمه و جوره . « بعيد الجولة » أي جولان خيوله و جيوشه في البلاد ، فيكون كناية عن اتّساع ملكه ، أو جولان رجاله في الحرب بحيث لا يتعقّبه السكون . و « شرد البعير » نفر و ذهب في الأرض . « عوازب أحلامها » أي ما ذهب و غاب من عقولها .

و قال ابن ميثم : فإن قلت : قوله عليه السلام « حتّى تؤوب » يدلّ على انقطاع تلك الدولة بظهور العرب ، و عبد الملك مات و قام بعده بنوه بالدولة ؟ قلت : الغاية ليست غاية لدولة عبد الملك بل غاية لكونهم لا يزالون مشرّدين في البلاد مقهورين ، و ذلك الانقهار و إن كان أصله من عبد الملك إلاّ أنّه استمرّ في زمان أولاده إلى حين انقضاء دولتهم . قال بعض الشارحين 556 : إنّ ملك أولاده ملكه ، و هذا جواب من لم يتدبّر في كلامه عليه السلام . و العرب هيهنا هم بنو العبّاس و من معهم من العرب أيّام ظهور دولتهم كقحطبة بن شبيب الطائي و ابنيه حميد و الحسن ، و كبني رزتنى منهم طاهر بن

-----------
( 554 ) الزلزال : 2 .

-----------
( 555 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 42 46 ، ط بيروت .

-----------
( 556 ) المراد من « بعض الشارحين » هو ابن أبي الحديد في شرحه ، ج 9 ، ص 47 ، ط بيروت .

[ 40 ]

الحسين و إسحاق بن إبراهيم و غيرهم من العرب . و قيل : إنّ أبا مسلم عربي .

قوله عليه السلام و « العهد القريب » قال ابن أبي الحديد : أي عهده و أيّامه عليه السلام . 557 و كأنّه دفع لما عساه يتوّهمونه من أنّه إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها فيجب عليهم اتّباع الدولة الجديدة في كلّ ما تفعله فوصّاهم بأنّه إذا تبدّلت الدولة فالزموا الكتاب و السنّة و العهد الّذي فارقتكم عليه . قوله عليه « إنّما يسنّي » أي يسهل . 558 .

[ بيان : « الساق » الشدة أو بالمعنى المشهور كناية عن استوائها . و « بدوّ النواجذ » كناية عن بلوغ الحرب غايتها كما أنّ غاية الضحك أن تبدو النواجذ و يمكن أن يكون كناية عن الضحك على التهكّم . ] إيضاح : قال ابن أبي الحديد : « ألا و في غد » تمامه قوله عليه السلام « يأخذ الوالي » و بين الكلام جملة اعتراضيّة و هي قوله عليه السلام « و سيأتي غد بما لا تعرفون » و المراد تعظيم شأن الغد الموعود و مثله كثير في القرآن ثمّ قال : قد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس ذات ملك و إمرة فذكر عليه السلام أنّ الوالي يعني القائم عليه السلام يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم . و « على » ههنا متعلّقه ب « يأخذ » و هي بمعنى يؤاخذ . و قال : « الأفاليذ » جمع « أفلاذ » و الأفلاذ جمع « فلذة » و هي القطعة من الكبد كناية عن الكنوز الّتي تظهر للقائم عليه السلام و قد فسّر قوله تعالى : وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا بذلك في بعض التفاسير .

أقول : و قال ابن أبي الحديد في شرح بعض خطبه صلوات اللّه عليه : قال شيخنا أبو عثمان و قال ابو عبيدة : و زاد فيها في رواية جعفر بن محمّد عليهما السّلام عن آبائه عليهم السلام :

ألا إنّ أبرار عترتي و أطائب أرومتي أحلم الناس صغارا و أعلم الناس كبارا . ألا

-----------
( 557 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 48 ، ط بيروت .

-----------
( 558 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 384 ، ط كمپاني و ص 361 ، ط تبريز .

[ 41 ]

و إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا و بحكم اللّه حكمنا و من قول صادق سمعنا فان تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، و إن لم تفعلوا يهلككم اللّه بأيدينا . معنا راية الحق من تبعها لحق ، و من تأخر عنها غرق . ألا و بنا يدرك ترة كلّ مؤمن ، و بنا تخلع ربقة الذلّ عن أعناقكم ، و بنا فتح لا بكم ، و بنا يختم لا بكم .

ثمّ قال ابن أبي الحديد : « و بنا يختم لا بكم » إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان و أكثر المحدّثين على أنّه من ولد فاطمة عليها السلام و أصحابنا المعتزلة لا ينكرونه و قد صرّحوا بذكره في كتبهم و اعترف به شيوخهم إلاّ أنّه عندنا لم يخلق بعد و سيخلق و إلى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضا .

روى قاضى القضاة عن كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد رحمه اللّه باسناد متّصل بعليّ عليه السلام أنّه ذكر المهديّ و قال إنّه من ولد الحسين عليه السلام و ذكر حليته فقال : رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن أزيل الفخذين أبلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة و ذكر هذا الحديث بعينه عبد اللّه بن قتيبة في كتاب غريب الحديث . 559 انتهى .

أقول : في ديوان أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه المنسوب إليه :

بنيّ إذا ما جاشت الترك فانتظر
ولاية مهدي يقوم فيعدل

و ذلّ ملوك الأرض من آل هاشم
و بويع منهم من يلذّ ، و يهزل

صبيّ من الصيبان لا رأي عنده
و لا عنده جد و لا هو يعقل

فثمّ يقوم القائم الحقّ منكم
و بالحقّ يأتيكم و بالحقّ يعمل

سميّ نبيّ اللّه نفسي فداؤه
فلا تخذلوه يا بنيّ و عجّلوا 560

-----------
( 559 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 276 282 .

-----------
( 560 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 51 ، كتاب تاريخ الإمام الثاني عشر عليه السّلام ، ص 130 132 .

[ 42 ]