[ هذا بيان آخر في شرح جزء من الخطبة : ]

إيضاح : « الدالّ على قدمه بحدوث خلقه » فيه و فيما بعده دلالة على أنّ علّة الفاقة إلى المؤثّر الحدوث ، و أنّه لا يعقل التأثير في الأزليّ القديم . [ 743 ] و كذا قوله « مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته » .

يد ، ن : حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ رضوان اللَّه عليه قال : حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عليّ العدويّ ، قال :

-----------
( 741 ) فصّلت : 11 .

-----------
( 742 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 64 ، كتاب السماء و العالم ، ص 40 46 .

[ 743 ] الحدوث و القدم قد يستعملان بمعنى المسبوقيّة بالعدم الذاتي و مقابلها ، و قد يستعملان بمعنى المسبوقيّة بالعدم الزماني

[ 215 ]

حدثنا الهيثم بن عبد اللَّه الرمانيّ ، قال : حدّثني عليّ بن موسى الرضا ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر ابن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ عليهم السلام ، قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة ، فقال :

الحمد للَّه الّذي لا من شي‏ء كان ، و لا من شي‏ء كون ما قد كان ، المستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه ، لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّة ، و لاله شبح مثال فيوصف بكيفيّة ، و لم يغب عن شي‏ء فيعلم بحيثيّة ، مبائن لجميع ما أحدث في الصفات ،

و ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات ، و خارج بالكبرياء و العظمة من جميع تصرّف الحالات ، محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده ، و على عوامق ثاقبات

و مقابلها . فإن كان المراد بهما في كلامه عليه السلام المعنى الأوّل كان المعنى أنّ العالم لمكان إمكانه يدلّ على وجود الواجب ، و إن كان المراد بالحدوث الزماني و بالقدم القدم الذاتيّ كان المعنى أن الحدوث الزماني في الزمانيات دليل على وجود الواجب ، و ذلك لأنّ الحدوث تغيّر و التغيّر يختصّ بالممكن و الممكن يحتاج إلى الواجب ، و أيضا الحادث مسبوق بالعدم و كلّ ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب ، و إن كان المراد بهما الحدوث و القدم الزمانيّين كان المعنى أنّ الحدوث الزمانيّ في الزمانيّات يدلّ على كون الواجب قديما غير مقيّد بالزمان و ذلك لأنّ الحدوث نقص و محدوديّة و وجود الواجب تامّ و فوق التمام ، فلا يتّصف به ، و إن كان المراد بالحدوث ، الحدوث الذاتيّ و بالقدم ، القدم القدم الزمانيّ كان المعنى أنّ إمكان الخلق يدلّ على قدم الواجب و عدم تقيّده بالزمان ، لكنّه في غاية البعد . و على الأوّلين فكلامه عليه السلام ناظر إلى إثبات الواجب و على الآخرين فناظر إلى إثبات قدمه . و على كلّ حال فلا يستفاد من كلامه عليه السلام أنّ ما يحتاج إلى العلّة ينحصر في الحادث الزمانيّ بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب . فتأمّل . و أمّا تحقيق القول في أنّ ملاك الاحتياج إلى العلّة هل هو الحدوث أو الإمكان ، فله محلّ آخر .

و أمّا النكتة في جعله عليه السلام « الدالّ » صفة له سبحانه لا لخلقه مع أنّ الظاهر أنّ الخلق يدلّ بحدوثه على قدم الواجب ،

فهي أنّ الّذي يدلّ الناس إلى الحقّ حقيقة هو الحقّ سبحانه كما في الدعاء المأثور : « و أنت دلّلتني عليك و دعوتني إليك » ،

و يدلّ على ذلك روايات كثيرة و أدعية مأثورة و وجوه عقليّة يضيق المجال عن ذكرها .

[ 216 ]

الفكر تكييفه ، و على غوائص سابحات النظر تصويره ، لا تحويه الأماكن لعظمته ، و لا تذرعه المقادير لجلاله ، و لا تقطعه المقائيس لكبريائه ، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ،

و عن الأفهام أن تستغرقه ، و عن الأذهان أن تمتثله . قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، و نضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم ، و رجعت بالصغر عن السموّ إلى وصف قدرته لطائف الخصوم . واحد لا من عدد ، و دائم لا بأمد ، و قائم لا بعمد ، و ليس بجنس فتعادله الأجناس ، و لا بشبح فتضارعه الأشباح ، و لا كالأشياء فتقع عليه الصفات . قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه ، و تحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته ، و حصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته ،

و غرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته . مقتدر بالآلاء ، و ممتنع بالكبرياء ، و متملّك على الأشياء ، فلا دهر يخلقه ، و لا وصف يحيط به . قد خضعت له رواتب الصعاب في محلّ تخوم قرارها ، و أذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها .

