خلقة الخفاش

و من لطائف صنعته ، و عجائب خلقته ، ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش الّتي يقبضها الضّياء الباسط لكلّ شي‏ء ،

و يبسطها الظّلام القابض لكلّ حيّ ، و كيف عشيت ( 1902 ) أعينها عن أن تستمدّ من الشّمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ، و تتّصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها . و ردعها بتلألؤ ضيائها عن المضيّ في سبحات ( 1903 ) إشراقها ، و أكنّها في مكامنها عن الذهاب في بلج ائتلاقها ( 1904 ) ، فهي مسدلة الجفون بالنّهار على حداقها ، و جاعلة اللّيل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها ، فلا يردّ أبصارها إسداف ( 1905 ) ظلمته ، و لا تمتنع من المضيّ فيه لغسق دجنّته ( 1906 ) . فإذا ألقت الشّمس قناعها ، و بدت أوضاح ( 1907 ) نهارها ، و دخل من إشراق نورها على الضّباب في وجارها ( 1908 ) ، أطبقت الأجفان على مآقيها ( 1909 ) ،

و تبلّغت ( 1910 ) بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها . فسبحان من

[ 86 ]

جعل اللّيل لها نهارا و معاشا ، و النّهار سكنا و قرارا و جعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطّيران ، كأنّها شظايا الآذان ( 1911 ) ،

غير ذوات ريش و لا قصب ( 1912 ) ، إلاّ أنّك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما ( 1913 ) . لها جناحان لمّا يرقّا فينشقّا ، و لم يغلظا فيثقلا . تطير و ولدها لاصق بها لاجى‏ء إليها ، يقع إذا وقعت ، و يرتفع إذا ارتفعت ،

لا يفارقها حتّى تشتدّ أركانه ، و يحمله للنّهوض جناحه ، و يعرف مذاهب عيشه ، و مصالح نفسه . فسبحان البارى‏ء لكلّ شي‏ء ، على غير مثال خلا من غيره ( 1914 ) .