بيان

قال بعض شرّاح النهج في قوله عليه السلام « و لتجزّأ كنهه » إشارة إلى نفي الجوهر الفرد . و قال : قوله عليه السلام « و لكان له وراء إذا كان له أمام » يؤكّد ذلك لأنّ من أثبته يقول يصحّ أن تحلّه الحركة و لا يكون أحد وجهيه غير الآخر .

فائدة اعلم أنّ الطبيعيّين و الرياضيين اتّفقوا على أنّ الأرض كرويّة بحسب الحسّ و كذا الماء المحيط بها ، و صارا بمنزلة كرة واحدة ، فالماء ليس بتامّ الاستدارة بل هو على هيئة كرة مجوّفة قطع بعض منها و ملئت الأرض على وجه صارت الأرض مع الماء بمنزلة كرة واحدة ، و مع ذلك ليس شي‏ء من سطحيه صحيح الاستدارة ، أمّا المحدّب فلما فيه من الأمواج ، و أمّا المقعر فللتضاريس فيه من الأرض . و قد أخرج اللَّه تعالى قريبا من الربع من الأرض من الماء بمحض عنايته الكاملة ،

أو لبعض الأسباب المتقدّمة لتكون مسكنا للحيوانات المتنفّسة و غيرها من المركّبات المحوجة إلى غلبة العنصر اليابس الصلب لحفظ الصور و الأشكال و ربط الأعضاء و الأوصال . و ممّا يدلّ على كرويّة الأرض ما أومأنا إليه سابقا من طلوع الكواكب و غروبها في البقاع الشرقيّة قبل طلوعها و غروبها في الغربيّة بقدر ما تقتضيه أبعاد تلك البقاع في الجهتين على ما علم من ارصاد كسوفات بعينها لا سيّما القمريّة في بقاع مختلفة ، فإنّ ذلك ليس في ساعات متساوية البعد من نصف النهار على الوجه المذكور ،

و كون الاختلاف متقدّرا بقدر الأبعاد دليل على الاستدارة المتشابهة السائرة بحدبتها المواضع الّتي يتلو بعضها بعضا على قياس واحد بين الخافقين ، و ازدياد ارتفاع القطب و الكواكب الشماليّة و انحطاط الجنوبيّة للسائرين إلى الشمال و بالعكس للسائرين إلى الجنوب بحسب سيرهما دليل على استدارتها بين الجنوب و الشمال ، و تركّب الاختلافين يعطي الاستداره في جميع الامتدادات . و يؤيّده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالّة على أنّ الفصل المشترك بين المستضي‏ء من الأرض و ما

[ 228 ]

ينبعث منه الظلّ دائرة ، و كذلك اختلاف ساعات النهر [ 753 ] الطوال و القصار في مساكن متّفقة الطول إلى غير ذلك . و لو كانت اسطوانيّة قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبديّ الظهور ، بل إمّا الجميع طالعة غاربة أو كانت كوكب يكون من كلّ واحد من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبديّة الخفاء و الباقية طالعة غاربة و ليس كذلك ، و أيضا فالسائر إلى الشمال قد يغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له ، و تظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير ، و ذلك يدلّ على استدارتها في هاتين الجهتين أيضا . و ممّا يدلّ على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رؤوس الجبال الشامخة على السائرين في البحر أوّلا ثمّ ما يلي رؤوسها شيئا بعد شي‏ء في جميع الجهات . و قالوا : التضاريس الّتي على وجه الأرض من جهة الجبال و الاغوار لا تقدح في كرويّتها الحسيّة ، إذ ارتفاع أعظم الجبال و أرفعها على ما وجدوه فرسخان و ثلث فرسخ ، و نسبتها إلى جرم الأرض كنسبة جرم سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بل أقلّ من ذلك . و يظهر من كلام أكثر المتأخّرين أنّ عدم قدح تلك الأمور في كرويّتها الحسّيّة معناه أنّها لا تخلّ بشكل جملتها كالبيضة الزقت بها حبّات شعير لم يقدح ذلك في شكل جملتها . و اعترض عليه بأنّ كون الأرض أو البيضة حينئذ على الشكل الكرويّ أو البيضيّ عند الحسّ ممنوع ، و كيف يمكن دعوى ذلك مع ما يرى على كلّ منهما ما يخرج به الشكل ممّا اعتبروا فيه و عرّفوه به ؟

و ربما يوجّه بوجه آخر و هو أنّ الجبال و الوهاد الواقعة على سطح الأرض غير محسوسة عادة عند الاحساس بجملة كرة الأرض على ما هي عليه في الواقع . بيانه أنّ رؤية الأشياء تختلف بالقرب و البعد ، فيرى القريب أعظم ممّا هو الواقع و البعيد أصغر منه و هو ظاهر ، و قد أطبق القائلون بالانطباع و بخروج الشعاع كلّهم على أنّ هذا الاختلاف في رؤية المرئيّ بسبب القرب و البعد إنّما هو تابع لاختلاف الزاوية الحاصلة عند مركز الجليديّة في رأس المخروط الشعاعيّ بحسب التوهم أو بحسب الواقع عند انطباق قاعدته على سطح المرئيّ ، فكلّما قرب المرئيّ عظمت تلك الزاوية ، و

[ 753 ] « النهر » بضمّتين ، جمع « النهار » .

