بيان

قال ابن عبد البر في الاستيعاب [ 787 ] و غيره : أجمع الناس كلّهم على أنه لم يقل أحد من الصحابة و لا أحد من العلماء هذا الكلام .

و قال ابن ميثم : كنّي بشغر رجلها عن خلوّ تلك الفتنة من مدبّر . [ 788 ] قال

[ 787 ] قال ابن عبد البرّ : حدّثنا قاسم ، حدّثنا عبد الوارث ، حدّثنا احمد بن زهير ، حدّثنا مسلم بن ابراهيم ، حدّثنا شعبة عن أبي اسحاق ، عن عبد الرحمن بن زيد ، عن علقمة ، عن عبد اللَّه ، قال : كنّا نتحدّث أن أقضى أهل المدينة عليّ بن أبي طالب .

قال أحمد بن زهير : و أخبرنا ابراهيم بن بشار ، قال : حدّثنا سفيان بن عيينة ، حدّثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : ما كان أحد من الناس يقول : « سلوني » غير عليّ بن أبي طالب . الاستيعاب ، ج 3 ، ص 39 .

[ 788 ] و قال بعض الشراح : الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها . شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 201 ، ط بيروت .

[ 248 ]

الجوهريّ : « بلدة شاعرة برجلها » إذا لم تمنع من غارة أحد . و « شغر البلد » أي خلا من الناس . و قال ابن الأثير : « شغر الكلب » رفع إحدى رجليه ليبول ، و قيل :

« الشغر » البعد . و قيل : الاتّساع . و منه حديث عليّ عليه السلام : قبل أن تشغر برجلها فتنة . انتهى .

و قوله عليه السلام « تطأ في خطامها » قال ابن ميثم 789 : استعارة بوصف الناقة الّتي أرسلت خطامها و خلت عن القائد في طريقها فهي تخبط و تعثر و تطأمن لقيت من الناس على غير نظام من حالها . « و تذهب بأحلام قومها » قال بعض الشارحين : أي يتحيّر أهل زمانها فلا يهتدون إلى طريق التخلّص عنها ، و يحتمل أن يريد أنّهم يأتون إليها سراعا رغبة و رهبة من غير معرفة بكونها فتنة . 790 [ هذا بيان آخر في شرح الكلام : ] بيان : « العواريّ » جمع « العاريّة » بالتشديد فيهما كأنّها منسوبة إلى العار ،

فإنّ طلبها عار و عيب . قال ابن ميثم رحمه اللَّه : قوله عليه السلام « فمن الايمان . . . » إلى آخره قسمة للايمان إلى قسمين : أحدهما الثابت المستقرّ في القلوب الّذي صار ملكة ، و ثانيهما ما كان في معرض الغير و الانتقال . و استعار عليه السلام لفظ « العواريّ » لكونه في معرص الاسترجاع و الردّ . و كنّى عليه السلام بكونه بين القلوب و الصدور عن كونه غير مستقرّ في القلوب و لا متمكّن من جواهر النفوس . 791 و قال ابن أبي الحديد : أراد عليه السلام من الايمان ما يكون على سبيل الاخلاص و منه ما يكون على سبيل النفاق . 792 و قوله عليه السلام « الى أجل معلوم » ترشيح لاستعارة العواريّ و هذه

-----------
( 789 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 201 ، ط بيروت .

-----------
( 790 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 10 ، كتاب الاحتجاج ، ص 128 .

-----------
( 791 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 193 ، ط بيروت .

-----------
( 792 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 102 ، ط بيروت .

[ 249 ]

القسمة إلى القسمين هي الموجودة في نسخة الرضيّ رضي اللَّه عنه بخطّه و في نسخ كثير من الشارحين و نسخ كثيرة معتبرة ثلاثة أقسام هكذا : « فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرّا في القلوب ، و منه ما يكون عواريّ [ في القلوب ، و منه ما يكون عواريّ ] 793 بين القلوب و الصدور إلى أجل معلوم » .

و قال ابن ابي الحديد في بيانها 794 : إنّ الايمان إمّا أن يكون ثابتا مستقرّا بالبرهان و هو الايمان الحقيقيّ ، أو ليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدلي ككثير ممّن لم يحقّق العلوم العقليّة و هو الّذي عبّر عليه السلام عنه بقوله « عواريّ في القلوب » فهو و إن كان في القلب الّذي هو محلّ الايمان الحقيقي إلاّ أنّ حكمه حكم العارية في البيت و إمّا أن يستند إلى تقليد و حسن ظنّ بالأسلاف . و قد جعله عليه السلام عواري بين القلوب و الصدور ، لأنّه دون الثاني فلم يجعله حالاّ في القلب . و ردّ قوله عليه السلام إلى أجل معلوم إلى القسمين الأخيرين لأنّ من لم يبلغ درجة البرهان ربما ينحطّ إلى درجة المقلّد ، فيكون إيمان كلّ منهما إلى أجل معلوم ، لكونه في معرض الزوال .

