بيان

عد : اعتقادنا في البعث بعد الموت أنّه حق .

و قال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يا بني عبد المطلب إنّ الرائد [ 621 ] لا يكذب أهله ، و الّذي بعثني بالحقّ لتموتنّ كما تنامون ، و لتبعثنّ كما تستيقظون ، و ما بعد الموت دار إلاّ جنّة أو نار ، و خلق جميع الخلق و بعثهم على اللَّه عزّ و جلّ كخلق نفس واحدة و بعثها ، قال اللَّه تعالى ما خَلْقُكُمْ وَ لاَ بَعْثُكُمْ إلاّ كَنَفْس وَاحِدَةٍ 622 .

تذنيب : اعلم أنّ القول بالمعاد الجسمانيّ ممّا اتّفق عليه جميع الملّيّين و هو من ضروريات الدين و منكره خارج عن عداد المسلمين : و الآيات الكريمة في ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها ، و الأخبار فيه متواترة لا يمكن ردّها و لا الطعن فيها ، و قد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسّكا بامتناع إعادة المعدوم و لم يقيموا دليلا عليه ، بل تمسّكوا تارة بادّعاء البداهة و اخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة و اليقين و ترك تقليد الملحدين من المتفلسفين .

قال الرازيّ في كتاب نهاية العقول : قد عرفت أنّ من الناس من أثبت النفس الناطقة فلا جرم اختلف أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه أربعة : أحدها قول من قال : إنّ المعاد ليس إلاّ للنفس ، و هذا مذهب الجمهور من الفلاسفة ، و ثانيها : قول من قال : المعاد ليس إلاّ لهذا البدن ، و هذا قول نفاة النفس الناطقة و هم أكثر أهل الإسلام ، و ثالثها : قول من أثبت المعاد للأمرين و هم طائفة كثيرة من المسلمين مع أكثر النصارى ، و رابعها : قول من نفى المعاد عن الأمرين ، و لا أعرف عاقلا ذهب إليه . بلى ،

كان جالينوس من المتوقّفين في أمر المعاد .

و غرضنا إثبات المعاد البدني ، و للناس فيه قولان : أحدهما أنّ اللَّه تعالى

[ 621 ] « الرائد » هو الّذي يرسله القوم لطلب الماء و الكلاء لهم .

-----------
( 622 ) لقمان : 28 .

[ 96 ]

يعدم أجزاء الخلق ثمّ يعيدها ، و ثانيهما أنّه تعالى يميتهم و يفرّق أجزاءهم ، ثمّ إنّه تعالى يجمعها و يردّ الحياة إليها ، ثم قال : و الدليل على جواز الإعادة في الجملة أنّا قد دلّلنا فيما مضى أنّ اللَّه تعالى قادر على كلّ الممكنات ، عالم بكلّ المعلومات من الجزئيات و الكلّيّات ، و العلم بهذه الاصول لا يتوقّف على العلم بصحّة المعاد البدنيّ ،

و إذا كان كذلك أمكن الاستدلال بالسمع على صحّة المعاد ، لكنّا نعلم باضطرار إجماع الأنبياء صلوات اللَّه عليهم من أوّلهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدنيّ فوجب القطع بوجود هذا المعاد .

و قال العلاّمة رحمه اللَّه في شرح الياقوت : اتّفق المسلمون على اعادة الأجساد خلافا للفلاسفة . و اعلم أنّ الإعادة تقال بمعنيين : أحدهما جمع الأجزاء و تأليفها بعد تفرّقها و انفصالها ، و الثاني إيجادها بعد إعدامها ، و أمّا الثاني فقد اختلف الناس فيه و اختار المصنّف جوازه أيضا .

و قال العلاّمة الدواني في شرحه على العقائد العضديّة : و المعاد أي الجسماني فإنّه المتبادر عن إطلاق أهل الشرع ، إذ هو الّذي يجب الاعتقاد به ، و يكفر من أنكره حق بإجماع أهل الملل الثلاثة و شهادة نصوص القرآن في المواضع المتعدّدة ، بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى ا وَ لَمْ يَرَ الإنْسانُ . . . إلى قوله : « بِكُلِّ خَلْق عَليم 623 . قال المفسّرون : نزلت هذه الآية في ابيّ بن خلف خاصم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و أتاه بعظم قدرمّ و بلي ففتّه بيده و قال : يا محمّد أترى اللَّه يحيي هذه بعد مارم ؟ فقال صلّى اللَّه عليه و آله نعم و يبعثك و يدخلك النار .

و هذا ممّا يقلع عرق التأويل بالكليّة ، و لذلك قال الإمام : الإنصاف أنّه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي صلّى اللَّه عليه و آله و بين إنكار الحشر الجسماني . قلت : و لا الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقول الفلاسفة و بين الحشر الجسمانيّ لأنّ النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فيستدعي حشرها جميعا أبدانا غير متناهية ، و أمكنة غير متناهية و قد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان و باعترافهم ،

-----------
( 623 ) يس : 92 .

