الرسول الاعظم

فتأس ( 1972 ) بنبيّك الأطيب الأطهر صلّى اللَّه عليه و آله فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، و عزاء لمن تعزّى . و أحبّ العباد إلى اللَّه المتأسّي بنبيّه ، و المقتصّ لأثره . قضم الدّنيا قضما ( 1973 ) ، و لم يعرها طرفا أهضم ( 1974 ) أهل الدنيا كشحا ( 1975 ) ، و أخمصهم ( 1976 ) من الدّنيا بطنا ،

عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، و علم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، و حقّر شيئا فحقّره ، و صغّر شيئا فصغّره . و لو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض اللَّه و رسوله ، و تعظيمنا ما صغّر اللَّه و رسوله ، لكفى به شقاقا للَّه ، و محادّة ( 1977 ) عن أمر اللَّه . و لقد كان صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يأكل على الأرض ، و يجلس جلسة العبد ، و يخصف ( 1978 ) بيده نعله ، و يرقع بيده ثوبه ، و يركب الحمار العاري ( 1979 ) ،

و يردف ( 1980 ) خلفه ، و يكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : « يا فلانة لإحدى أزواجه غيّبيه عنّي ، فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها » . فأعرض عن الدّنيا بقلبه ، و أمات ذكرها

-----------
( 642 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 14 ، كتاب النبوّة ، ص 238 .

[ 115 ]

من نفسه ، و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ( 1981 ) ، و لا يعتقدها قرارا ، و لا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها .

من النّفس ، و أشخصها ( 1982 ) عن القلب ، و غيّبها عن البصر . و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه . و أن يذكر عنده .

و لقد كان في رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ما يدلّك على مساوى‏ء الدّنيا و عيوبها : إذ جاع فيها مع خاصّته ( 1983 ) ، و زويت عنه ( 1984 ) زخارفها مع عظيم زلفته ( 1985 ) . فلينظر ناظر بعقله : أكرم اللَّه محمّدا بذلك أم أهانه فإن قال : أهانه ، فقد كذب و اللَّه العظيم بالإفك العظيم ، و إن قال : أكرمه ، فليعلم أنّ اللَّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له ، و زوارها عن أقرب النّاس منه . فتأسّى متأسّ بنبيّه ، و اقتصّ أثره ، و ولج مولجه ، و إلاّ فلا يأمن الهلكة ،

فإنّ اللَّه جعل محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله علما للسّاعة ( 1986 ) ،

و مبشّرا بالجنّة ، و منذرا بالعقوبة . خرج من الدّنيا خميصا ( 1987 ) ،

و ورد الآخرة سليما . لم يضع حجرا على حجر ، حتّى مضى لسبيله ،

و أجاب داعي ربّه . فما أعظم منّة اللَّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، و قائدا نطأ عقبه ( 1988 ) و اللَّه لقد رقّعت مدرعتي ( 1989 ) هذه حتّى استحييت من راقعها . و لقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك ؟

[ 116 ]

فقلت : اغرب عنّي ( 1990 ) ، فعند الصّباح يحمد القوم السّرى ( 1991 )