« فاذا كانت لكم براءة . . . » الخ قيل : أي إذا أردتم التبري من أحد فاجعلوه موقوفا إلى حال الموت ، و لا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت ، لأنّه يجوز أن يتوب و يرجع ، فاذا مات و لم يتب جازت البراءة منه ، لأنّه ليس له بعد الموت حالة تنتظر . و ينبغي أن تحمل هذه البراءة على البراءة المطلقة لجواز التبري من الفاسق و هو حيّ و من الكافر و هو حيّ ، لكن بشرط الاتّصاف بأحد الوصفين ، بخلاف ما بعد الموت .

و قيل : المعنى : انتظروا حتّى يأتيه الموت فانّه ربما يكون معتقدا للحقّ و يكتم إيمانه لغرض دنيويّ ، و قيل : هذا إشارة إلى ما كان يفعله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في الصلاة على المنافقين ، فاذا كبّر أربعا كانوا يعلمون أنّه منافق ، و إذا

-----------
( 793 ) ساقط من نسخة الكمباني .

-----------
( 794 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 102 ، ط بيروت .

[ 250 ]

كبّر خمسا كانوا يعلمون أنّه مؤمن ، فأشار عليه السلام إلى أنّه عند الموت تقع البراءة و تصحّ بعلامة تكبيراته الأربع . و كلا الوجهين كما ترى .

و الظاهر أنّ المراد بالبراءة قطع العلائق الايمانيّة الّتي يجوز معها الاستغفار كما يومي‏ء إليه قوله سبحانه : مَا كَانَ للِنَّبيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْستَغْفِرُوا لَلْمُشرِكينَ وَ لَوْ كَانُوا أولي قُرْبَي . . . 795 إلى قوله تعالى : فلَمَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوُّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ 796 « و الهجرة قائمة . . . » الخ ، و أصل الهجرة المأمور بها الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام . و قال في النهاية : فيه لا هجرة بعد الفتح و لكن جهادونيّة . و في حديث آخر : « لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التوبة » . « الهجرة » في الأصل اسم من « الهجر » ضدّ الوصل ، و قد هجره هجرا و هجرانا . ثمّ غلب على الخروج من أرض إلى أرض و ترك الأولى للثانية ، يقال منه : هاجر مهاجرة .

و الهجرة هجرتان :

إحداهما الّتي وعد اللَّه عليها الجنّة في قوله إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُومنِينَ أنفُسَهُمْ وَ أمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةُ 797 . فكان الرجل يأتي النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و يدع أهله و ماله لا يرجع في شي‏ء منه ، و ينقطع بنفسه إلى مهاجره ، و كان النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يكره أن يموت الرجل بالأرض الّتي هاجر منها ، فمن ثمّ قال : « لكنّ البائس سعد بن خولة » ، يرثي له أن مات بمكّة [ 798 ] ، و قال حين قدم مكّة : « اللّهمّ لا تجعل منايانا بها » . فلمّا فتحت مكّة صارت دار إسلام كالمدينة ، و انقطعت الهجرة .

و الهجرة الثانية من هاجر من الأعراب و غزا مع المسلمين ، و لم يفعل كما فعل

-----------
( 795 ) التوبة : 113 .

-----------
( 796 ) التوبة : 114 .

-----------
( 797 ) التوبة : 111 .

[ 798 ] أي يترقّق و يشفق عليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أن مات سعد بن خولة بمكّة في حجّة الوداع حين قال : لكنّ البائس سعد بن خولة قد مات في الارض الّتي هاجر منها . راجع ترجمته في الاستيعاب بذيل الاصابة ، ج 2 ، ص 41 .

[ 251 ]

أصحاب الهجرة الأولى ، فهو مهاجر و ليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة ، و هو المراد بقوله : « لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التوبة » . فهذا وجه الجمع بين الحديثين ، و إذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فانّما يراد بهما هجرة الحبشة و هجرة المدينة . 799 انتهى .

و قال ابن أبي الحديد : هذا كلام من أسرار الوصيّة يختصّ به عليّ عليه السلام لأنّ الناس يروون أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : « لا هجرة بعد الفتح » ، فشفّع عمّه العبّاس في نعيم بن مسعود الأشجعيّ أن يستثنيه فاستثناه ، و هذه الهجرة الّتي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك بل هي الهجرة إلى الامام . و قال بعض الأصحاب : تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الاسلام مع المكنة و يستحبّ للقادر على إظهارها تحرّزا عن تكثير سواد المشركين ، و المراد بها الأمور الّتي تختصّ بالاسلام كالأذان و الاقامة و صوم شهر رمضان و غير ذلك . و ألحق بعضهم ببلاد الشرك بلاد الخلاف الّتي لا يتمكّن فيها المؤمن إقامة شعائر الايمان مع الامكان . و لو تعذّرت الهجرة لمرض أو عدم نفقة أو غير ذلك فلا حرج لقوله تعالى : إلاّ المُستَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئكَ عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُو عَنْهُمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً 800 .

