[ هذا بيان آخر في شرح الجزء الثاني من الخطبة : ]

بيان : ظاهره أنّ الاسلام مشتقّ من السلامة ، أي من آفات الدنيا و مهالك الآخرة إذا أدّى حقّه ، فليس بمعنى الانقياد و الدخول في السلم . و « جماع الشي‏ء »

-----------
( 595 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 156 ، ط بيروت .

-----------
( 596 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 398 ، ط كمپاني و ص 373 ، ط تبريز .

[ 76 ]

ككتاب جمعه ، و في الحديث : « الخمر جماع الاثم » أي مظنّته و مجمعه . و « المنهج و المنهاج » الطريق الواضح ، و حججه الأدلة على صحّته و كلمة « من » للتفسير و تفصيل الحجج . و ظاهر العلم الأحكام الواضحة المبيّنة للناس من محكمات القرآن و ما اتّضح من السنّة . و « باطن الحكم » الأحكام المخزونة عند أهلها ، كتأويل المتشابهات و أسرار الشريعة ، و قيل : يعني بظاهر علم ، و باطن حكم القرآن ، ألا تراه كيف أتى بعده بصفات و نعوت لا يكون إلاّ للقرآن ، و لا ريب في اتّحاد حجج الاسلام و القرآن ، و لا يبعد أن يكون القرآن في جملة كلام حذف السيّد رضي اللّه عنه على عادته في الالتقاط و الاختصار ، و في بعض النسخ : « عزائمه » مكان « غرائبه » أي آياته المحكمة و براهينه العازمة أي القاطعة ، و عدم فناء العزائم أو الغرائب إمّا ثباتها و استقرارها على طول المدة و تغيّر الأعصار ، أو كثرتها عند البحث و التفتيش عنها . و عدم انقضاء العجائب هو أنّه كلّما تأمّل فيه الانسان استخرج لطائف معجبة . و « المرابيع » أمطار أوّل الربيع تحيى بها الأرض و تنبت الكلاء ، و في بعض النسخ : « بمفاتيحه و بمصابيحه » مع الياء و في بعضها بدونها .

و « حميت المكان من الناس » كرميت أي منعته منهم ، و الحماية اسم منه ،

و « كلاء حمى » كرضى أي محميّ ، و « أحميت المكان » جعلته حمى لا يقرب منه و لا يجترء عليه . و « الرعي » بالكسر ، الكلاء و بالفتح ، المصدر و المرعى الرعي و المصدر و الموضع .

قيل : « أحمى حماه » أي جعله اللّه عرضة لأن يحمى ، كما تقول : « أقتلت الرجل » أي جعلته عرضة لأن يقتل ، أي قد عرض اللّه حمى القرآن و محارمه لأن يجتنب ،

و عرض مرعاه لأن يرعى ، أي مكّن من الانتفاع بمواعظه و زواجره لأنّه خاطبنا بلسان عربيّ مبين و لم يقنع ببيان ما لم يعلم إلاّ بالشرع حتّى نبّه في أكثره على أدلّة العقل . 597 و قيل : استعار لفظ الحمى لحفظه و تدبّره و العمل بقوانينه ، و وجه الاستعارة أنّ بذلك يكون حفظ الشخص و حراسته ، أمّا في الدنيا ، فمن أيدي كثير من الظالمين

-----------
( 597 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 156 ، ط بيروت .

[ 77 ]

لاحترامهم حملة القرآن و مفسرية و من يتعلّق به ، و أمّا في الآخرة ، فلحمايته حفظته و متدبريه و العامل به من عذاب اللّه كما يحمي الحمى من يلود به ، و قيل : أراد بحماه محارمه ، أي منع بنواهيه و زواجره أن يستباح محارمه .

« و أرعى مرعاه » أي هيأه لأن يرعى ، و استعار لفظ المرعى للعلوم و الحكم و الآداب الّتي يشتمل عليها القرآن و وجه المشابهة أنّ هذه مراعي النفوس و غداؤها الّذي به يكون نشوها العقليّ ، و تمامها الفعليّ كما أن النبات و العشب غذاء للأبدان الحيوانيّة الّذي يقوم بها وجودها . 598 و أقول : يحتمل أن يكون المراد به أنّه جعل له حدودا و حرمات ، و نهى عن انتهاكها و ارتكاب نواهيه و تعدّي حدوده ، و رخصا أباح للناس الانتفاع بها و التمتّع منها ،

و يمكن أن يقال : « أحمى حماه » أي منع المغيرين من تغيير قواعده « و أرعى مرعاه » أي مكن المطيعين من طاعته ، و هي الغذاء الروحانيّ الذي به حياتهم الباقية في النشأة الآخرة . و « المشتفي » طالب الشفاء كالمستشفي كما في بعض النسخ أي فيه شفاء من الأمراض المعنويّة كالجهل و الضلال كما قال تعالى : شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ 599 ، أو منها و من الأمراض البدنيّة أيضا بالتعوّذ و نحوه كما قال سبحانه : « وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ 600 . و « الكفاية » بالكسر ، ما به يحصل الاستغناء عن غيره ،

و هذه الكفاية لأهله ، و من أخذ غوامضه منهم و رجع في تأويل المتشابهات و نحوه إليهم . 601