تبيان :

« الخفّاش » كرمان معروف ، و « حسر حسورا » كقعد كلّ لطول مدى و نحوه ، و « حسرته أنا » يتعدّى و لا يتعدّى ، و « انحسرت » أي كلّت و أعيت .

و « كنه الشي‏ء » حقيقته و نهايته . و « ردعت » كمنعت لفظا و معنا . و « المساغ » المسلك . و « الملكوت » العزّ و السلطان . و « الحق » المتحقّق وجوده ، أو الموجود حقيقة .

و « أبين » أي أوضح ، و كونه سبحانه أحقّ و أبين ممّا ترى العيون ، لأنّ العلم بوجوده سبحانه عقليّ يقينيّ لا يتطرّق إليه ما يتطرّق إلى المحسوسات من الغلط .

و « الحدّ » في اللغة ، المنع و الحاجز بين الشيئين و نهاية الشي‏ء و طرفه ، و في عرف المنطقيّين ،

التعريف بالذاتي ، و المراد بالتحديد هنا إمّا إثبات النهاية و الطرف المستلزم للمشابهة بالأجسام ، أو التحديد المنطقيّ و الأوّل أنسب بعرفهم . و « التقدير » إثبات المقدار ،

و كأنّ المراد بالتمثيل إيجاد الخلق على حذو ما قد خلقه غيره ، أو أنّه لم يجعل لخلقه مثالا قبل الايجاد كما يفعله البنّاء تصويرا لما يريد بناءه . و « المشورة » مفعلة من « أشار إليه بكذا » أي أمره به ، و « المشورة » بضمّ الشّين كما في بعض النسخ و الشورى بمعناه .

و « المعونة » الاسم من « أعانه و عوّنه » . « فتمّ خلقه » أي بلغ كلّ مخلوق إلى كماله الّذي

[ 87 ]

أراده اللَّه سبحانه منه ، أو خرج جميع ما أراده من العدم إلى الوجود بمجرّد أمره ،

و « أذعن » أي خضع و أقرّ و أسرع في الطاعة و انقاد ، و الجملتان كالتفسير للاذعان ، و لعلّ المراد بالاذعان دخوله تحت القدرة الالهيّة و عدم الاستطاعة للامتناع .

و قوله عليه السلام « لم يدافع » بيان للاجابة ، كما أنّ « لم ينازع » بيان للانقياد ، و إلاّ لكان العكس أنسب ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى تسبيحهم بلسان الحال كقوله تعالى : وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ 608 ، كما مرّ . و « اللطائف » جمع « لطيفة » ، و هي ما صغر ودقّ . و « العجائب » جمع « عجيبة و عجيب » قيل : يجمع على « عجائب » كأفيل و أفايل ، و قيل : لا يجمع عجيب و لا عجب . و « الغامض » خلاف الواضح و كلّ شي‏ء خفي مأخذه . و قال بعضهم : حاصل الكلام ، التعجّب من مخالفتها لجميع الحيوانات في الأنقباض عن الضوء و الاشارة إلى خفاء العلّة في ذلك ، و المراد بالانقباض انقباض أعينها في الضوء ، و يكون ذلك عن إفراط التحلّل في الروح النوريّ لحرّ النهار ، ثمّ يستدرك ذلك برد الليل فيعود الابصار .

و قيل : الأظهر أنه ليس لمجرد الحرّ و إلاّ لزم أن لا يعرضه الانقباض في الشتاء إلاّ إذا ظهرت الحرارة في الهواء ، و في الصيف أيضا في أوائل النهار ، بل ذلك لضعف في قوّتها الباصرة ، و نوع من التضادّ و التنافر بينها و بين النور كالعجز العارض لسائر القوى المبصرة عن النظر إلى جرم الشمس ، و أمّا أنّ علّة التنافر ما ذا ؟ ففيه خفاء ، و هو منشأ التعجّب الذي يشير إليه الكلام ، و يمكن أن يعود الضمير إليها من غير تقدير مضاف ،

و يكون المراد بانقباضها ما هو منشأ اختفائها نهارا و إن كان ذلك ناشئا من جهة الابصار . و « العشى » بالفتح مقصورا ، سوء البصر بالنهار أو بالليل و النهار أو العمى ،

و المعنى كيف عجزت و عميت عن أن تستمدّ ؟ أي تستعين و تتقوّى ، تقول : « أمددته بمدد » إذا أعنته و قويته . و « مذاهبها » طرق معاشها و مسالكها في سيرها و انتفاعها ،

و « تصل » بالنصب عطفا على « تستمدّ » و في بعض النسخ بالرفع عطفا على « تهتدي » ،

و في بعضها : « و تتّصل » و « الاتّصال إلى الشي‏ء » الوصول إليه .

-----------
( 608 ) الإسراء : 44 .

