187 و من خطبة له عليه السلام و هي في ذكر الملاحم

ألا بأبي و أمي ، هم من عدّة أسماؤهم في السّماء معروفة و في الأرض مجهولة . ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم ، و انقطاع وصلكم ،

و استعمال صغاركم . ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه . ذاك حيث يكون المعطى اعظم أجرا من المعطي .

ذاك حيث تسكرون من غير شراب ، بل من النّعمة و النّعيم ، و تحلفون من غير اضطرار ، و تكذبون من غير إحراج ( 2425 ) . ذاك إذا عضّكم البلاء كما يعضّ القتب ( 2426 ) غارب البعير ( 2427 ) . ما أطول هذا العناء ،

و أبعد هذا الرّجاء أيّها النّاس ، ألقوا هذه الأزمّة ( 2428 ) الّتي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم ، و لا تصدّعوا ( 2429 ) على سلطانكم فتذمّوا غبّ فعالكم . و لا

-----------
( 783 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 6 ، كتاب العدل و المعاد ، ص 331 .

[ 243 ]

تقتحموا ما استقبلتم من فور نار ( 2430 ) الفتنة ، و أميطوا عن سننها ( 2431 ) ،

و خلّوا قصد السّبيل ( 2432 ) لها : فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ،

و يسلم فيها غير المسلم .

إنّما مثلي بينكم كمثل السّراج في الظّلمة ، يستضي‏ء به من و لجها . فاسمعوا أيّها النّاس وعوا ، و أحضروا آذان قلوبكم تفهموا . إيضاح : قال ابن أبي الحديد : قالت الإماميّة : هذه العدّة هم الأئمّة الأحد عشر من ولده عليه السلام ، و قال غيرهم ، إنّه عنى الأبدال الّذين هم أولياء اللَّه . 784 انتهى .

و ظاهر أنّ ذكر انتظار فرج الشيعة كما اعترف به بعد هذا لا ارتباط له بحكاية الأبدال . و أمّا كون أسمائهم في الأرض مجهولة فلعلّ المراد به أنّ أكثر الناس لا يعرفون قدرهم و منزلتهم ، فلا ينافي معرفة الخواصّ لهم و إن كانوا أيضا لا يعرفونهم حقّ معرفتهم ، أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت إيراد الكلام ، و التخصيص في الاحتمال الأخير أقلّ منه في الأوّل .

قوله عليه السلام « و انقطاع وصلكم » جمع « وصلة » أي تفرّق أموركم المنظّمة . و المراد باستعمال الصغار تقديمهم على المشايخ و أرباب التجارب في الأعمال و الولايات . قوله عليه السلام « حيث يكون المعطى » على بناء المجهول « أعظم أجرا من المعطي » على بناء الفاعل ، لأنّ أكثر الأموال في ذلك الزمان يكون من الحرام ، و أيضا لا يعطونها على الوجه المأمور به للأغراض الفاسدة . و أمّا المعطى فلمّا كان فقيرا يأخذ المال لسدّ خلّته لا يلزمه البحث عن المال و حلّه و حرمته ، فكان أعظم أجرا من المعطى . و قيل : لأنّ صاحب المال لمّا كان يصرفه في أغلب الأحوال في الفساد فإذا أخذه الفقير فقد فوّت عليه صرفه في القبائح فقد كفّه بأخذ المال من

-----------
( 784 ) شرح النهج لابن أبى الحديد ، ج 13 ص 96 ، ط بيروت .

[ 244 ]

ارتكاب القبيح ، و لا يخلو من بعد .

و « النّعمة » بالفتح ، غضارة العيش ، و في بعض النسخ بالكسر ، أي الخفض و الدعة و المال . قوله عليه السلام « من غير إحراج » أي من غير اضطرار إلى الكذب ، و روي بالواو . قوله عليه السلام « إذا عضّكم البلاء » يقال : « عضّ اللقمة » كسمع و منع أي أمسكها بأسنانه ، و « عضّ بصاحبه » أي لزمه ، و « عض الزمان و الحرب » شدّتهما . و « القتب » بالتحريك ، معروف . و « الغارب » ما بين العتق و السنام .

و قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام غير متصل بما قبله كما هو عادة الرضيّ . و قد ذكر عليه السلام بين ذلك ما ينال من شيعته من البؤس و القنوط و مشقّة انتظار الفرج . و قوله عليه السلام « ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء » حكاية كلام شيعته عليه السلام . 785 انتهى . فيكون المراد بالرجاء رجاء ظهور القائم عليه السلام . و قال ابن ميثم : و يح تمل أن يكون الكلام متّصلا ، أو يكون قوله عليه السلام « ما أطول هذا العناء » كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنيا و إتعابهم أنفسهم في طلبها ، و تنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها و بعد الرجاء لما يرجى منها . قوله عليه السلام « ألقوا » أي ألقوا من أيديكم أزمّة الآراء الفاسدة و الأعمال الكاسدة الّتي هي كالنوق و المراكب في حمل التبعات و الآثام . « و لا تصدّعوا » أي لا تتفرّقوا . و « السلطان » الأمير و الإمام .

و « غبّ كلّ شي‏ء » عاقبته . و « فور نار الفتنة » وهجها و غليانها . و « أميطوا » أي تنحّوا . و « السّنن » الطريقة . قوله عليه السلام « و خلّوا » أي دعوها تسلك طريقها ، و لا تتعرّضوا لها فتكونوا حطبا لنارها . 786

-----------
( 785 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 97 ، ط بيروت .

-----------
( 786 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 713 ، ط كمباني و ص 660 ، ط تبريز .

[ 245 ]