[ 229 ]

كلّما بعد صغرت . و قد تقرّر أيضا بين محقّقيهم أنّ رؤية الشي‏ء على ما هو عليه إنّما هو 754 في حالة يكون البعد بين الرائي و المرئيّ على قدر يقتضي أن تكون الزاوية المذكورة قائمة . فبناءة على ذلك إذا فرضت الزاوية المذكورة بالنسبة إلى مرئيّ قائمة يجب أن يكون البعد بين رأس المخروط و قاعدته المحيطة بالمرئيّ بقدر نصف قطر قاعدته على ما تقرّر في الأصول . فلمّا كان قطر الأرض أزيد من ألفي فرسخ بلا شبهة لا تكون مرئيّة على ما هي عليه من دون ألف فرسخ ، و معلوم أنّ الجبال و الوهاد المذكورة غير محسوسة عادة عند هذا البعد من المسافة فلا يكون لها قدر محسوس عند الأرض بالمعنى الّذي مهّدنا .

ثمّ إنّهم استعلموا بزعمهم مساحة الأرض و أجزاءها و دوائرها في زمان المأمون و قبله فوجدوا مقدار محيط الدائرة العظمى من الأرض ثمانية آلاف فرسخ ، و قصرها ألفين و خمسمائة و خمسة و أربعين فرسخا و نصف فرسخ تقريبا ، و مضروب القطر في المحيط مساحة سطح الأرض و هي عشرون ألف ألف و ثلاثمائة و ستّون ألف فرسخ و ربع ذلك مساحة الربع المسكون من الأرض . و أمّا القدر المعمور من الربع المسكون و هو ما بين خطّ الاستواء و الموضع الّذي عرضه بقدر تمام الميل الكلي فمساحته ثلاثة آلاف ألف و سبعمائة و خمسة و ستّين ألفا و أربعمائة و عشرين فرسخا و هو قريب من سدس سطح جميع الأرض و سدس عشره . و الفرسخ ثلاثة أميال بالاتّفاق ، و كلّ ميل أربعة آلاف ذراع عند المحدّثين ، و ثلاثة آلاف عند القدماء ، و كلّ ذراع أربع و عشرون إصبعا عند المحدّثين ، و اثنان و ثلاثون عند القدماء . و كلّ إصبع بالاتّفاق مقدار ست شعيرات مضمومة بطون بعضها إلى ظهور بعض من الشعيرات المعتدلة .

و ذكروا أنّ للأرض ثلاث طبقات : الأولى الأرض الصرفة المحيطة بالمركز ،

الثانية الطبقة الطينيّة و هي المجاورة للماء ، الثالثة الطبقة المنكشفة من الماء و هي الّتي تحتبس فيها الأبخرة و الأدخنة و تتولّد منها المعادن و النباتات و الحيوانات . و زعموا أنّ

-----------
( 754 ) في ( خ ) : هي .

[ 230 ]

البسائط كلّها شفّافة لا تحجب عن إبصار ما ورائها ما عدا الكواكب ، و أنّ الأرض الصرفة المتجاوزة 755 للمركز أيضا شفّافة ، و الطبقتان الأخريان ليستا بسيطتين فهما كثيفتان . فالأرض جعل اللّه الطبقة الظاهرة منها ملوّنة كثيفة غبراء لتقبل الضياء و خلق ما فوقها من العناصر مشفّة لطيفة بالطباع لينفذ فيها و يصل إلى غيرها ساطع الشعاع ، فإنّ الكواكب و سيّما الشمس و القمر أكثر تأثيراتها في العوالم السفلى بوسيلة أشعّتها المستقيمة و المنعطفة و المنعكسة بإذن اللّه تعالى .

و قالوا : الأرض في وسط السماء كالمركز في الكرة فينطبق مركز حجمها على مركز العالم ، و ذلك لتساوي ارتفاع الكواكب و انحطاطها مدّة ظهورها و ظهور النصف من الفلك دائما و تطابق أظلال الشمس في وقتي طلوعها و غروبها عند كونها على المدار الّذي يتساوى فيه زمان ظهورها و خفائها على خطّ مستقيم ، أو عند كونها في جزئين متقابلين من الدائرة الّتي يقطعها بسيرها الخاصّ بها ، و انخساف القمر في مقاطراته [ 756 ] الحقيقيّة للشمس ، فإنّ الأوّل يمنع ميلها إلى أحد الخافقين ، و الثاني إلى أحد السمتين ، الرأس و القدم ، و الثالث إلى أحد القطبين ، و الرابع إلى شي‏ء منها أو من غيرها من الجهات كما لا يخفى . و كما أنّ مركز حجمها منطبق على مركز العالم فكذا مركز ثقلها ، و ذلك لأنّ الثقال تميل بطبعها إلى الوسط كما دلّت عليه التجربة ، فهي إذن لا تتحرّك عن الوسط ، بل هي ساكنة فيه متدافعة بأجزائها من جميع الجوانب إلى المركز تدافعا متساويا ، فلا محالة ينطبق مركز ثقلها الحقيقيّ المتّحد بمركز حجمها التقريبيّ على مركز العالم و مستقرّها عند وسط العالم لتكافؤ القوى بلا تزلزل و اضطراب يحدث فيها لثباتها بالسبب المذكور ، و لكون الأثقال المنتقلة من جانب منها إلى الآخر في غاية الصغر بالقياس إليها لا يوجب انتقال مركز ثقلها من نقطة إلى أخرى بحركة شي‏ء منها ، و كذا الأجزاء المبائنة لها تهوي إليها و هي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب . هذا ما ذكروه في هذا المقام ، و لا نعرف من ذلك

-----------
( 755 ) في ( خ ) : المجاورة .