[ 88 ]

و « البرهان » الدليل ، و « معارفها » ما تعرفه من طرق انتفاعها . و « درعها » أي كفّها و ردّها ، و « تلألأ البرق » أي لمع ، و « السبحات » بضمّتين جمع « سبحة » بالضم و هي النور ، و قيل : « سبحات الوجه » محاسنه لأنّك إذا رأيت الوجه الحسن قلت :

سبحان اللَّه ، و قيل : « سبحان اللَّه » تنزيه له ، أي سبحان وجهه . و « الكنّ » بالكسر ،

الستر و « أكنّه » ستره ، و « استكن » استتر ، و « كمن » كنصر و منع أي استخفى ،

و « المكمن » الموضع ، و « البلج » بالتحريك ، مصدر « بلج » كتعب أي ظهر و وضح ، و « صبح أبلج بين البلج » أي مشرق و مضي‏ء ، ذكره الجوهريّ ، و قيل :

« البلج » جمع « بلجة » بالضمّ ، و هو أوّل ضوء الصبح ، و جاء « بلجة » أيضا بالفتح و لم أجده في كلامهم ، و « الائتلاق » اللمعان ، يقال : « ائتلق و تألق » إذا التمع . و « سدل ثوبه يسدله و أسدله » أي أرسله و أرخاه ، و « الجفن » بالفتح ، غطاء العين من أعلاها و أسفلها ، و الجمع « أجفان و جفون و أجفن » . و « الحدقة » محرّكة ، سواد العين ، و تجمع على « حداق » كما في بعض النسخ ، و على « أحداق » كما في بعضها ، و إسدال جفونها لانقباضها و تأثر حاسّتها عن الضياء ، و قيل : لأنّ تحلّل الروح الحامل للقوّة الباصرة سبب للنوم أيضا فيكون ذلك الاسدال ضربا من النوم . و « الالتماس » الطلب . و « أسدف الليل » أي أظلم ، و في بعض النسخ : « أسداف » بفتح الهمزة جمع « سدف » بالتحريك كجمل و أجمال و هو الظلمة ، و الاضافة للمبالغة ، و الضمير في « فيه » راجع إلى الليل .

و « الغسق » بالتحريك ، ظلمة أوّل الليل ، و « الدجنّة » بضم الدال المهملة و الجيم و تشديد النون كحزقّة و الدجنّ كعتلّ ، الظلمة ، و حاصل الكلام التعجّب من كون حالها في الابصار و التماس الرزق على عكس سائر الحيوانات . و « قناع الشمس » كناية عن الظلمة أو ما يحجبها من الآفاق ، و « إلقاء القناع » طلوعها . و « الوضح » بالتحريك ،

البياض من كلّ شي‏ء و بياض الصبح و القمر ، و في بعض النسخ : « دخل من إشراق نورها » أي دخل الشي‏ء من إشراق نورها .

و « الضباب » بالكسر ، جمع « الضبّ » الدابّة المعروفة ، و « و جارها » بالكسر ،

جحرها الّذي تأوي إليه ، و من عادتها الخروج من و جارها عند طلوع الشمس لمواجهة

[ 89 ]

النور على عكس الخفافيش ، و « مأقيها » بفتح الميم و سكون الهمزة و كسر القاف و سكون الياء كما في أكثر النسخ ، لغة في « المؤق » بضمّ الميم و سكون الهمزة ، أي طرف عينها ممّا يلي الأنف ، و هو مجرى الدمع من العين ، و قيل : مؤخرها ، و قال الأزهريّ : أجمع أهل اللغة أنّ « المؤق و المأق » بالضمّ و الفتح ، طرف العين الّذي يلي الأنف ، و أنّ الّذي يلي الصدغ يقال له : اللحاظ ، و « المأقي » لغة فيه ، و قال ابن القطّاع : « مأقى العين » فعلى ، و قد غلط فيه جماعة من العلماء فقالوا : هو مفعل ، و ليس كذلك بل الياء في آخره للالحاق ، قال الجوهريّ : و ليس هو مفعل لأنّ الميم أصليّة و إنّما زيدت في آخره اليآء للالحاق ، و لما كان فعلى بكسر اللام نادرا لا اخت لها ألحق بمفعل ، و لهذا جمع على « مأقي » على التوّهم ، و في بعض النسخ : « مأقيها » على صيغة الجمع . و « تبلّغ بكذا » أي اكتفى . و « المعاش » ما يعاش به و ما يعاش فيه ، و مصدر بمعنى الحياة و المناسب ههنا الأوّل ، و فيما سيجي‏ء الثاني ، و في بعض النسخ : « ليلها » موضع « لياليها » .

و « السكن » بالتحريك ، ما تسكن إليه النفس و تطمئنّ . و « قرّ الشي‏ء » كفّر أي استقرّ بالمكان و الاسم « القرار » بالفتح ، و قيل : هو اسم مصدر [ 609 ] و « الشظيّة » الفلقة من الشي‏ء ، و فعيلة من قولك « تشظّت العصا » إذا صارت فلقا ،

و الجمع « شظايا » . و « القصب » الّذي في أسفل الريش للطيور .