مستشهد بكليّة الأجناس على ربوبيّته ، و بعجزها على قدرته ، و بفطورها على قدمته ،

و بزوالها على بقائه ، فلا لها محيص عن إدراكه إيّاها ، و لا خروج من إحاطته بها ، و لا احتجاب عن إحصائه لها ، و لا امتناع من قدرته عليها ، كفى بإتقان الصنع لها آية ،

و بمركب الطبع عليها دلالة ، و بحدوث الفطر عليها قدمة ، و باحكام الصنعة لها عبرة ،

فلا إليه حدّ منسوب ، و لا له مثل مضروب ، و لا شي‏ء عنه بمحجوب ، تعالى عن ضرب الأمثال و الصفات المخلوقة علوّا كبيرا ، و أشهد أن لا إله إلاّ هو إيمانا بربوبيّته ،

و خلافا على من أنكره ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و المقرّ في خير مستقرّ ، المتناسخ من أكارم الأصلاب و مطهّرات الأرحام ، المخرج من أكرم المعادن محتدا ، و أفضل المنابت منبتا ، من أمنع ذروة [ 744 ] و أعزّ أرومة ، من الشجرة الّتي صاغ اللَّه منها أنبياءه [ 745 ] ، و انتجب منها أمناءه ، الطيّبة العود ، المعتدلة العمود ، الباسقة الفروع ،

[ 744 ] « أمنع » من « منع جاره » أي حامى عنه و صانه من أن يضام ، أو من « منع الحصن » أي تعسّر الوصول إليه ، يقال :

« مكان منيع » و يقال : « امرأة منيعة » كناية عن العفيفة . و « الذروة » بضمّ الذال و كسرها و سكون الراء ، العلوّ و المكان المرتفع و أعلى الشي‏ء . و لعلّه إشارة إلى شرف والدته صلّى اللَّه عليه و آله و مجدها و علوّ نسبها و حسبها و قداستها و شدّة عفّتها .

[ 745 ] « صاغ الشي‏ء » هيّأه على مثال مستقيم .

[ 217 ]

الناضرة الغصون [ 746 ] ، اليانعة الثمار ، الكريمة الحشا [ 747 ] ، في كرم غرست [ 748 ] و في حرم أنبتت [ 749 ] ، و فيه تشعّبت و أثمرت و عزّت و امتنعت فسمت به و شمخت حتّى أكرمه اللَّه عزّ و جلّ بالروح الأمين و النور المنير ، و الكتاب المستبين ، و سخّر له البراق ، و صافحته الملائكة ، و أرعب به الأبالس ، و هدم به الأصنام و الآلهة المعبودة دونه ، سنّته الرشد ، و سيرته العدل ، و حكمه الحقّ ، صدع بما أمره ربّه ، و بلّغ ما حمّله ،

حتّى أفصح بالتوحيد دعوته ، و أظهر في الخلق أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له ،

حتّى خلصت الوحدانيّة و صفت الربوبيّة [ 750 ] ، و أظهر اللَّه بالتوحيد حجّته ، و أعلى بالاسلام درجته ، و اختار اللَّه عزّ و جلّ لنبيّه ما عنده من الروح و الدرجة و الوسيلة . صلّى اللَّه عليه و على آله الطاهرين .

بيان : قوله عليه السلام « و لا من شي‏ء كوّن ما قد كان » ردّ على من يقول بأنّ كلّ حادث مسبوق بالمادّة . « المستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته » ،

« الاستشهاد » طلب الشهادة أي طلب من العقول بما بيّن لها من حدوث الأشياء الشهادة على أزليّته ، أو من الأشياء أنفسها بأن جعلها حادثة فهي بلسان حدوثها تشهد

[ 746 ] « نضر الشجر » أخضر و حسن و كان جميلا .