[ 756 ] « المقاطرة » مقابلة القطرين .

[ 231 ]

إلاّ كون الجميع بقدرة القادر العليم و إرادة المدبّر الحكيم كما ستعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى .

و قال الشيخ المفيد قدّس سرّه في كتاب المقالات : أقول : إنّ العالم هو السماء و الأرض و ما بينهما و فيهما من الجواهر و الأعراض ، و لست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك .

أقول : لعلّ مراده قدّس سرّه بالسماوات ما يشمل العرش و الكرسيّ و الحجب ، و غرضه نفي الجواهر المجرّدة الّتي تقول بها الحكماء .

ثمّ قال رحمه اللّه : و أقول : إنّ الفلك هو المحيط بالأرض الدائر عليها و فيه الشمس و القمر و سائر النجوم ، و الأرض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة ،

و هذا مذهب أبي القاسم البلخيّ و جماعة كثيرة من أهل التوحيد ، و مذهب أكثر القدماء و المنجّمين و قد خالف فيه جماعة من بصريّة المعتزلة و غيرهم من أهل النحل .

و أقول : إنّ المتحرّك من الفلك إنّما يتحرّك حركة دوريّة كما يتحرّك الدائر على الكرة ، و إلى هذا ذهب البلخي و جماعة من أهل التوحيد ، و الأرض على هيئة الكرة في وسط الفلك و هي ساكنة لا تتحرك ، و علّة سكونها أنّها في المركز ، و هو مذهب أبي القاسم و أكثر القدماء و المنجّمين ، و قد خالف فيه الجبائيّ و ابنه و جماعة غيرهما من أهل الآراء و المذاهب من المقلّدة و المتكلّمين .

ثمّ قال : و أقول : إنّ العالم مملوءة من الجواهر و إنّه لا خلأ فيه ، و لو كان فيه خلأ لما صحّ فرق بين المجتمع و المتفرّق من الجواهر و الأجسام و هو مذهب أبي القاسم خاصّة من البغداديّين ، و مذهب أكثر القدماء من المتكلّمين و خالف فيه الجبائيّ و ابنه و جماعة متكلّمي أهل الحشو و الجبر و التشبيه .

ثمّ قال : و أقول : إنّ المكان هو ما أحاط بالشي‏ء من جميع جهاته ، و لا يصحّ تحرّك الجواهر إلاّ في الأماكن ، و الوقت هو ما جعله الموقّت وقتا للشي‏ء و ليس بحادث مخصوص و الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت و لا زمان ، و على هذا القول سائر الموحّدين .

[ 232 ]

و سئل السيّد المرتضى رحمه اللّه : الفراغ له نهاية ؟ و القديم تعالى يعلم منتهى نهايته ؟ و هذا الفراغ أي شي‏ء هو ؟ و كذلك الطبقة الثامنة من الأرض و الثامنة من السماء نقطع أنّ هناك فراغا أم لا ؟ فإن قلت : لا ، طالبتك بما وراء الملأ ،

القديم تعالى يعلم أنّ هناك نهاية . فإن قلت : نعم ، طالبتك أيّ شي‏ء وراء النهاية ؟

فأجاب رحمه اللّه : إنّ الفراغ لا يوصف بأنّه منته ، و لا أنّه غير منته على وجه الحقيقة ، و إنّما يوصف بذلك مجازا و اتّساعا . و أمّا قوله « و هذا الفراغ أيّ شي‏ء هو ؟ » فقد علمنا 757 أنّه لا جوهر و لا عرض و لا قديم و لا محدث و لا هو ذات و لا هو معلوم كالمعلومات . و أمّا الطبقة الثامنة من الأرض فما نعرفها ، و الّذي نطق به القرآن :

« سبع سموات طباقا و من الأرض مثلهنّ » فأمّا غير ذلك فلا سبيل للقطع به من عقل و لا شرع . انتهى .

و أقول : بسط الكلام في هذه الأمور خروج عن مقصود الكتاب ، و محلّه علم الكلام . 758 [ إيضاح : ] « لا تصحبه الأوقات » يحتمل وجهين : أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الأزمان كالزمانيّات [ 759 ] كما قال : « سبق الأوقات كونه » . و ثانيهما نفي الزمانيّة عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أنّ الزمان نسبة المتغيّر إلى المتغيّر و لا يكون فيما لا تغيّر فيه أصلا ، فالمراد بسبق كونه على الأوقات عدم لحوقها له و امتناع مقارنته سبحانه لها ، و ربّما يؤيّد ذلك بقوله عليه السلام « و كيف يجري عليه ما هو أجراه ؟ » .

-----------
( 757 ) في ( خ ) : قلنا .

-----------
( 758 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 60 ، كتاب السماء و العالم ، ص 95 100 .

