و لنوضّح روايتي الصدوق و السيّد رضي اللَّه عنهما .

قال الفيروز آباديّ : دوران ابن اسد أبو قبيله فلا ينافي ما في النهج أنّه كان من بني أسد . و قال الجوهريّ : « ناط الشي‏ء ينوطه نوطا » علقه . قوله عليه السلام « ذمام الصهر » ، « الذمام » بالكسر ، الحرمة ، و أمّا كونه صهرا فقيل : لأنّ زينب بنت جحش زوجة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كانت أسدية . و نقل الراونديّ رحمه اللَّه أنّه كان متزوّجا في بني أسد ، و أنكره ابن أبي الحديد .

و قال في النهاية : في حديث عليّ عليه السلام « إنّك لقلق الوضين » ،

« الوضين » بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج ، أراد به أنّه سريع الحركة يصفه بالخفّة و قلّة الثبات ، كالحزام إذا كان رخوا . قوله عليه السلام « ترسل في غير سدد » ، « الإرسال » الإطلاق و الإهمال و التوجيه .

و « السدد و السداد » الاستقامة و الصواب ، أي تطلق عنان دابتك أو تهملها و توجّهها في غير مواضعها ، أي تتكلّم في غير موضع الكلام ، و تسأل مثل هذا الأمر الّذي لا يمكن التصريح بمخّ الحقّ فيه في مجمع الناس . و في رواية الصدوق : « عن ذي مسد » و « المسد » الحبل الممسود ، أي المفتول من نبات أو لحاء شجرة . و قيل : « المسد » المرود البكرة الّذي تدور عليه . ذكرهما في النهاية . فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم ، أي ترسل الكلام كما يرسل البكرة على المرود عند الاستقاء ، أو المعنى : تطلق حيوانا له مسد ربط به ، كناية عن التكلّم بماله مانع عن التكلّم به ، أو على المجهول ، أي تنطق بالكلام من غير تأمّل تصير معلّقا بالحبل بين السماء و الأرض لا تدري الحيلة فيه ، أو بتشديد الدّال ، أي ترسل الماء عن مجرى له محل سدّ أو وسد . و الأظهر أنّه تصحيف ، و فيما سيأتي من رواية المفيد من : « غير ذي مسدّد » و هو أظهر .

[ 122 ]

و « الاستبداد بالشي‏ء » التفرّد به . و الضمير في قوله عليه السلام « فإنّها » راجعة إلى الخلافة ، أو الدنيا لظهورهما بقرينة المقام ، و قيل : إلى الأثرة المفهومة من الاستبداد ، و هو بعيد . و في الأمالي : « امراة » و كأنّه تصحيف « إمرة » بالكسر ، أي إمارة . قوله عليه السلام « شحّت » أي بخلت . و « النفوس الشاحّة » نفوس أهل السقيفة . قوله عليه السلام و « المعود إليه » اسم مكان . و يروي : « يوم القيامة » بالنصب على أن يكون ظرفا ، و العامل فيه « المعود » على أن يكون مصدرا .

قوله عليه السلام « دع عنك نهبا صيح في حجراته » البيت لا مري‏ء القيس ،

و تمامه : و لكن حديثا ما حديث الرواحل .

و كان قصّة هذا الشعر أن امرأ القيس لمّا انتقل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة طىّ يقال له : طريف ، فأحسن جواره ، فمدحه ، و أقام عنده ، ثمّ إنّه خاف أن لا يكون له منعة فتحوّل و نزل على خالد بن سدوس النبهاني ، فأعادت بنوجديلة على امري‏ء القيس و هو في جوار خالد ، فذهبوا بإبله ، فلمّا أتاه الخبر ذكر ذلك لجاره فقال له : اعطني رواحلك ألحق عليها القوم فأردّ إبلك . ففعل ، فركب خالد في أثر القوم حتّى أدركهم ، فقال : يا بني جديلة أغرتم على إبل جاري ، فقالوا : ما هو لك بجار .

قال : بلى و اللَّه و هذا رواحله . قالوا : كذلك قال : نعم . فرجعوا إليه و أنزلوه عنهنّ و ذهبوا بهنّ و بالإبل . و قيل : بل انطوى خالد على الإبل فذهب بها ، فقال امري‏ء القيس : دع عنك . . . إلى آخر القصيدة .