[ 747 ] « الحشا » ما انضمّت عليه الضلوع . ما في البطن . و الجمع « الأحشاء » . و يقال : « فلان في حشا فلان » أي في كنفه ،

و « فلان خيرهم حشا » أي رعاية .

[ 748 ] « الكرم » بفتح الكاف و الراء ، صفة بمعنى الكريم و الطيب ، يستوي فيه المذكّر و المؤنّث و المفرد و الجمع ، يقال : رجل كرم و نساء كرم و أرض كرم . و بسكون الراء يأتي بمعنى أرض منقاة من الحجارة .

[ 749 ] « الحرم » بفتح الحاء و الراء ، مصدر بمعنى ما يحميه الرجل و يدافع عنه ، و بالضمّتين جمع « الحريم » كلّ موضع تجب حمايته ،

و « حريم الرجل » ما يدافع عنه و يحميه ، و منه سمّيت نساء الرجل بالحريم .

[ 750 ] أي خلصت و نقيت .

[ 218 ]

على أزليّته ، و المعنى على التقديرين أنّ العقل يحكم بأنّ كلّ حادث يحتاج إلى موجد ،

و أنّه لا بدّ من أن تنتهي سلسلة الاحتياج إلى من لا يحتاج إلى موجد فيحكم بأنّ علّة العلل لا بدّ أن يكون أزليّا ، و إلاّ لكان محتاجا إلى موجد آخر بحكم المقدّمة الأولى .

« و بما و سمها به من العجز على قدرته » ، « الوسم » الكليّ ،

شبّه عليه السلام ما أظهر عليها من آثار العجز و الإمكان و الاحتياج بالسمة الّتي تكون على العبيد و النعم و تدلّ على كونها مقهورة مملوكة . « و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه » إذ فناؤها يدلّ على إمكانها و حدوثها فيدلّ على احتياجها إلى صانع ليس كذلك .

« لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّة » أي ليس ذا مكان حتى يكون في مكان دون مكان كما هو من لوازم المتمكّنات فيدرك بأنّه ذو أين و مكان ، بل نسبة المجرّد إلى جميع الأمكنة على السواء ، و لم يخل منه مكان من حيث الإحاطة العلمية و العلّيّة و الحفظ و التربية ، أو أنّه لم يخل منه مكان حتّى يكون إدراكه بالوصول إلى مكانه بل آثاره ظاهرة في كلّ شي‏ء . « و لا له شبح مثال فيوصف بكيفيّة » إضافة الشبح بيانيّة ،

أي ليس له شبح مماثل له لا في الخارج و لا في الأذهان فيوصف بأنّه ذو كيفيّة من الكيفيّات الجسمانيّة أو الإمكانيّة و يحتمل أن يكون المراد بالكيفيّة الصورة العلميّة .

« و لم يغب عن شي‏ء فيعلم بحيثيّة » أي لم يغب عن شي‏ء من حيث العلم حتى يعلم أنّه ذو حيث و مكان إذ شأن المكانيّات أن يغيبوا عن شي‏ء فلا يحيطوا به علما فيكون كالتأكيد للفقرة السابقة ، و يحتمل أن يكون « حيث » هنا للزمان ، قال ابن هاشم : قال الأخفش : و قد ترد « حيث » للزمان ، أي لم يغب عن شي‏ء بالعدم ليكون وجوده مخصوصا بزمان دون زمان ، و يحتمل على هذا أن يكون إشارة إلى ما قيل من أنّه تعالى لمّا كان خارجا عن الزمان فجميع الازمنة حاضرة عنده كخيط مع ما فيه من الزمانيّات و إنّما يغيب شي‏ء عمّا لم يأت إذا كان داخلا في الزمان . و يحتمل أن تكون الحيثية تعليليّة أي لم يجهل شيئا فيكون علمه به معلّلا بعلّة ، و على هذا يمكن أن يقرأ « يعلم » على بناء المعلوم . و في التوحيد : لم يغب عن علمه شي‏ء .

[ 219 ]

« و ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات » أي أظهر بما أبدع من الذوات المتغيّرة المنتقلة من حال إلى حال أنّه يمتنع إدراكه إمّا لوجوب وجود المانع من حصول حقيقته في الأذهان لما مرّ ، أو لأنّ حصوله فيها يستلزم كونه كسائر الذوات الممكنة محلاّ للصفات المتغيّرة فيحتاج إلى صانع ، أو لأنّ العقل يحكم بمباينة الصانع للمصنوع في الصفات فلا يدرك كما تدرك تلك الذوات ، و يحتمل أن يكون الظرف متعلّقا بالادراك ، أي يمتنع عن أن يدرك بخلقه أي بمشابهتها ، أو بالصور العلميّة الّتي هي مخلوقة له .