[ 759 ] يعني أنّ الزمانيّات تصحب الزمان ما دامت موجودة لكن وجود الواجب غير مقارن للزمان دائما لأنّه تعالى كان موجودا و لم يكن زمان ، فلمّا خلق الزمان صار مقارنا له ، و أمّا الحكماء فينفون مقارنته سبحانه للزمان مطلقا لأنّ الزمان أمر تدريجيّ لا يقارنه إلاّ ما شأنه الحركة و التغيّر و هو الجسم لا غير . و دلالة كلامه عليه السلام على مقالتهم لا غبار عليها .

[ 233 ]

فإنّه عليه السلام استدلّ على عدم جريان السكون و الحركة عليه بأنّه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكماليّة ، لأنّ الفعل لا يكون كمالا للفاعل و اتّصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغيّر أو النقص و هذا جار في الزمان أيضا .

و كذا قوله « و يعود فيه ما هو أبداه » أي اظهره ، فقيل : المعنى أنّه سبحانه أظهر الحركة و السكون فكانا متأخّرين عنه ذاتا ، فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخّر و يصير متقدّما لأنّ صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوّه عنها في مرتبة الإظهار و الإيجاد . « و يحدث فيه ما هو أحدثه » لأنّ الشي‏ء لا يكون فاعلا و قابلا لشي‏ء واحد ، أو لما مرّ من لزوم الاستكمال بغيره و النقص في ذاته .

« إذا لتفاوت ذاته » أي حصل الاختلاف و التغيّر في ذاته . « و لتجزّا كنهه » أي كانت حقيقته ذات أجزاء و أبعاض ، لأنّ الحركة و السكون مستلزمان للتحيّز المستلزم للجسميّة ، أو لكان فيه ما به بالقوّة و ما به بالفعل . « و لامتنع من الأزل معناه » أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى ، و الامتناع من الأزل للجسميّة و حدوث ما لا ينفكّ عن الحركة و السكون .

« لا بصوت يقرع » أي يقرع الأسماع ، و « القرع » الدق ، و في بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شي‏ء « و مثّله » أي أقامه ، و قيل :

الباري‏ء تعالى مثّل القرآن لجبرئيل عليه السلام بالكتابة في اللوح ، و يقال :

« مثّلته بين يديّ » أي أحضرته . فلمّا كان اللّه تعالى فعل القرآن واضحا بيّنا كأن قد مثّله للمكلّفين . انتهى . و الظاهر أنّ المراد أنّ قوله [ تعالى : ] « كن فيكون » 760 ليس المراد به الكلام الحقيقيّ الّذي له صوت بل كناية عن تعلّق الإرادة و تمثيل لحصول الأشياء بمحض إرادته بلا تأخّر و لا توقّف على أمر .

« و لو كان قديما لكان إلها ثانيا » هذا صريح في أنّ الإمكان لا يجامع القدم و أنّ الإيجاد إنّما يكون لما هو مسبوق بالعدم [ 761 ] ، فالقول بتعدّد القدماء مع القول بإمكان

-----------
( 760 ) النحل : 40 .

[ 761 ] كلامه عليه السلام صريح في أنّ القدم يلازم الألوهيّة و لا يجامع الإمكان لكنّه ليس بصريح في أنّ المراد به القدم الزمانيّ ، فإن كانت هناك قرينة عقليّة وجب حمله على القدم الذاتيّ .

[ 234 ]

بعضها قول بالنقيضين . « فتجري » على [ بناء ] المعلوم و في بعض النسخ على [ بناء ] المجهول . « عليه الصفات المحدثات » في أكثر النسخ « الصفات » معرّفة باللام ،

فالمحدثات صفة له و في بعضها بدون اللام على الإضافة و هو أنسب ، أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة فلم يكن بينه و بينها فرق . و « الفصل » القطع ،

و الحاجز بين الشيئين . و « المبتدع » في بعض النسخ على صيغة الفاعل ، و في بعضها على صيغة المفعول ، فعلى الأوّل « البديع » بمعنى المبدع على بناء المفعول ، و على الثاني بمعنى « المبدع » على بناء الفاعل .

« على غير مثال خلا » أي مضى و سبق . « من غير اشتغال » أي لم يشغله إمساكها عن غيره من الأمور . و « أرساها » أي أثبتها « على غير قرار » أي مقرّ يتمكّن عليه بل قامت بأمره لا على شي‏ء . « بغير قوائم » أي لا كدابّة تقوم بقوائمها . و « الدعامة » بالكسر ، عماد البيت الّذي يقوم عليه . و « حصّنه تحصينا » أي جعله منيعا . و « الأود » بالتحريك ، الاعوجاج ، و العطف للتفسير . و « التهافت » التساقط قطعة قطعة . « أوتادها » أي جبالها الّتي هي للأرض بمنزلة الأوتاد . « و ضرب أسدادها ، » « السدّ » بالفتح و بالضمّ الجبل و الحاجز بين الشيئين ، و قيل : بالضمّ ما كان مخلوقا للّه تعالى و بالفتح ما كان من فعلنا . و « ضرب الأسداد » نصبها ،

يقال : « ضربت الخيمة » أي نصبتها ، أو تعيينها كضرب الخراج . و لعلّ المعنى خلق الجبال فيها و الأنهار الّتي هي كالحدود لها ليتميّز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة . و قال الجوهريّ : « السدّ » أيضا واحد السدود و هي السحائب السود ، عن أبي زيد . « و استفاض عيونها » أي جعلها فائضة جارية . « و خدّ أوديتها » أي شقّها و منها « الأخدود » أي الحفرات المستطيلة في الأرض .