و المعنى : « دع عنك نهبا » أي اتركه . و « النهب » الغنيمة . و « الحجرات » النواحي ، جمع « حجرة » كجمرة و جمرات . و « الصياح » صياح الغارة . و « الرواحل » جمع « راحلة » و هي الناقة الّتي تصلح لأن يشدّ الرحل على ظهرها . و انتصب « حديثا » بإضمار فعل ، أي حدّثني ، أوهات ، أو اسمع . و يروى بالرفع ، أي غرضي حديث ،

فحذف المبتدأ . و « ما » ههنا تحتمل أن تكون إبهاميّة و هي الّتي إذا اقترنت بنكرة زادته إبهاما ، أو صلة مؤكّدة كما في قوله تعالى : « فبما نقضهم ميثاقهم » 651 . و أمّا

-----------
( 651 ) النساء : 155 و المائدة : 13 .

[ 123 ]

« حديث » الثّاني فقد ينصب على البدل من الأوّل ، و قد يرفع على أن يكون ما موصولة وصلتها الجملة ، أي الّذي هو حديث الرواحل ، ثمّ حذف صدرها كما حذف في تماما على الّذي أحسن ، أو على أن تكون استفهامية بمعنى أيّ .

و قوله عليه السلام « و هلم الخطب » يؤيّد أنّه عليه السلام لم يستشهد إلاّ بصدر البيت ، فإنّه قائم مقام قول امري‏ء القيس « و لكن حديثا ما » . و « هلم » يستعمل لازما و متعدّيا ، فاللازم بمعنى « تعال » و يستوى فيه الواحد و الجمع و المذكر و المؤنّث في لغة أهل الحجاز ، و أهل نجد يقولون : هلمّا و هلموا . و المتعدي بمعنى « هات » ،

قال تعالى : « هلم شهداءكم » 652 . و هنا يحتمل الوجهين و إن كان الثاني أظهر ،

أي لا تسأل عن اللصوص الثلاثة الماضية فإنّهم نهبوا الخلافة و صاحوا في حجراته ،

و مضوا ، و لكن هات ما نحن فيه الآن من خطاب ابن أبي سفيان لنتكلّم فيه و نشتغل بدفعه ، فإنّه أعجب و أغرب ، و التعرّض له أهمّ . و « الخطب » الحادث الجليل ، و الأمر العظيم . قوله عليه السلام « بعد ابكائه » قيل : « الإبكاء » إشارة إلى ما كان عليه من الكابة لتقدّم الخلفاء . و الضحك للتعجّب من أنّ الدهر لم يقنع بذلك حتّى جعل معاوية منازعا له في الخلفاء . و الضحك للتعجّب من أنّ الدهر لم يقنع بذلك حتّى جعل معاوية منازعا له في الخلافة . و الأظهر أنّ كليهما في أمر معاوية أو في أمره و أمر من تقدّمه فإنّها محلّ للحزن و التعجّب معا .

و « الغرو » بالغين المعجمة المفتوحة و الرآء المهملة الساكنة ، العجب ، أي لا عجب . ثمّ فسّره بما بعده فقال : « يستفرغ العجب » أي لم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجّب ، و هذا من المبالغة في المبالغة ، أي هذا أمر يجلّ عن التعجّب ، كقول ابن هاني :

قد سرت في الميدان يوم طرادهم
فعجبت حتّى كدت لا أتعجّب

و « الأود » العوج ، و يحتمل أن يكون « لا غرو » معناه أنّ ما ورد عليّ ليس بعجب من تقلّبات الدنيا و أحوالها و قوّة الباطل و غلبة أهله فيها ، فيكون قوله عليه السلام « فياله » استينافا لاستعظام الأمر ، أو المعنى : لا غرو في أن أضحكني و أبكاني لأمر واحد .

-----------
( 652 ) الأنعام : 150 .

[ 124 ]

و أمّا رواية الصدوق ، فلعلّ المعنى : لا عجب إلاّ من جارتي و سؤالها عنّى لم لم تنتصر ممّن ظلمك ؟ هل كان لي أهل يعينني ، فاسأل عن ذلك ؟ أي مع علمك بتفرّدي و تخذّل النّاس عنّي ما كنت تحتاج إلى السؤال عن علّة الأمر . و « فوّار الينبوع » بالفتح و تشديد الواو ، و ثقب البئر ، و « الفوار » بالضمّ و التخفيف ، ما يفور من حرّ القدر ، و قري‏ء بهما و الأوّل أظهر . و « جدحوا » أي خلطوا و مزجوا و أفسدوا . و « الوبي‏ء » ذو الوباء و المرض .

و « الشرب » بالكسر ، الحظّ من الماء . و « الشّرب الوبي‏ء » هو الفتنة الحاصلة من عدم انقيادهم له عليه السلام كالشّرب المخلوط بالسمّ . قوله عليه السلام « فإن يرتفع » [ 653 ] أي بأن يتّبعوا أمري . 654