« من جميع تصرّف الحالات » أي الصفات الحادثة المتغيّرة . « محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده » ، « البوارع » جمع « البارعة » و هي الفائقة . و « النقب » الثقب ، و لعلّ المراد بالتحديد العقليّ ، و يحتمل الأعمّ . و « الثاقبات » النافذات أو المضيئات . و « التكييف » إثبات الكيف له أو الإحاطة بكيفيّة ذاته و صفاته أي كنهها . و كذا « التصوير » إثبات الصورة ، أو تصوّره بالكنه ، و الأخير فيهما أظهر .

قوله « لعظمته » أي لكونه أعظم شأنا من أن يكون محتاجا إلى المكان .

قوله عليه السلام « لجلاله » أي لكونه أجلّ قدرا عن أن يكون ذا مقدار .

قوله عليه السلام « و لا تقطعه » من « قطعه » كسمعه أي أبانه ، أو من « قطع الوادي و قطع المسافة » ، و « المقائيس » أعمّ من المقائيس الجسمانيّة و العقلانيّة . و « الكنه » بالضمّ ، جوهر الشي‏ء و غايته و قدره و وقته و وجهه ، و « اكتنهه و أكنهه » بلغ كنهه ، ذكره الفيروز آباديّ .

قوله عليه السلام « أن تستغرقه » قال الفيروز آباديّ : « استغرق » استوعب ، و في التوحيد : « أن تستعرفه » أي تطلب معرفته . قوله عليه السلام « أن تمتثله » قال الفيروز آباديّ : « امتثله » تصوّره ، و في التوحيد : « تمثّله » . قوله « من استنباط » أي استخراج الإحاطة به و بكنهه . « طوامح العقول » أي العقول الطامحة الرفيعة ، و كلّ مرتفع طامح .

قوله عليه السلام « و نضبت » يقال : « نضب الماء نضوبا » أي غار أي

[ 220 ]

يبست بحار العلوم قبل أن تشير إلى كنه ذاته ، أو تبيّن غاية صفاته . قوله « بالصغر » بالضمّ ، أي مع الذلّ . و « السموّ » الارتفاع و العلوّ ، و لعلّ إضافة اللطائف إلى الخصوم ليست من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف ، بل المراد المناظرات اللطيفة بينهم ،

أو فكرهم الدقيقة ، أو عقولهم و نفوسهم اللّطيفة .

قوله عليه السلام « واحد لا من عدد » أي من غير أن يكون فيه تعدّد ، أو من غير أن يكون معه ثان من جنسه . و « الأمد » الغاية ، و « العمد » بالتحريك ، جمع « العمود » أي ليس قيامه قياما جسمانيّا يكون بالعمد البدنيّة أو بالاعتماد على الساقين ، أو أنّه قائم باق من غير استناد إلى سبب يعتمد عليه و يقيمه كسائر الموجودات الممكنة . قوله عليه السلام « ليس بجنس » أي ذا جنس ، فيكون ممكنا معادلا لسائر الممكنات الداخلة تحت جنسه أو أجناسها . و « الشبح » بالتحريك ،

الشخص ، و جمعه أشباح . و « المضارعة » المشابهة : و قال الجزريّ : « التيّار » موج البحر و لجّته . انتهى . و « حصر الرجل » كعلم تعب ، و « حصرت صدورهم » ضاقت ،

و كلّ من امتنع من شي‏ء لم يقدر عليه فقد حصر عنه ، ذكرها الجوهريّ . و « الاستشعار » لبس الشعار و الثوب الّذي يلي الجسد كناية عن ملازمة الوصف ، و يحتمل أن يكون المراد به هنا طلب العلم و الشعور . و « الملكوت » الملك و العزّة و السلطان .