« حتّى يصير موجودها كمفقودها » لعلّ المراد بالمفقود ما لم يوجود أصلا أي حتّى يصير كأن لم يكن ، و يحتمل أن تكون الكاف زائدة .

و قوله عليه السلام « كما كان قبل ابتدائها » إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى اللّه تعالى و ظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم و عدم

[ 235 ]

زمانيّته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعيّنة من الليالي و الأيّام و الشهور و السنين و يدلّ على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود . و هذا أيضا ينافي القدم لأنّهم أطبقوا على أنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، و أقاموا عليه البراهين العقليّة .

« لم يتكادّه » في أكثر النسخ على صيغة التفاعل و في بعضها على صيغة التفعّل ، و كلاهما بمعنى نفي المشقّة . و في بعض النسخ : « لم يتكاره » على صيغة التفاعل من الكره ، يقال : فعل الأمر على تكرّه و تكاره أي على تسخّط و عدم الرضا به . و الغرض أنّه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الأشياء .

و « آده الأمر يؤده » أثقله . و « برأه » أي خلقه . و « تشديد السلطان » إحكام السلطنة و حفظها عن تطرّق الخلل فيها . و « الندّ » بالكسر ، المثل ، قالوا : و لا يكون الندّ إلاّ مخالفا . و « المكاثرة » المغالبة بالكثرة . و « الضدّ » بالكسر ، النظير و الكفو ، و قيل : مثل الشي‏ء و خلافه ، و هو من الأضداد . و « الثور » بالفتح ، الهيجان و الوثب ،

و « ثاوره » أي واثبه . و « الشرك » بالكسر ، الاسم من « شركته كعلمت في البيع و الميراث شركة » ، و في النسخ : « في شركة » بالتاء موضع الضمير . « و الاستئناس » اتّخاذ الأنيس ضدّ الاستيحاش .

و « السأم » بالتحريك ، الملال . و « التصريف » التغيير و تحويل الشي‏ء من حال إلى حال و من وجه إلى وجه . و « الثقل » بالكسر كما في بعض النسخ و كعنب كما في بعضها ، ضدّ الخفّة . و « لم يملّه » على صيغة الإفعال ، أي لم يجعله سئما ، و في بعض النسخ : « و لا يملّه » . و ذكر السرعة لأنّ الإفناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة ، أو لأنّه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة . و « أتقنها » أحكمها . و « الالتماس » الطلب ، و المراد طلب علم مجهول . و « الضعة » بالفتح كما في النسخ و بالكسر ، انحطاط الدرجة ضدّ الرفعة . و الضمير في قوله عليه السلام « يعيدها » راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة ، و جوّز بعض شارحي النهج عودها إلى « الأمور » في قوله عليه السلام « إليه مصير جميع الأمور » و على أيّ حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتّى الأرواح و الملائكة ثمّ عودها فيدلّ على جواز إعادة

[ 236 ]

المعدوم ، و قد سبق الكلام فيه في المجلّد الثالث . 762 أقول : قد مرّت الخطبة بتمامها و شرحها في كتاب التوحيد .

تتميم : اعلم أنّ ظاهر هذا الخبر فناء جميع المخلوقات عند انقضاء العالم كما هو مذهب جماعة من المتكلّمين ، قال شارح المواقف : قد سبقت في مباحث الجسم إشارة إلى أنّ الأجسام باقية غير متزايلة على ما يراه النظّام ، و قابلة للفناء غير دائمة البقاء على ما يراه الفلاسفة قولا بأنّها ازليّة أبديّة . و الجاحظ و جمع من الكراميّة قولا بأنّها أبديّة غير أزليّة ، و توقّف أصحاب أبي الحسين في صحّة الفناء ، و اختلف القائلون بها في أنّ الفناء بإعدام معدم أو بحدوث ضدّ أو بانتفاء شرط . أمّا الأوّل فذهب القاضي و بعض المعتزلة إلى أنّ اللّه تعالى يعدم العالم بلا واسطة فيصير معدوما كما أوجده كذلك فصار موجودا ، و ذهب أبو الهذيل إلى أنّه تعالى يقول له : افن فيفنى ، كما قال له :

كن فكان . و أمّا الثاني فذهب جمهور المعتزلة إلى أنّ فناء الجوهر بحدوث ضدّ له هو الفناء ، فذهب ابن اخشيد إلى أنّ الفناء و إن لم يكن متحيّزا لكنّه يكون حاصلا في جهة معيّنة ، فإذا أحدثه اللّه تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها ، و ذهب ابن شبيب إلى أنّ اللّه تعالى يحدث في كلّ جوهر فناء ثمّ ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني ، و ذهب أبو عليّ و أتباعه إلى أنّه يخلق بعدد كلّ جوهر فناء لا في محلّ فتفنى الجواهر ، و قال أبو هاشم و أشياعه : يخلق فناء واحد لا في محلّ فيفني به الجواهر بأسرها . و أمّا الثالث و هو أنّ فناء الجوهر بانقطاع شرط وجوده فزعم بشر أنّ ذلك الشرط بقاء يخلقه اللّه تعالى لا في محلّ ، فإذا لم يخلقه اللّه تعالى عدم الجوهر . و ذهب الأكثرون من أصحابنا و الكلبيّ من المعتزلة إلى أنّه بقاء قائم به يخلقه اللّه حالا فحالا ، فإذا لم يخلقه اللّه تعالى فيه انتفى الجوهر . و قال إمام الحرمين : إنّها الأعراض الّتي يجب اتّصاف الجسم بها ، فإذا لم يخلقها اللّه تعالى فيه فنى . و قال القاضي في أحد قوليه : هو الأكوان الّتي يخلقها اللّه في الجسم حالا فحالا ، فمتى لم يخلقها اللّه فيه انعدم . و قال النظام : إنّه ليس بباق بل يخلق اللّه حالا فحالا فمتى لم يخلق

-----------
( 762 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 57 ، كتاب السماء و العالم ، ص 30 .