[ 97 ]

يحشر الأجساد و يعاد فيها الأرواح بإعادة البدن المعدوم بعينه عند المتكلّمين بل أكثرهم ، و بأن تجمع أجزاؤه المتفرّقة كما كانت أوّلا عند بعضهم ، و هم الّذين ينكرون جواز إعادة المعدوم موافقة للفلاسفة ، و إذا استحال إعادة المعدوم تعيّن الوجه الثاني و هو أن يكون بجمع الأجزاء المتفرّقة و تأليفها كما كانت أوّلا .

لا يقال : لو ثبت استحالة إعادة المعدوم لزم بطلان الوجه الثاني أيضا لأنّ أجزاء بدن الشخص كبدن زيد مثلا و إن لم يكن له جزء صوريّ لا يكون بدن زيد إلاّ بشرط اجتماع خاصّ و شكل معيّن ، فإذا تفرّقت أجزاؤه و انتفى الاجتماع و الشكل المعيّنان لم يبق بدن زيد ، ثمّ إذا اعيد فإمّا ان يعاد ذلك الاجتماع و الشكل بعينهما أولا ، و على الأوّل يلزم إعادة المعدوم ، و على الثاني لا يكون المعاد بعينه هو البدن الأوّل بل مثله ، و حينئذ يكون تناسخا ، و من ثمّ قيل : ما من مذهب إلاّ و للتناسخ فيه قدم راسخ .

لأنا نقول : إنّما يلزم التناسخ إذا لم يكن البدن المحشور مؤلفا من الأجزاء الأصليّة للبدن الأول ، أمّا إذا كان كذلك فلا يستحيل إعادة الروح إليه ، و ليس ذلك من التناسخ ، و إن سمّي ذلك تناسخا كان مجرّد اصطلاح ، فإنّ الّذي دلّ على استحالته تعلّق نفس زيد ببدن آخر لا يكون مخلوقا من أجزاء بدنه ، و أمّا تعلّقه بالبدن المؤلّف من أجزائه الأصليّة بعينها مع تشكّلها بشكل مثل الشكل السابق ، فهو الّذي نعنيه بالحشر الجسمانيّ ، و كون الشكل و الاجتماع غير السابق لا يقدح في المقصود و هو حشر الأشخاص الإنسانيّة بأعيانها ، فإنّ زيدا مثلا شخص واحد محفوظ وحدته الشخصيّة من أوّل عمره إلى آخره بحسب العرف و الشرع و لذلك يؤاخذ شرعا و عرفا بعد التبدّل بما لزمه قبل ، و كما لا يتوهم أنّ في ذلك تناسخا لا ينبغي أن يتوهم في هذه الصورة أيضا ، و إن كان الشكل مخالفا للشكل الأوّل كما ورد في الحديث أنّه قال : يحشر المتكبّرون كأمثال الذرّ ، و إنّ ضرس الكافر مثل احد ، و إنّ أهل الجنّة جرد مرد مكحولون . و الحاصل أنّ المعاد الجسمانيّ عبارة عن عود النفس إلى بدن هو ذلك البدن بحسب الشرع و العرف ،

و مثل هذه التبدّلات و المغايرات الّتي لا تقدح في الوحدة بحسب الشرع و العرف لا تقدح

[ 98 ]

في كون المحشور هو المبدأ ، فافهم .

و اعلم أنّ المعاد الجسمانيّ مما يجب الاعتقاد به و يكفر منكره ، أمّا المعاد الروحانيّ أعني التذاذ النفس بعد المفارقة و تألّمها باللذّات و الآلام العقليّة فلا يتعلّق التكليف باعتقاده و لا يكفر منكره و لا منع شرعا و لا عقلا من إثباته .

قال الإمام في بعض تصانيفه : أمّا القائلون بالمعاد الروحانيّ و الجسمانيّ معا ،

فقد أرادوا أن يجمعوا بين الحكمة و الشريعة فقالوا : دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح بمعرفة اللَّه تعالى و محبّته ، و أنّ سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات ، و الجمع بين هاتين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن لأنّ الإنسان مع استغراقه في تجلّي أنوار عالم القدس لا يمكنه أن يلتفت إلى شي‏ء من اللذّات الجسمانيّة ، و مع استغراقه في استيفاء هذه اللذّات لا يمكنه أن يلتفت إلى اللذّات الروحانيّة ، و إنّما تعذّر هذا الجمع لكون الأرواح البشريّة ضعيفة في هذا العالم ، فإذا فارقت بالموت و استمدّت من عالم القدس و الطهارة قويت قادرة على الجمع بين الأمرين ، و لا شبهة في أنّ هذه الحالة هي الحالة القصوى من مراتب السعادات . قلت : سياق هذا الكلام مشعر بأنّ إثبات الروحانيّ إنّما هو من حيث الجمع بين الشريعة و الفلسفة ، و إثباتهما ليس من المسائل الكلاميّة ،

