إيضاح

قوله عليه السلام « بهذا الأمر » أي الخلافة . « أقواهم عليه » أي أحسنهم سياسة و أشجعهم . و يدلّ على عدم جواز إمامة المفضول لا سيّما مع قوله عليه السلام « فإن شغب الخ » . و « الشغب » بالتسكين ، تهييج الشرّ ، و المراد بالاستعتاب طلب الرجوع بالمراسلة و الكلام و نحوهما .

قوله عليه السلام « لئن كانت الإمامة » قال ابن أبي الحديد : هذا تصريح بصحّة مذهب أصحابنا في أنّ الاختيار طريق إلى الإمامة ، و يبطل قول الإماميّة من دعوى النص ، و أنّه لا طريق إلى الإمامة سوى النصّ . 689 انتهى .

و فيه نظر ، أمّا أوّلا ، فلأنّه إنّما احتجّ عليهم بالإجماع إلزاما لهم لاتّفاقهم على العمل به في خلافة أبي بكر و أخويه ، و عدم تمسّكه عليه السلام بالنصّ لعلمه عليه السلام بعدم التفاتهم إليه ، كيف و قد أعرضوا عنه في أوّل الأمر مع قرب العهد بالرسول صلّى اللَّه عليه و آله و سماعهم منه .

و أمّا ثانيا ، فلأنّه عليه السلام لم يتعرّض للنصّ نفيا و إثباتا ، فكيف يكون مبطلا لما ادّعاه الإماميّة من النصّ ؟ و العجب أنّه جعل هذا تصريحا بكون الاختيار

-----------
( 689 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 329 ، ط بيروت .

[ 164 ]

طريقا إلى الإمامة ، و نفي الدلالة في قوله عليه السلام « إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر » على نفي إمامة المفضول مع قوله عليه السلام « فإن أبى قوتل » مع أنّه لم يصرّح بأنّ الإمامة تنعقد بالاختيار بل قال : إنّها لا تتوقّف على حضور عامّة الناس ، و لا ريب في ذلك . نعم ، يدلّ بالمفهوم عليه و هذا تقيّة منه عليه السلام ، و لا يخفى على من تتبع سيره عليه السلام إنّه لم يكن يمكنه إنكار خلافتهم و القدح فيها صريحا في المجامع ، فلذا عبّر بكلام موهم لذلك . و قوله عليه السلام « و أهلها يحكمون » و إن كان موهما له أيضا لكن يمكن أن يكون المراد بالأهل الأحقّاء بالإمامة . و لا يخفى على المتأمّل أنّ ما مهّده عليه السلام أوّلا بقوله « إنّ أحقّ الناس أقواهم » يشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختيار الغائب إنّما هو في صورة الاتّفاق على الأحقّ دون غيره ،

فتأمّل .

قوله عليه السلام « رجلا ادّعى » كمن ادّعى الخلافة ، و « آخر منع » كمن لا يطيع الإمام ، أو يمنع حقوق اللَّه و « خير عواقب الأمور » عاقبة كلّ شي‏ء آخره ،

و التقوى خير ما ختم به العمل في الدنيا ، أو عاقبتها خير العواقب .

قوله عليه السلام « هذا العلم » بكسر العين أو بالتحريك كما في بعض النسخ ، فعلى الأوّل المعنى : أنّه لا يعلم وجوب قتال أهل القبلة و موقعه و شرائطه ، و على الثاني إشارة إلى حرب أهل القبلة و القيام به ، و يحتمل على بعد أن يراد به الإمامة المشار إليها بقوله « إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر » فيكون إشارة إلى بطلان خلافة غير أهل البصر و الصبر و العلم بمواقع الحقّ .

قال ابن أبي الحديد : و ذلك لأنّ المسلمين عظم عندهم حرب أهل القبلة و أكبروه ، و من أقدم منهم عليه أقدم مع خوف و حذر . قال الشافعيّ : لو لا عليّ عليه السلام لما علم شي‏ء من أحكام أهل البغي .

قوله عليه السلام « فإنّ لنا » قال ابن ميثم : أي إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغييرا ، أي قوّة على التغيير ، إن لم يكن في ذلك الأمر مصلحة في نفس الأمر ، فلا تتسرّعوا إلى إنكار أمر نفعله حتّى تسألوا عن فائدته فإنّه يمكن أن يكون إنكاركم لعدم علمكم

[ 165 ]

بوجهه . و قال ابن أبي الحديد : أي لست كعثمان أصبر على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغيّر كلّما ينكره المسلمون ، و يقتضى الحال و الشرع تغييره . انتهى .

و يمكن أن يكون المعنى : إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغييرا ، أي ما يغيّر إنكاركم و يمنعكم عنه من البراهين الساطعة و الأعمّ منها ، و من السيوف القاطعة إن لم ينفعكم البراهين . و في ذكر أغضاب الدنيا توبيخ لأهلها بالرغبة في شي‏ء لا يراعى حقّهم كما قال عليه السلام : « رغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس » . و غرور الدنيا بتزيين الزخارف لأهلها و إغفالهم عن الفناء و تحذيرها بما أراهم من الفناء و فراق الأحبّة و نحو ذلك . و الدار الّتي دعوا إليها هي الجنّة . قوله عليه السلام « و لا يخنّنّ أحدكم » ،

« الخنين » بالخاء المعجمة ، ضرب من البكاء دون الانتخاب ، و أصله خروج الصوت من الأنف كالحنين من الفم . و يروى بالمهملة أيضا . و اضافته إلى الأمة لأنّ الإماء كثيرا ما يبكين و يسمع الخنين منهنّ ، و الحرّة تأنف من البكاء و الحنين . و « زواه عنه » صرفه و قبضه ، و في بعض النسخ : « ما زوى عنه » أي عن أحدكم ، و لعلّه أظهر . و « الصبر على الطاعة » حبس النفس عليها . كقوله تعالى : و اصبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدَعُونَ رَبَّهُمْ 690 ، أو عدم الجزع من شدّتها ، أو من البلايا إطاعة للَّه ، و على أي حال هو الشكر الموجب للمزيد فيه بطلب تمام النعمة . و « من » في قوله « من كتابه » بيان ل « ما » .

و « القائمة » واحدة « قوائم » الدوابّ ، و « قائمة السيف » مبقضه . و لعلّ المراد بقائمة الدين أصوله و ما يقرب منها ، و يحتمل أن تكون الإضافة بيانيّة فإنّ الدين بمنزلة القائمة لأمور الدنيا و الآخرة . 691 .

-----------
( 690 ) الكهف : 28 .

-----------
( 691 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 721 ، ط كمپاني و ص 668 ، ط تبريز .

[ 166 ]