[ هذا بيان آخر في شرح الجزء الآخر من الخطبة : ]

توضيح : قال الجوهري : الناظر من المقلة السواد الأصغر الّذي فيه إنسان العين ، أي إنّ قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته الّتي تجرى إليها ، و يعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا شريفا ، أو منخفصا ساقطا . و « النجد » المرتفع من الأرض .

و لعلّ المراد بالداعي الرسول صلى اللّه عليه و آله و بالراعي نفسه عليه السلام . قوله عليه السلام « قد خاضوا » كلام منقطع عما قبله و متّصل بكلام أسقطه السيّد رضى اللّه عنه تقيّة للتصريح بذمّ الخلفاء الثلاثة فيه .

و « أرز » بالفتح و الكسر ، انقبض . و « المؤمنون » هو عليه السلام و شيعته . و الضالون خلفاء الجور و أتباعهم .

و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام و « الخزنة و الأبواب » أي خزنة العلم و أبوابه ، أو خزنة الجنّة و أبوابها ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : « أنا مدينة العلم و علي بابها و من أراد الحكمة فليأت الباب » ، و قال فيه : خازن علمي ، و تارة أخرى : عيبة علمي . و قال صلى اللّه عليه و آله في الخبر المستفيض : إنّه قسيم الجنّة و النار ، يقول للنّار هذا لي فدعيه ، و هذا لك فخذيه . ثمّ ذكر أربعة و عشرين حديثا من

-----------
( 604 ) الأعراف : 58 .

-----------
( 605 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 178 179 ، ط بيروت .

-----------
( 606 ) بحار الأنوار الطبعة الجديدة ، ج 71 ، كتاب الإيمان و الكفر ، ص 367 .

[ 83 ]

فضائله صلوات اللَّه عليه من طرق المخالفين .

قوله عليه السلام « فيهم كرائم القرآن » ضمير الجمع إلى آل محمّد عليهم السلام الّذين عناهم عليه السلام بقوله « نحن الشعار » و المراد بكرائم القرآن مدائحهم الّتي ذكرها اللَّه فيه ، أو علومه المخزونة عندهم . و « هم كنوز الرحمن » أي خزائن علومه و حكمه و قربه . قوله عليه السلام « لم يسبقوا » أي ليس صمتهم عن عيّ و عجز حتّى يسبقهم أحد ، بل لمحض الحكمة . قوله عليه السلام « فليصدق رائد أهله » يحتمل أن يكون المراد بالرائد الإنسان نفسه فإنّه كالرائد لنفسه في الدنيا يطلب فيه لآخرته ماء و مرعى ، أي لينصح نفسه و لا يغشّها بالتسويف و التعليل ، أو المعنى :

ليصدق كلّ منكم أهله و عشيرته و من يعينه أمره ، و ليبلّغهم ما عرف من فضلنا و علوّ درجتنا . قوله عليه السلام « فإنّه منها قدم » لخلق روحه قبل بدنه من عالم الملكوت ،

أو لخروج أبيهم من الجنّة ، و قيل : الآخرة الحضرة الإلهيّة الّتي منها مبدأ الخلق و إليها معادهم . « فالناظر بالقلب » أي من لا يقتصر في نظره على ظواهر الأمور . « العامل بالبصر » أي من يعمل بما يبصر بعين بصيرة ، أي إذا علم الحقّ لا يتعدّاه ، و يروى :

« العالم بالبصر » أي من كان إبصاره سببا لعلمه .

قوله عليه السلام « و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا » أقول : قد يتوّهم التنافي بين هاتين الكلمتين و بين الخبر المرويّ ظاهرا ، و يخطر بالبال دفعه بوجوه :

الأوّل : أن يكون الخبر في قوّة الاستثناء لبيان أنّ المقدّمتين ليستا كليّتين بل هما لبيان الغالب و قد يتخلّف كما ورد في الخبر .

الثّاني : أن يكون الخبر استشهادا للمقدّمتين ، و بيانه أنّ للعمل ظاهرا و باطنا ،

و للشخص ظاهرا و باطنا ، فظاهر الشخص مطابق لباطنه ، و لذا يحبّ اللَّه ظاهر الشخص لما يعلم من حسن باطنه و عاقبته ، و يبغض ظاهر الشخص إذا علم سوء باطنه ورداءة عاقبته .

الثالث : أنّ يكون المراد أنّه لا يمكن أن لا يظهر سوء الباطن من الأخلاق الرديّة و الاعتقادات الباطلة و الطينات الفاسدة و إن كان في آخر العمر ، و لا حسن الباطن من الأخلاق الحسنة و الاعتقادات الحقّة و الطينات الطيبة ، فالّذي يحبّه اللَّه و يبغض عمله

[ 84 ]

ينقلب حاله في آخر العمر و يظهر منه حسن العقائد و الأعمال و كذا العكس ، فظهر أنّ حسن الباطن و الظاهر مطابقتان ، و كذا سوءهما . و لعلّ ما يذكر بعده يؤيّد هذا الوجه في الجملة .

الرابع : ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال : هو مشتقّ من قوله تعالى وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ، و المعنى أنّ لكلتي حالتي الإنسان الظّاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله ، و الحالتان الظاهرتان ميله إلى العقل و ميله إلى الهوى ، فالمتّبع لعقله يرزق السعادة و الفوز ، فهذا هو الّذي طاب ظاهره و طاب باطنه ، و المتّبع لمقتضى هواه يرزق الشقاوة و العطب ، و هذا هو الّذي خبث ظاهره و خبث باطنه .

الخامس : ما قيل : المراد بطيب الظاهر حسن الصورة و الهيئة ، و بخبثه قبحهما .

و قال : هما بدلان على حسن الباطن و قبحه . و حمل خبث العبد مع قبح الفعل على ما إذا كان مع حسن الصورة ، و الآخر على ما إذا كان مع قبح الصورة ، و لا يخفى بعده . و الأوّل أظهر الوجوه .

و « أمرت » أي صارت مرّا . 607