و هذا كما أنّ الرئيس أبا عليّ مع إنكاره للمعاد الجسمانيّ على ما هو بسطه في كتاب المعاد و بالغ فيه و أقام الدليل بزعمه على نفيه ، قال في كتاب النجاة و الشفاء : إنّه يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع و لا سبيل إلى إثباته إلاّ من طرق الشريعة و تصديق خبر النبوّة و هو الّذي للبدن عند البعث ، و خيراته و شروره معلوم لا يحتاج إلى أن يعلم . و قد بسطت الشريعة الحقّة الّتي أتانا به سيّدنا و مولانا محمّد صلّى اللَّه عليه و آله حال السعادة و الشقاوة الّتي بحسب البدن ، و منه ما هو مدرك بالعقل و القياس البرهانيّ و قد صدّقه النبوّة و هو السعادة و الشقاوة الثابتتان بالقياس إلى نفس الأمر ، و إن كان الأوهام منّا تقصر عن تصوّرهما الآن . و سياق هذا الكلام مشعر بأنّ إثباته للمعاد الروحانيّ ليس من حيث الحكمة ، بل هو من حيث الشريعة ، فإنّ التمسك بالدلائل النقليّة ليس من وظائف الفلسفة ، فلا يتوهم أنّ إثباته من المسائل الحكمية و هو أراد أن

[ 99 ]

يجمع بين الفلسفة و الشريعة .

فذلكة : اعلم أنّ خلاصة القول في ذلك هو أنّ للناس في تفرّق الجسم و اتّصاله مذاهب : فالقائلون بالهيولى يقولون بانعدام الصورة الجسميّة و النوعيّة و بقاء الهيولى عند تفرّق الجسم . و النافون للهيولى و الجزء الّذي لا يتجزّى كالمحقّق الطّوسيّ رحمه اللَّه يقولون بعدم انعدام جزء من الجسم عند التفرّق ، بل ليس الجسم إلاّ الصورة و هي باقية في حال الاتّصال و الانفصال ، و كذا القائلون بالجزء يقولون ببقاء الأجزاء عند التفرّق و الاتّصال .

فأمّا على القول الأوّل ، فلا بدّ في القول بإثبات المعاد بمعنى عود الشخص بجميع أجزائه من القول بإعادة المعدوم ، و أمّا القائلون بالأخيرين ، فقد ظنّوا أنهم قد تفصّوا عن ذلك و يمكنهم القول بالحشر الجسمانيّ بهذا المعنى مع عدم القول بجواز إعادة المعدوم . و فيه نظر إذ ظاهر أنّه إذا احرق جسد زيد و ذرت الرياح ترابه لا يبقى تشخّص زيد و إن بقيت الصورة و الأجزاء ، بل لا بدّ في عود الشخص بعينه من عود تشخّصه بعد انعدامه كما مرّت الإشارة إليه ، نعم ذكر بعض المتكلّمين أنّ تشخّص الشخص إنّما يقوم بأجزائه الأصليّة المخلوقة من المني ، و تلك الأجزاء باقية في مدّة حياة الشخص و بعد موته و تفرّق أجزائه ،

فلا يعدم التشخّص ، و قد مضى ما يومى‏ء إليه من الأخبار ، و على هذا فلو انعدم بعض العوارض الغير المشخصة و اعيد غيرها مكانها لا يقدح في كون الشخص باقيا بعينه .

فإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ القول بالحشر الجسماني على تقدير عدم القول بامتناع إعادة المعدوم حيث لم يتمّ الدليل عليه بيّن لا إشكال فيه ، و أمّا على القول به ، فيمكن أن يقال : يكفي في المعاد كونه مأخوذا من تلك المادّة بعينها أو من تلك الأجزاء بعينها لا سيّما إذا كان شبيها بذلك الشخص في الصفات و العوارض بحيث لو رأيته لقلت : إنّه فلان إذ مدار اللذّات و الآلام على الروح و لو بواسطة الآلات ، و هو باق بعينه و لا تدلّ النصوص إلاّ على إعادة ذلك الشخص بمعنى أنّه يحكم عليه عرفا أنّه ذلك الشخص كما أنّه يحكم على الماء الواحد إذا أفرغ في إنائين أنّه هو الماء الّذي كان في إناء واحد عرفا و شرعا و إن قيل بالهيولي ، و لا يبتني الاطلاقات الشرعيّة و العرفيّة و اللغويّة على أمثال تلك الدقائق

[ 100 ]

الحكميّة و الفلسفيّة ، و قد أومأنا في تفسير بعض الآيات و شرح بعض الأخبار إلى ما يؤيّد ذلك ، كقوله تعالى : عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ 624 و قوله تعالى : بَدَّلْناهُمْ جُلُودا غَيْرَها 625 .