قوله عليه السلام « بالآلاء » أي عليها . و « التملّك » الملك قهرا ، و ضمّن معنى التسلّط و الاستيلاء ، و في بعض نسخ التوحيد : مستملك . قوله « يخلقه » من باب الإفعال من « الخلق » ضدّ الجديد . و « الراتب » الثابت ، و « الصعب » نقيض الذلول ، و « التخم » منتهى الشي‏ء ، و الجمع « التخوم » بالضمّ . و « الرصين » المحكم الثابت ، و « أسباب السماء » مراقيها أو نواحيها أو أبوابها ، و « الشاهق » المرتفع من الجبال و الأبنية و غيرها . فرواتب الصعاب إشارة إلى الجبال الشاهقة الّتي تشبه الإبل الصعاب حيث أثبتها بعروقها إلى منتهى الأرض ، و يحتمل أن تكون إشارة إلى جميع الأسباب الأرضيّة من الأرض و الجبال و الماء و الثور و السمكة و الصخرة و غيرها حيث

[ 221 ]

أثبت كلاّ منها في مقرّها بحيث لا يزول عنه و لا يتزلزل و لا يضطرب . و إنّما عبّر عنها بالصعاب إشارة إلى أنّ من شأنها أن تضطرب و تزلزل لو لا أنّ اللَّه أثبتها بقدرته . و رواصن الأسباب إشارة إلى الأسباب السماويّة من الأفلاك و الكواكب حيث رتّبها على نظام لا يختلّ و لا يتبدّل و لا يختلف ، و لذا أورد عليه السلام في الأوّل التخوم و في الثاني الشواهق . و ما بعد ذلك من الفقرات مؤكّدة لما مرّ . و « الإدراك و الإحاطة و الإحصاء » كلّ منها يحتمل أن يكون بالعلم أو بالقدرة و العلّيّة و القهر و الغلبة ، أو بالمعنى الأعمّ ، أو بالتوزيع .

قوله عليه السلام « كفى بإتقان الصنع » البآء زائدة أي كفى إحكام صنعه تعالى للأشياء لكونها آية لوجوده و صفاته الكماليّة . و « المركب » مصدر ميميّ بمعنى الركوب ، أي كفى ركوب الطبائع و غلبتها على الأشياء للدلالة على من جعل الطبائع فيها و جعلها مسخّرة لها ، و يحتمل أن يكون اسم مفعول من التركيب كما يقال : « ركّبت الفصّ في الخاتم أو عليه » ، أي كفى الطبع الّذي ركّب على الأشياء دلالة على مركّبها . و على التقديرين ردّ على الطبيعيّين المنكرين للصانع بإسناد الأشياء إلى الطبائع . و « الفطر » الخلق و الابتداء و الاختراع ، و يحتمل أن يكون هنا « الفطر » بكسر الفاء و فتح الطاء على صيغة الجمع ، أي كفى حدوث الخلق على الأشياء دلالة على قدمه .

قوله عليه السلام « فلا إليه حدّ » أي ليس له حدّ ينسب إليه . قوله « إيمانا » حال أو مفعول لأجله ، و كذا قوله « خلافا » . قوله عليه السلام « المقرّ » على صيغة المفعول ، و « خير مستقرّ » المراد به إمّا عالم الأرواح أو الأصلاب الطاهرة أو أعلى علّيّين بعد الوفاة .

قوله « المتناسخ » أي المتزايل و المنتقل . و « المحتد » بكسر التاء ، الأصل ،

يقال : « فلان في محتد صدق » ذكره الجوهريّ . و « المنبت » بكسر الباء ، موضع النبات . و « الأرومة » بفتح الهمزة و ضمّ الراء ، أصل الشجرة و « بسق النخل بسوقا »

[ 222 ]

طال ، و منه قوله تعالى : « و النّخل باسقات » 751 . و « اليانع » النضيج . و « الحشا » واحد أحشاء البطن ، و المراد هنا داخل الشجرة و يحتمل أن يكون من قولهم « أنا في حشاه » أي في كنفه و ناحيته . و « سمت و شمخت » كلاهما بمعنى ارتفعت .

و الباء في قوله « به » لتعديتهما . و المراد بالشجرة ، الإبراهيميّة ، ثمّ القرشيّة ، ثمّ الهاشميّة . و « صدع بالحقّ » تكلّم به جهارا . و « الإفصاح » البيان بفصاحة ، أي أظهر دعوته متلبّسا بالتوحيد ، و يمكن أن تقرأ « دعوته » بالرفع ليكون فاعل الإفصاح و الضمير في قوله « حجّته و درجته » راجع إلى الرسول . 752