186 و من خطبة له عليه السلام في التوحيد ، و تجمع هذه الخطبة من اصول العلم ما لا تجمعه خطبة

ما وحّده من كيّفه ، و لا حقيقته أصاب من مثّله ، و لا إيّاه عنى من شبّهه ، و لا صمده ( 2388 ) من أشار إليه و توهّمه . كل معروف بنفسه مصنوع ( 2389 ) ، و كلّ قائم في سواه معلول . فاعل لا باضطراب آلة .

مقدّر لا بجول فكرة ، غنيّ لا باستفادة . لا تصحبه الأوقات ، و لا ترفده ( 2390 ) الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، و العدم وجوده ، و الابتداء أزله . بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ( 2391 ) ، و بمضادّته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له ، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين 751 ق : 10 .

752 بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 4 ، كتاب التوحيد ، ص 221 .

[ 223 ]

له . ضادّ النّور بالظّلمة ، و الوضوح بالبهمة ، و الجمود بالبلل ،

و الحرور بالصّرد ( 2392 ) . مؤلّف بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ،

مقرّب بين متباعداتها ، مفرّق بين متدانياتها ( 2393 ) . لا يشمل بحدّ ،

و لا يحسب بعدّ ، و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، و تشير الآلات إلى نظائرها . منعتها « منذ » القدمة . و حمتها « قد » الأزليّة ، و جنّبتها « لو لا » التّكملة ( 2394 ) بها تجلّى صانعها للعقول ، و بها امتنع عن نظر العيون ،

و لا يجزي عليه السّكون و الحركة ، و كيف يجري عليه ما هو أجراه ،

و يعود فيه ما هو ابداه ، و يحدث فيه ما هو احدثه إذا لتفاوتت ذاته ( 2395 ) ، و لتجزّأ كنهه ، و لامتنع من الأزل معناه ، و لكان له وراء إذ وجد له أمام ، و لا لتمس التّمام إذا لزمه النّقصان . و إذا لقامت آية المصنوع فيه ، و لتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، و خرج بسلطان الامتناع ( 2396 ) من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره . الذي لا يحول و لا يزول ، و لا يجوز عليه الأفول ( 2397 ) . لم يلد فيكون مولودا ( 2398 ) ، و لم يولد فيصير محدودا . جلّ عن اتّخاذ الابناء ،

و طهر عن ملامسة النّساء . لا تناله الأوهام فتقدّره ، و لا تتوهّمه الفطن فتصوره ، و لا تدركه الحواس فتحسّه ، و لا تلمسه الأيدي فتمسّه . و لا يتغيّر بحال ، و لا يتبدّل في الأحوال . و لا تبليه اللّيالي و الأيّام ، و لا

[ 224 ]

يغيّره الضّياء و الظّلام . و لا يوصف بشي‏ء من الأجزاء ( 2399 ) ، و لا بالجوارح و الأعضاء ، و لا بعرض من الأعراض ، و لا بالغيريّة و الأبعاض . و لا يقال : له حدّ و لا نهاية ، و لا انقطاع و لا غاية ، و لا أنّ الأشياء تحويه فتقلّه ( 2400 ) أو تهويه ( 2401 ) ، أو أنّ شيئا يحمله فيميله أو يعدّله . ليس في الأشياء بوالج ( 2402 ) ، و لا عنها بخارج . يخبر لا بلسان و لهوات ( 2403 ) ،

و يسمع لا بخروق و أدوات . يقول و لا يلفظ ، و يحفظ و لا يتحفّظ ( 2404 ) ،

و يريد و لا يضمر . يحبّ و يرضى من غير رقّة ، و يبغض و يغضب من غير مشقّة . يقول لمن أراد كونه : « كن فيكون » ، لا بصوت يقرع ،

و لا بنداء يسمع ، و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ، و لو كان قديما لكان إلها ثانيا .

لا يقال : كان بعد أن لم يكن ، فتجري عليه الصّفات المحدثات ،

و لا يكون بينها و بينه فصل ، و لا له عليها فضل ، فيستوي الصّانع و المصنوع ، و يتكافا المبتدع و البديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه . و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، و أرساها على غير قرار ، و أقامها بغير قوائم ،

و رفعها بغير دعائم ، و حصّنها من الأود ( 2405 ) و الاعوجاج ، و منعها من التّهافت ( 2406 ) و الانفراج ( 2407 ) . أرسى أوتادها ( 2408 ) ، و ضرب

[ 225 ]

أسدادها ( 2409 ) ، و استفاض عيونها ، و خدّ ( 2410 ) أوديتها ، فلم يهن ( 2411 ) ما بناه ، و لا ضعف ما قواه . هو الظّاهر عليها بسلطانه و عظمته ، و هو الباطن لها بعلمه و معرفته ، و العالي على كلّ شي‏ء منها بجلاله و عزّته .

لا يعجزه شي‏ء منها طلبه ، و لا يمتنع عليه فيغلبه ، و لا يفوته السّريع منها فيسبقه ، و لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه . خضعت الأشياء له ، و ذلّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه و ضرّه ، و لا كف‏ء له فيكافئه ، و لا نظير له فيساويه . هو المفني لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها .

و ليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها و اختراعها .

و كيف و لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها ، و ما كان من مراحها ( 2412 ) و سائمها ( 2413 ) ، و أصناف أسناخها ( 2414 ) و أجناسها ،

و متبلّدة ( 2415 ) أممها و أكياسها ( 2416 ) ، على إحداث بعوضة ، ما قدرت على إحداثها ، و لا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها ، و لتحيّرت عقولها في علم ذلك و تاهت ، و عجزت قواها و تناهت ، و رجعت خاسئة ( 2417 ) حسيرة ( 2418 ) ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها و إنّ اللَّه ، سبحانه ، يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شي‏ء معه . كما

[ 226 ]

كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت و لا مكان ،

و لا حين و لا زمان . عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات ، و زالت السّنون و السّاعات . فلا شي‏ء إلاّ اللَّه الواحد القهار الّذي إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، و بغير امتناع منها كان فناؤها ، و لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها .

لم يتكاءده ( 2419 ) صنع شي‏ء منها إذا صنعه ، و لم يؤده ( 2420 ) منها خلق ما خلقه و برأه ( 2421 ) ، و لم يكونها لتشديد سلطان ، و لا لخوف من زوال و نقصان ، و لا للاستعانة بها على ندّ ( 2422 ) مكاثر ( 2423 ) ، و لا للاحتراز بها من ضدّ مثاور ( 2424 ) ، و لا للازدياد بها في ملكه ، و لا لمكاثرة شريك في شركه ، و لا لوحشة كانت منه ، فأراد أن يستأنس إليها .

ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأم دخل عليه في تصريفها و تدبيرها ، و لا لراحة و اصلة إليه ، و لا لثقل شي‏ء منها عليه . لا يملّه طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، و لكنّه سبحانه دبّرها بلطفه ، و أمسكها بأمره ، و أتقنها بقدرته ، ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، و لا استعانة بشي‏ء منها عليها ، و لا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، و لا من حال جهل و عمى إلى حال

[ 227 ]

علم و التماس ، و لا من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة ، و لا من ذلّ وضعة إلى عزّ و قدرة .