في صفات الله جل جلاله

الحمد للّه الدّالّ على وجوده بخلقه ، و بمحدث خلقه على أزليّته ،

و باشتباههم على أن لا شبه له . لا تستلمه ( 1879 ) المشاعر ، و لا تحجبه السّواتر ، لافتراق الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، و الرّبّ و المربوب ، الأحد بلا تأويل عدد ، و الخالق لا بمعنى حركة و نصب ( 1880 ) ،

و السّميع لا بأداة ( 1881 ) ، و البصير لا بتفريق آلة ( 1882 ) ، و الشّاهد لا بمماسّة ، و البائن ( 1883 ) لا بتراخي مسافة ، و الظّاهر لا برؤية ، و الباطن لا بلطافة . بان من الأشياء بالقهر لها ، و القدرة عليها ، و بانت الأشياء منه بالخضوع له ، و الرّجوع إليه . من وصفه فقد حدّه ( 1884 ) ، و من حدّه فقد عدّه ، و من عدّه فقد أبطل أزله ، و من قال : « كيف » فقد استوصفه ، و من قال : « أين » فقد حيّزه . عالم إذا لا معلوم ،

و ربّ إذ لا مربوب ، و قادر إذ لا مقدور . النهج : قال عليه السلام :

الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه ، و بمحدث خلقه على أزليّته . [ 590 ]

[ 590 ] الأوّليّة و الآخريّة وصفان اضافيّان ، فإذا قويس شي‏ء إلى آخر وجد بعده وصف بالأوّليّة ، و إذا قويس إلى شي‏ء وجد قبله وصف بالآخريّة . و للتقدّم و التأخر أقسام مذكورة في محلّها ، و قد اختلف القول في تقدّم الواجب على الممكنات ، فقيل : إنّ تقدّمه زماني ، و قيل : علّي ، و قيل : سرمدي إلى غير ذلك . لكنّ التقدّم الزماني بمعناه المصطلح و هو وقوع المتقدم مقارنا لجزء من

[ 72 ]

و منه [ 591 ] قال عليه السلام :

الحمد للّه خالق العباد ، و ساطح المهاد ، و مسيل الوهاد ، و مخصب النجاد ، ليس لأوّليّته ابتداء ، و لا لأزليّته انقضاء ، هو الأوّل لم يزل ، و الباقي بلا أجل . . . ( إلى قوله عليه السلام : ) قبل كلّ غاية و مدّة ، و كلّ إحصاء و عدّة . . . ( إلى قوله عليه السلام : ) لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، و لا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حدّة ، و صوّر ما صوّر فأحسن صورته .

الزمان متقدّم على الجزء الّذي وقع المتأخّر مقارنا له ممّا يستحيل في حقّ الحق سبحانه و تقدّس لتعاليه عن مقارنة الزمان و مقايسته بالحدثان . على أنّه يستلزم قدم الزمان و هو كرّ على ما فرّ منه .

و أمّا تفسير التقدّم الزمانيّ بأنّ الواجب كان في زمان لم يكن شي‏ء . و تتميمه بأنّ الزمان أمر موهوم منتزع من ذاته ، ممّا لا يجدي شيئا و لا يسمن و لا يغني من جوع لأنّ الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيّات و إناطة البحث الحقيقيّ به ، غاية الأمر تسميته تعالى بالقديم الزماني تسمية ليس وراءه حقيقة و لا تجاوز حدّ الإسم و الوهم . و إن كان أمرا واقعيّا فلا يمكن انتزاعه من ذات الباري‏ء سبحانه و إلاّ لتطرّق التغيّر و الحدوث إليها .

و أمّا آخريّة الواجب ، فقيل بالآخريّة الزمانيّة بمعنى أنّه يفنى كلّ شي‏ء إلاّ الواجب تعالى فيكون زمان ليس فيه غيره سبحانه و لمّا كان ظاهر هذا القول لظواهر الكتاب و السنّة من أبديّة نشأة الآخرة آخرا و خلود أهلها ، فسّر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة و لقائل أن يقول : هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أو لا ؟ فإن كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان و إلاّ فلا يكون آخرا زمانيا ، على أنّه تعالى يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساعة لا بعده ، و له توال فاسدة أخرى .

و حقّ القول أنّ الواجب تعالى محيط بجميع العوالم ، مهيمن على كافّة الموجودات و يكون وجوده أوسع و أرفع من كلّ الموجودات ، بل هي بأسرها ظلّ وجوده و شعاع نوره تبارك و تعالى و ليس لها استقلال اصلا فليس بين الموجودات الإمكانية و بين وجوده السرمديّ الواجب المحيط الغير المتناهي بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة ، فأين المتناهي من غير المتناهي ؟ و ما للتراب و ربّ الأرباب ؟ فكلّما قويس وجود إمكاني إلى وجوده المتعالي كان من بين يديه و من خلفه و من فوقه و من تحته ، و من كلّ جهة من جهاته ، و كلّ شأن من شؤونه محدودا محاط بوجوده تبارك و تعالى فإذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات ، كان سبحانه هو الأوّل ،

و إذا لوحظ الجهدة اللاحقة ، كان هو الآخر ، و إذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن و إذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر :

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و الظَّاهِر وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ الحديد : 3 .

أَلاَ إِنًّ بكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحَيطٌ فصّلت : 54 .

[ 591 ] في بعض النسخ : و في خطبة .

[ 73 ]