[ 237 ]

فنى .

و أكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل ، سيّما القول بكون الفناء أمرا محقّقا في الخارج ضدّا للبقاء قائما بنفسه أو بالجوهر ، و كون البقاء موجودا لا في محلّ ، و لعلّ وجه البطلان غنيّ عن البيان .

ثمّ القائلون بصحّة الفناء و بحقّيّة حشر الأجساد اختلفوا في أنّ ذلك بالإيجاد بعد الفناء أو بالجمع بعد تفرّق الأجزاء ؟ و الحقّ التوقّف ، و هو اختيار إمام الحرمين حيث قال : يجوز عقلا أن تعدم الجواهر ثمّ تعاد ، و أن تبقى و تزول أعراضها المعهودة ثمّ تعاد بنيتها و لم يدلّ قاطع سمعيّ على تعيين أحدهما ، فلا يبعد أن يغيّر أجساد العباد على صفة أجسام التراب ، ثمّ يعاد تركيبها إلى ما عهد ، و لا يحيل أن يعدم منها شي‏ء ثمّ يعاد ، و اللّه أعلم .

احتجّ الأوّلون بوجوه :

الأوّل : الإجماع على ذلك قبل ظهور المخالفين كبعض المتأخّرين من المعتزلة و أهل السنّة . و ردّ بالمنع كيف و قد أطبقت معتزلة بغداد على خلافه ؟ نعم كان الصحابة يجمعون على بقاء الحقّ و فناء الخلق بمعنى هلاك الأشياء و موت الأحياء و تفرّق الأجزاء لا بمعنى انعدام الجواهر بالكليّة لأنّ الظاهر أنّهم لم يكونوا يخوضون في هذه التدقيقات .

الثاني : هو قوله تعالى : « هو الأوّل و الآخر » 763 أي في الوجود ، و لا يتصوّر ذلك إلاّ بانعدام ما سواه ، و ليس بعد القيامة وفاقا فيكون قبلها ، و أجيب بأنّه يجوز أن يكون المعنى : هو مبدء كلّ موجود و غاية كلّ مقصود ، أو هو المتوحّد في الألوهيّة ، أو في صفات الكمال ، كما إذا قيل لك : هذا اوّل من زارك أو آخرهم ؟ فنقول : هو الأوّل و الآخر ، و تريد أنّه لا زائر سواه ، أو هو الأوّل و الآخر بالنسبة إلى كلّ حيّ ، بمعنى أنّه يبقى بعد موت جميع الأحياء ، أو هو الأوّل خلقا و الآخر رزقا ، كما قال [ تعالى ] :

« خلقكم ثمّ رزقكم » 764 . و بالجملة فليس المراد أنّه آخر كلّ شي‏ء بحسب الزمان

-----------
( 763 ) الحديد : 3 .

-----------
( 764 ) الروم : 40 .

[ 238 ]

للاتّفاق على أبديّة الجنّة و من فيها .

الثالث : قوله تعالى : « كلّ شي‏ء هالك إلاّ وجهه » 765 فإنّ المراد به الانعدام ، لا الخروج عن كونه منتفعا به لأنّ الشي‏ء بعد التفرّق يبقى دليلا على الصانع ، و ذلك من أعظم المنافع . و أجيب بأنّ المعنى أنّه هالك في حدّ ذاته لكونه ممكنا لا يستحقّ الوجود إلاّ بالنظر إلى العلّة ، أو المراد بالهلاك الموت ، أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللاّئق بحاله ، كما يقال : هلك الطعام إذا لم يبق صالحا للأكل و إن صلح لمنفعة أخرى . و معلوم أن ليس مقصود الباري تعالى من كلّ جوهر الدلالة عليه و إن صلح ذلك كما أنّ من كتب كتابا ليس مقصوده بكلّ كلمة الدلالة على الكاتب . أو المراد الموت كما في قوله تعالى : « إن امرؤ هلك » 766 ، و قيل : معناه :

كلّ عمل لم يقصد به وجه اللّه تعالى فهو هالك أي غير مثاب عليه .

الرابع : قوله تعالى : « و هو الّذي يبدؤ الخلق ثمّ يعيده » 767 [ و قوله تعالى : ] « كما بدأنا أوّل خلق نعيده » 768 . و البدؤ من العدم فكذا العود ، و أيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا يتصوّر بدون تخلّل العدم . و أجيب بأنّا لا نسلّم أنّ المراد بإبداء الخلق الايجاد و الإخراج عن العدم ، بل الجمع و التركيب على ما يشعر به قوله تعالى : « و بدأ خلق الإنسان من طين » 769 . و لهذا يوصف بكونه مرئيّا مشاهدا كقوله تعالى : « أو لم يروا كيف يبدى‏ء اللّه الخلق [ ثمّ يعيده ، إنّ ذلك على اللّه يسير ] قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق » 770 .

