الطاووس

و من أعجبها خلقا الطّاووس الّذي أقامه في أحكم تعديل . و نضّد ألوانه في أحسن تنضيد ( 2066 ) ، بجناح أشرج قصبه ( 2067 ) ، و ذنب أطال مسحبه . إذا درج ( 2068 ) إلى الأنثى نشره من طيّه . و سما به ( 2069 ) مطلاّ على رأسه ( 2070 ) كأنّه قلع ( 2071 ) داريّ ( 2072 ) عنجه نوتيّه ( 2073 )

[ 132 ]

يختال ( 2074 ) بألوانه ، و يميس بزيفانه ( 2075 ) . يفضي ( 2076 ) كإفضاء الدّيكة ، و يؤرّ بملاقحه ( 2077 ) أرّ الفحول المغتلمة ( 2078 ) للضّراب ( 2079 ) .

أحيلك من ذلك على معاينة ( 2080 ) ، لا كمن يحيل على ضعيف إسناده .

و لو كان كزعم من يزعم أنّه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه ( 2081 ) ،

فتقف في ضفّتي ( 2082 ) جفونه ، و أنّ أنثاه تطعم ( 2083 ) ذلك ، ثمّ تبيض لا من لقاح ( 2084 ) فحل سوى الدّمع المنبجس ( 2085 ) ، لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب ( 2086 ) تخال قصبه ( 2087 ) مداري ( 2088 ) من فضّة ، و ما أنبت عليها من عجيب داراته ( 2089 ) و شموسه خالص العقيان ( 2090 ) و فلذ الزّبرجد ( 2091 ) . فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت : جنى ( 2092 ) جني من زهرة كلّ ربيع . و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل ( 2093 ) أو كمونق عصب اليمن ( 2094 ) . و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان ، قد نطّقت باللّجين المكلّل ( 2095 ) . يمشي مشي المرح المختال ( 2096 ) ، و يتصفّح ذنبه و جناحيه ، فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله ( 2097 ) ، و أصابيغ و شاحه ( 2098 ) ، فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا ( 2099 ) معولا ( 2100 ) بصوت يكاد يبين عن استغاثته ، و يشهد بصادق توجعه ، لأنّ قوائمه حمش ( 2101 ) كقوائم الديكة الخلاسيّة ( 2102 ) .

و قد نجمت ( 2103 ) من ظنبوب ( 2104 ) ساقه صيصية ( 2105 ) خفيّة ، و له في

[ 133 ]

موضع العرف قنزعة ( 2106 ) خضراء موشّاة ( 2107 ) . و مخرج عنقه كالإبريق ،

و مغرزها ( 2108 ) إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة ( 2109 ) اليمانيّة ، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال ( 2110 ) ، و كأنّه متلفّع بمعجر أسحم ( 2111 ) ،

إلاّ أنّه يخيّل لكثرة مائه ، و شدّة بريقه ، أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجة به . و مع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان ( 2112 ) ،

أبيض يقق ( 2113 ) ، فهو ببياضه في سواد ما هنا لك يأتلق ( 2114 ) . و قلّ صبغ إلاّ و قد أخذ منه بقسط ( 2115 ) ، و علاه ( 2116 ) بكثرة صقاله و بريقه ،

و بصيص ( 2117 ) ديباجه و رونقه ( 2118 ) ، فهو كالأزاهير المبثوثة ( 2119 ) ، لم تربّها ( 2120 ) أمطار ربيع ، و لا شموس قيظ ( 2121 ) . و قد ينحسر ( 2122 ) من ريشه ، و يعرى من لباسه ، فيسقط تترى ( 2123 ) ، و ينبت تباعا ،

فينحتّ ( 2124 ) من قصبه انحنات أوراق الأغصان ، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه ، لا يخالف سالف ألوانه ، و لا يقع لون في غير مكانه و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة ، و تارة خضرة زبر جديّة ، و أحيانا صفرة عسجديّة ( 2125 ) فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق ( 2126 ) الفطن ، أو تبلغه فرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين و أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه ، و الألسنة أن تصفه

[ 134 ]

فسبحان الّذي بهر ( 2127 ) العقول عن وصف خلق جلاّه ( 2128 ) للعيون ،

فأدركته محدودا مكونا ، و مؤلّفا ملوّنا ، و أعجز الألسن عن تلخيص صفته ، و قعد بها عن تأدية نعته