تبيين :

« بلج الصبح » أي أضاء و أشرق ، و « المنهاج » الطريق ، و الظاهر أنّ الكلام في وصف الدين ، و « مناهجه » قوانينه ، و « سراجه الأنور » الرسول الهادي اليه و أوصياؤه صلوات اللَّه عليهم .

قال بعض شرّاح النهج : يريد بالايمان أوّلا مسمّاه اللغوي و هو التصديق ، قال اللَّه تعالى : « و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنا صادقين » 616 أي بمصدّق ، و ثانيا بمعناه الشرعيّ ، أي التصديق و الاقرار و العمل ، أي من حصل عنده التصديق بالوحدانيّة و الرسالة ، استدلّ بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه ، أو ندبه إليها ، و بأعماله الصالحة يعلم إيمانه ، و بهذا فرّ من الدور . [ 617 ] و قال بعضهم : الصالحات معلولات للايمان و ثمرات له ، فيستدلّ بوجوده في

-----------
( 616 ) يوسف : 17 .

[ 617 ] بل الصحيح أنّ الاستدلال ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفلاسفة و المتكلّمين ، بل هو بمعناه اللغويّ و هو الاستهداء و المراد أنّ الايمان يهدي إلى عمل الصالحات فيمن آمن و لم يكن ليعمل الصالحات ، كما أنّ الصالحات تهدي إلى الايمان بالله فيمن يعمل الصالحات و لم يكن ليؤمن باللَّه ، كما سيجي‏ء احتماله فيما بعد .

[ 93 ]

قلب العبد على ملازمته للصالحات استدلالا بالعلّة على المعلول و بصدورها عن العبد على وجوده في القلب استدلالا بالمعلول على العلّة .

و على هذا الوجه يكون الايمان في الموضعين بالمعنى اللغويّ ، و حينئذ يمكن أن يكون المعنى : يستدلّ بالايمان على الصالحات ، أو يكون الايمان دليلا للانسان نفسه ،

و قائدا يؤديه إلى فعل الصالحات ، و بأعماله الصالحة يعلم غيره أنّه من المؤمنين ،

فالاستدلال في الموضعين ليس بمعنى واحد .

و يمكن أن يراد بالثاني أن مشاهدة الأعمال الصالحة يؤدّي من يشاهدها إلى الايمان .

و يحتمل أن يكون المراد أنّ الايمان يهدي إلى صالح الأعمال ، و الأعمال الصالحة تورث كمال الايمان ، أو الايمان يقود الانسان إلى الأعمال الصالحة و الأعمال الصالحة الناشئة من حسن السريرة و خلوص النيّة تورث توفيق الكافر للايمان .

أو يستدلّ بايمان الرجل إذا علم على حسن عمله ، و بقدر أعماله على قدر إيمانه و كماله ، أو يستدلّ بكلّ منهما إذا علم على الآخر ، و هذا قريب من الثاني و الغرض بيان شدّة الارتباط و التلازم بينهما .

« و بالايمان يعمر العلم » فانّ العلم الخالي من الايمان كالخراب لا ينتفع به ،

و قيل : لأنّ حسن العمل من أجزاء الايمان ، و العلم بلا عمل كالخراب لا فائدة فيه .

« و بالعلم يرهب الموت » أي يخشى عقاب اللَّه بعد الموت كما قال اللَّه تعالى : إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَماءُ 618 .

« و بالموت تختم الدنيا » و الموت لا مهرب منه ، فلابدّ من القطع بانقطاع الدنيا ،

و لا ينبغي للعاقل أن تكون همّته مقصورة عليها .

« و بالدنيا تحرز الآخرة » أي تحاز و تجمع سعاداتهما ، فانّ الدنيا مضمار الآخرة و محلّ الاستعداد و اكتساب الزاد ليوم المعاد ، أو المراد بالدنيا الأموال و نحوها ، أي يمكن للانسان أن يصرف ما أعطاه اللَّه من المال و نحوه على وجه يكتسب به الآخرة . و « الزّلفة

-----------
( 618 ) الفاطر : 28 .

[ 94 ]

و الزّلفى » بالضم فيهما ، القربة . و « أبرزه الشي‏ء إبرازا و برّزه تبريزا » أي أظهره و كشفه .

و « الغاوي » العامل بما يوجب الخيبة أي بالقيامة أو فيها يقرب الجنّة للمتّقين ليدخلوها أو ليستبشروا بها ، و يكشف الغطاء عن الجحيم للضالين كما قال سبحانه : و أزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ، و بُرَّزَتِ الجَحيمُ لِلْغَاوِينَ 619 . قيل : و في اختلاف الفعلين دلالة على غلبة الوعد . و « القصر » بالفتح ، الغاية ، كالقصارى بالضم ، و « قصرت الشي‏ء » حبسته و « قصرت فلانا على كذا » رددته على شي‏ء دون ما أراد . كذا في العين : أي لا محبس للخلق أو لا غاية لهم دون القيامة أو لا مردّ لهم عنها .

و « أرقل » أي أسرع ، و « المضمار » موضع تضمير الفرس و مدّته ، و هو أن تعلفه حتّى يسمن ، ثمّ تردّه إلى القوت ، و فسّر المضمار بالميدان و هو أنسب بالمقام . 620