و أمّا القول بأنّ الخلق حقيقة في التركيب تمسّكا بمثل قوله تعالى :

« خلقكم من تراب » 771 أي ركّبكم [ و قوله تعالى : ] « و تخلقون إفكا » 772 أي تركّبونه ، فلا يكون حقيقة في الإيجاد دفعا للاشتراك ، فضعيف جدّا لإطباق أهل اللّغة على أنّه إحداث و إيجاد مع تقدير ، سواء كان عن مادّة كما في خلقكم من تراب أو بدونه كما في خلق اللّه العالم .

-----------
( 765 ) القصص : 88 .

-----------
( 766 ) النساء : 176 .

-----------
( 767 ) الروم : 27 .

-----------
( 768 ) الأنبياء : 104 .

-----------
( 769 ) السجدة : 7 .

-----------
( 770 ) العنكبوت : 19 20 .

-----------
( 771 ) الفاطر : 13 .

-----------
( 772 ) العنكبوت : 17 .

[ 239 ]

الخامس : قوله تعالى : « كل من عليها فان » 773 و الفناء هو العدم . و اجيب بالمنع بل هو خروج الشي‏ء من الصفة الّتي ينتفع به عندهما كما يقال : فنى زاد القوم و فنى الطعام و الشراب . و لذا يستعمل في الموت مثل أفناهم الحرب . و قيل :

معنى الآية : كلّ من على وجه الأرض من الأحياء فهو ميّت .

قال الامام : و لو سلّم كون الفناء و الهلاك بمعنى العدم فلا بدّ في الآيتين من تأويل ، إذ لو حملتا على ظاهرهما لزم كون الكلّ هالكا فانيا في الحال و ليس كذلك ،

و ليس التأويل بكونه آئلا إلى العدم على ما ذكرتم أولى من التأويل بكونه قابلا له ، و هذه منه إشارة إلى ما اتّفق عليه أئمّة العربيّة من كون اسم الفاعل و نحوه مجازا في الاستقبال ، و أنّه لا بدّ من الاتّصاف بالمعنى المشتقّ منه . و إنّما الخلاف في أنّه هل يشترط بقاء ذلك المعنى ؟ و قد توهم صاحب التلخيص أنّه كالمضارع يشترك بين الحال و الاستقبال ، فاعترض بأنّ حمله على الاستقبال ليس تأويلا و صرفا عن الظاهر .

و احتجّ الآخرون بوجوه :

الأوّل : أنّه لو كان كذلك لما كان الجزاء واصلا إلى مستحقّه ، و اللازم باطل عندنا سمعا للنصوص الواردة في أنّ اللَّه لا يضيع اجر من أحسن عملا ، و عقلا عند المعتزلة لما سبق من وجوب ثواب المطيع و عقاب العاصي . و بيان اللزوم أنّ المنشأ لا يكون هو المبتدأ بل مثله لامتناع إعادة المعدوم بعينه . و ردّ بالمنع و قد مرّ بيان ضعف أدلّته ، و لو سلّم فلا يقوم على من يقوم ببقاء الروح أو الأجزاء الأصليّة و إعدام البواقي ثمّ إيجادها و إن لم يكن الثاني هو الأوّل بعينه بل مغايرا له في وصفه الابتداء و الإعادة أو باعتبار آخر ، و لا شكّ أن العمدة في الاستحقاق هو الروح على ما مرّ ، و قد يقرّر بأنّها لو عدمت لما علم إيصال الجزاء إلى مستحقّه لأنّه لا يعلم أنّ ذلك المحشور هو الأوّل أعيد بعينه أم مثل له خلق على صفته . أمّا على تقدير الفناء بالكلّيّة فظاهر ، و أمّا على تقدير بقاء الروح و الأجزاء الأصليّة فلانعدام التركيب و الهيئات و الصفات

-----------
( 773 ) الرحمن : 26 .

[ 240 ]

الّتي بها يتمايز المسلمون سيّما على قول من يجعل الروح أيضا من قبيل الأجسام ، و اللازم منتف لأنّ الأدلّة قائمة على وصول الجزاء إلى المستحقّ .

لا يقال : لعلّ اللَّه يحفظ الروح و الأجزاء الأصليّة عن التفرّق و الانحلال ، بل الحكمة تقتضي ذلك ليعلم وصول الحقّ إلى المستحقّ لأنّا نقول : المقصود إبطال رأي من يقول بفناء الأجساد بجميع الأجزاء بل أجسام العالم بأسرها ثمّ الإيجاد و قد حصل و لو سلّم فقد علمت أنّ العمدة في الحشر هو الأجزاء الأصليّة لا الفضليّة و قد سلّمتم أنّها لا تتفرّق فضلا عن الانعدام بالكلّيّة ، بل الجواب أنّ المعلوم بالأدلّة هو أنّ اللَّه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقّ و لا دلالة على أنّا نعلم ذلك عند الإيصال البتّة و كفى باللَّه عليما . و لو سلّم فلعلّ اللَّه تعالى يخلق علما ضروريا او طريقا جليّا جزئيّا أو كليّا .