قال شارح المقاصد : اتّفق المحقّقون من الفلاسفة و الملّيّين على حقيقة المعاد ،

و اختلفوا في كيفيّته فذهب جمهور الفلاسفة إلى أنّه روحانيّ فقط لأن البدن ينعدم بصوره و أعراضه فلا يعاد ، و النفس جوهر مجرد باق لا سبيل إليه للفناء فيعود إلى عالم المجردات بقطع التعلّقات . و ذهب كثير من علماء الإسلام كالغزاليّ و الكعبيّ و الحليميّ و الراغب و القاضي أبو زيد الدبوسيّ إلى القول بالمعاد الروحانيّ و الجسمانيّ جميعا ذهابا إلى أنّ النفس جوهر مجرّد يعود إلى البدن ، و هذا رأي كثير من الصوفية و الشيعة و الكرّاميّة و به يقول جمهور النصارى و التناسخيّة .

قال الإمام الرازيّ : إلاّ أنّ الفرق أنّ المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى الأبدان لا في هذا العالم بل في الآخرة ، و التناسخيّة بقدمها و ردّها إليها في هذا العالم و ينكرون الآخرة و الجنّة و النار ، و إنّما نبّهنا على هذا الفرق لأنه جبلت على الطباع العاميّة أنّ هذا المذهب يجب أن يكون كفرا و ضلالا لكونه ممّا ذهب إليه التناسخيّة و النصارى و لا يعلمون أنّ التناسخيّة إنّما يكفرون لإنكارهم القيامة و الجنّة و النار و النصارى لقولهم بالتثليث . و أمّا القول بالنفوس المجردة ، فلا يرفع أصلا من اصول الدين ، بل ربما يؤيّده و يبيّن الطريق إلى إثبات المعاد بحيث لا يقدح فيه شبه المنكرين .

كذا في نهاية العقول .

و قد بالغ الإمام الغزاليّ في تحقيق المعاد الروحانيّ و بيان أنواع الثواب و العقاب بالنسبة إلى الروح حتّى سبق إلى كثير من الأوهام و وقع في ألسنة بعض العوامّ أنّه ينكر حشر الأجساد افتراء عليه . كيف و قد صرّح به في مواضع من كتاب الإحياء و غيره و ذهب إلى أنّ إنكاره كفر ؟ و إنّما لم يشرحه في كتبه كثير شرح لما قال : إنّه ظاهر

-----------
( 624 ) الاسراء : 99 و يس : 81 .

-----------
( 625 ) النساء : 56 .

[ 101 ]

لا يحتاج إلى زيادة بيان . نعم ، ربما يميل كلامه و كلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أنّ معنى ذلك أنّ يخلق اللَّه تعالى من الأجزاء المتفرّقة لذلك البدن بدنا فيعيد إليه نفسه المجرّدة الباقية بعد خراب البدن . و لا يضرّنا كونه غير البدن الأوّل بحسب الشخص و لا امتناع إعادة المعدوم بعينه ، و ما شهد به النصوص من كون أهل الجنّة جردا مردا و كون ضرس الكافر مثل جبل احد ، يعضد ذلك ، و كذا قوله تعالى : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودا غَيْرَها . و لا يبعد أن يكون قوله تعالى : أ و لِيْسَ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرْضَ بِقادِرٍ عَلَى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ 626 إشارة إلى هذا .

فإن قيل : فعلى هذا يكون المثاب و المعاقب باللذّات و الآلام الجسمانيّة غير من عمل الطاعة و ارتكب المعصية ، قلنا : العبرة في ذلك بالإدراك ، و إنّما هو للروح و لو بواسطة الآلات و هو باق بعينه ، و كذا الأجزاء الأصليّة من البدن ، و لذا يقال للشخص من الصباء إلى الشيخوخة : إنّه هو بعينه و إن تبدّلت الصور و الهيئات ، بل كثير من الأعضاء و الآلات ، و لا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب : إنّها عقوبة لغير الجاني . انتهى .

أقول : الأحوط و الأولى التصديق بما تواتر في النصوص و علم ضرورة من ثبوت الحشر الجسمانيّ و سائر ما ورد فيها من خصوصيّاته و عدم الخوض في أمثال ذلك ، إذ لم نكلّف بذلك . و ربّما أفضى التفكّر فيها إلى القول بشي‏ء لم يطابق الواقع و لم نكن معذورين في ذلك . و اللَّه الموفّق للحقّ و السداد في المبدء و المعاد . 627