و « الأعلام » جمع « علم » بالتحريك ، و هو طراز الثوب و رسم الشي‏ء و رقمه و « إعلاما » في المعنى كالتأكيد لبيّنة ، و كلمة « لها » غير موجودة في بعض النسخ ، فيكون قوله « جناحان » خبر مبتدء محذوف ، أي جناحاه لم يجعلا رقيقين بالغين في الرّقة و لا في الغلظ حذرا من الانشقاق و الثقل المانع من الطيران . و « لجأ إلى الشي‏ء » أي لاذو اعتصم به ، و وقوع الطير ضدّ ارتفاعه . و « أركان كلّ شي‏ء » جوانبه الّتي يستند إليها و يقوم بها . و « النهوض » التحرّك بالقيام ، و « نهض الطائر » إذا بسط جناحه ليطير ،

و « العيش » الحياة ، و « مصالح الشي‏ء » ما فيه صلاحه ضدّ الفساد . و « الباري‏ء » الخالق ، و « مثال الشي‏ء » شبهه ، و « خلا » أي مضى و سبق ، أي لم يخلق الأشياء على

[ 609 ] في النسخة المخطوطة : هو مصدر .

[ 90 ]

حذو خالق سبقه ، بل ابتدعها على مقتضى الحكمة و المصلحة .

قال الدميريّ : « الخفّاش » بضمّ الخاء و تشديد الفاء ، واحد « الخفافيش » التي تطير في الليل و هو غريب الشكل و الوصف ، و « الخفش » صغر العين و ضيق البصر ،

و « الأخفش » صغير العين ضعيف البصر ، و قيل : هو عكس الأعشى ، و قيل : هو من يبصر في الغيم دون الصحو ، و قال الجوهريّ : هو نوعان : ف « الأعشى » من يبصر نهارا لا ليلا و « العمش » ضعف الرؤية مع سيلان الدمع غالب الأوقات ، و العور معروف .

قال . البطليوسيّ : الخفّاش له أربعة أسماء : خفّاش و خشّاف و خطّاف و وطواط . و تسميته خفّاشا يحتمل أن يكون مأخوذا من الخفش ، و الأخفش في اللغة نوعان : ضعيف البصر خلقة ، و الثاني لعلّة حدثت ، و هو الّذي يبصر بالليل دون النهار و في يوم الغيم دون الصحو .

و ما ذكره من أنّ الخفّاش هو الخطاف فيه نظر ، و الحقّ أنّه صنفان . [ 610 ] و قال قوم : الخفّاش الصغير ، و الوطواط الكبير ، و هو لا يبصر في ضوء القمر و لا في ضوء النهار ، و لمّا كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الّذي لا يكون فيه ظلمة و لا ضوء و هو قريب غروب الشمس لأنّه وقت هيجان البعوض ، فانّ البعوض يخرج ذلك الوقت يطلب قوته و هو دماء الحيوان ، و الخفّاش يطلب الطعم [ 611 ] فيقع طالب رزق على طالب رزق ، و الخفّاش ليس هو من الطير في شي‏ء لأنّه ذو أذنين و أسنان و خصيتين [ 612 ] و يحيض و يطهر و يضحك كما يضحك الانسان و يبول كما تبول ذوات الأربع و يرضع ولده و لا ريش له .

قال بعض المفسرين : لمّا كان الخفّاش هو الّذي خلقه عيسى بن مريم عليه السلام باذن اللَّه تعالى ، كان مباينا لصنعة اللَّه تعالى و لهذا جميع الطير تقهره و تبغضه ، فما كان منها يأكل اللحم أكله و ما لا يأكل اللحم قتله ، فلذلك لا يطير إلاّ ليلا .

[ 610 ] في المصدر : صنفان و هو الوطواط .

[ 611 ] في المصدر : و الخفّاش يخرج طالبا للطعم .

[ 612 ] في المصدر : و خصيّتين و منقار .

[ 91 ]

و قيل : لم يخلق عيسى عليه السلام غيره لأنّه أكمل الطير خلقا و هو أبلغ في القدرة لأنّ له ثديا و أسنانا و أذنا [ 613 ] ، و قيل : إنّما طلبوا خلق الخفاش لأنّه من أعجب الطير [ 614 ] إذ هو لحم و دم يطير بغير ريش و هو شديد الطيران سريع التقلّب يقتات بالبعوض و الذباب و بعض الفواكه ، و هو مع ذلك موصف بطول العمر ، فيقال : إنّه أطول عمرا من النسر و من حمار الوحش ، و تلد أنثاه ما بين ثلاثة أفراخ و سبعة ، و كثيرا ما يسفد و هو طائر في الهواء ، و ليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره و القردو الانسان ،

و يحمله تحت جناحه ، و ربّما قبض عليه بفيه و هو من حنوه عليه و إشفاقه عليه ، و ربّما أرضعت الأنثى ولدها و هي طائرة ، و في طبعه أنّه متى أصابه ورق الدلب حذر و لم يطر ،

و يوصف بالحمق ، و من ذلك إذا قيل له : « اطرق كرا » التصق بالأرض . 615