الثاني : و هو للمعتزلة أنّ فعل الحكيم لا بدّ أن يكون لغرض لامتناع العبث عليه و لا يتصوّر له غرض في الإعدام إذ لا منفعة فيه لأحد لأنّها إنّما تكون مع الوجود بل الحياة ، و ليس به أيضا جزاء المستحق كالعذاب و السؤال و الحساب و نحو ذلك و هذا ظاهر . و ردّ بمنع انحصار الغرض في المنفعة و الجزاء ، فلعلّ لله في ذلك حكما و مصالح لا يعلمها غيره ، على أنّ في الإخبار بالإعدام لطفا للمكلّفين و إظهارا لغاية العظمة و الاستغناء و التفرّد بالدوام و البقاء ، ثمّ الإعدام تحقيق لذلك و تصديق .

الثالث : النصوص الدالّة على كون النشور بالإحياء بعد الموت و الجمع بعد التفريق كقوله تعالى : « وَ إذْ قَالَ إبْراهِيمُ رَبَّ أرِني كَيْف تُحْيِي المَوْتَى الآية » 774 و كقوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتَها » إلى قوله : وَ انْظُرْ إلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً 775 و كقوله تعالى : كَذَلِكَ النُشُورُ 776 [ و قوله تعالى : ] وَ كَذَلكَ تُخْرَجُونَ 777 و [ قوله تعالى ] كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ 778 بعد ما ذكر بدء الخلق من الطين و على وجه نرى و نشاهد مثل [ قوله تعالى : ] أ وَ لَمْ يَرَوْا

-----------
( 774 ) البقرة : 260 .

-----------
( 775 ) البقرة : 259 .

-----------
( 776 ) الفاطر : 9 .

-----------
( 777 ) الروم : 19 .

-----------
( 778 ) الأعراف : 29 .

[ 241 ]

كَيْفَ يُبْدِي‏ءُ الخَلْقَ [ ثمَّ ، يُعِيدُهُ ، إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ] قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق » 779 ، و كقوله تعالى : يَوْمَ يَكُونَ النَّاسُ كَالْفَراشِ المَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ 780 . إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالتفريق دون الإعدام .

و الجواب أنّها لا تنفي الانعدام و إن لم تدلّ عليه ، و إنّما سيقت لكيفيّة الإحياء بعد الموت و الجمع بعد التفريق لأنّ السؤال وقع عن ذلك ، و لأنّه أظهر في بادي‏ء النظر و الشواهد عليه أكثر ، ثمّ هي معارضة بالآيات المشعرة بالإعدام و الفناء . و انتهى كلامه .

و الحقّ أنّه لا يمكن الجزم في تلك المسألة بأحد الجانبين لتعارض الظواهر فيها ،

و على تقدير ثبوته لا يتوقّف انعدامها على شي‏ء سوى تعلّق إرادة الربّ تعالى باعدامها ، و أكثر متكلّمي الإماميّة على عدم الانعدام بالكلّيّة لا سيّما في الاجساد . [ 781 ] قال المحقق الطوسيّ رحمه اللَّه في التجريد : و السمع دلّ عليه و يتأوّل في المكلّف بالتفريق كما في قصّة إبراهيم عليه السلام . انتهى .

و أمّا الصور فيجب الإيمان به على ما ورد في النصوص الصريحة ، و تأويله بأنّه جمع للصورة كما مرّ من الطبرسيّ و قد سبقه الشيخ المفيد رحمه اللَّه فهو خروج عن ظواهر الآيات بل صريحها ، إذ لا يتأتى ذلك في النفخة الأولى ، و يأبى عنه أيضا توحيد الضمير في قوله تعالى : « و نفخ فيه أخرى » 782 و إطراح للنصوص الصحيحة

-----------
( 779 ) العنكبوت : 19 20 .

-----------
( 780 ) القارعة : 4 5 .

[ 781 ] لمّا كان انعدام كلّ شي‏ء إلاّ اللَّه سبحانه يبطل التقدّم و التأخّر و كلّ معنى حقيقيّ و يبطل به النسبة بين الدنيا و الآخرة و المبدأ و المعاد و جميع المعارف الالهيّة المبيّنة تلو ذلك في الكتاب و السنّة القطعيّة لم يكن مجال لاحتماله ، و ما ظاهره ذلك من النصوص مبيّن بما يعارضه . و أمّا أحاديث الصور فهي آحاد لا تبلغ حدّ التواتر و لا يؤيّد الكتاب تفاصيل ما فيها من صفة الصور و الأمور المذكورة مع نفخة و لا دليل على حجيّة الآحاد في غير الاحكام الفرعيّة من المعارف الأصليّة لا من طريق سيرة العقلاء و لا من طريق الشرع على ما بيّن في الاصول . فالواجب هو الايمان باجمال ما أريد من الصور لوروده في كتاب اللَّه . و أمّا الأخبار ،

فالواجب تسليمها و عدم طرحها لعدم مخالفتها الكتاب و الضرورة و إرجاع علمها إلى اللَّه و رسوله و الأئمة من أهل بيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين . ط

-----------
( 782 ) الزمر : 68 .

[ 242 ]

الصريحة من غير حاجة . و قد قال سيّد الساجدين صلوات اللَّه عليه في الدعاء الثالث من الصحيفة الكاملة : و إسرافيل صاحب الصور الشاخص الّذي ينتظر منك الإذن و حلول الأمر فينبّه بالنفخة صرعى رهائن القبور . 783