و الظاهر أنّ قوله عليه السلام « ما كان للَّه في أهل الأرض حاجة » كناية عن بقاء التكليف كما يدلّ عليه قول النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التوبة » . و للتجوّز مجال واسع و في الصحيفة السجاديّة : « و لا ترسلني من يدك إرسال من لا خير فيه ، و لا حاجة بك إليه » . و قيل : كلمة « ما » هيهنا نافية و وجّهوه بتوجيهات ركيكة . و « السرّ » ما يكتم و « استسرّ » أي استتر و اختفى ، فالمختفي حينئذ كمن لا يختفي بل يعلن نفسه لأنّه لا يخاف و لا يتّقي لدينه

-----------
( 799 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 103 ، ط بيروت .

-----------
( 800 ) النساء : 98 99 .

[ 252 ]

أو غيره ، و قيل : أي ممّن أسرّ دينه أو أظهره و أعلنه ، و « من » لبيان الجنس ، و قيل :

زائدة ، و لو حذفت لجرّ المستسرّ بدلا من أهل الأرض .

« لا يقع اسم الهجرة . . . » الخ ، أي يشترط في صدق الهجرة معرفة الامام و الاقرار به . و المراد بقوله « فمن عرفها . . . » الخ أنّه مهاجر بشرط الخروج إلى الامام و السفر إليه أو المراد بالمعرفة المعرفة المستندة إلى المشاهدة و العيان ، و يحتمل أن يكون المراد أن مجرّد معرفة الامام و الاقرار بوجوب اتّباعه كاف في إطلاق اسم الهجرة كما هو ظاهر الجزء الأخير من الكلام و يدلّ عليه بعض أخبارنا ، فمعرفة الامام و الاقرار به في زمانه قائم مقام الهجرة المطلوبة في زمان الرسول صلّى اللَّه عليه و آله .

و قال بعض الأصحاب : الهجرة في زمان الغيبة سكنى الأمصار لأنّها تقابل البادية مسكن الأعراب . و الأمصار أقرب إلى تحصيل الكمالات من القرى و البوادي فانّ الغالب على أهلها الجفاء و الغلظة و البعد عن العلوم و الكمالات كما روي عن النبي صلى اللَّه عليه و آله أنّ الجفاء و القسوة في الفدّادين [ 801 ] ، و قيل : هي الخروج إلى طلب العلوم فيعمّ الخروج عن القرى و البوادي ، و الخروج عن بلد لا يمكن فيه طلب العلم .

« و لا يقع اسم الاستضعاف . . . » الخ ، « الاستضعاف » عدّ الشي‏ء ضعيفا أو وجدانه ضعيفا و « استضعفه » أي طلب ضعفه . و « الحجّة » الدليل و البرهان ، و يعبّر به عن الامام لأنّه دليل الحقّ ، و المراد به هنا إمّا دليل الحقّ من أصول الدين أو الأعمّ أو الامام بتقدير مضاف أي حجّة الحجّة .

قال القطب الراونديّ رحمه اللَّه : يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى إحدى آيتين :

إحداهما : « إنّ الّذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم ؟

قالوا : كنّا مستضعفين في الارض . قالوا : أ لَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فيها ؟

[ 801 ] « الفدادون » الجمالون و الرعيان و البقارون و الحمارون و الفلاّحون و أصحاب الوبر و الّذين تعلو أصواتهم في حروثهم و مواشيهم و المكثرون من الابل .

[ 253 ]

فأولئك مأويهم جهنّم و ساءت مصيرا » 802 . فيكون مراده عليه السلام على هذا أنّه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الامام و بلغته أحكامه و وعاها قلبه ، و إن بقي في ولده و أهله لم يتجشّم السفر إلى الامام ، كما صدق على هؤلاء المذكورين في الآية .

و الثانية قوله تعالى بعد ذلك : « إلاّ المستضعفين من الرجال و النساء الآية » 803 . فيكون مراده على هذا أنّ من عرف الامام و سمع مقالته و وعاها قلبه لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما صدق على هؤلاء ، إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول المهاجرة بالأبدان دون من بعدهم ، بل يقنع منهم بمعرفته و العلم بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن .

و قال ابن ميثم رحمه اللَّه بعد حكاية كلامه : و أقول : يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنّه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجّة فسمعتها أذنه في تأخيره عن النهوض و المهاجرة إليه مع قدرته على ذلك و لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق على المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان حتّى يكون ذلك عذرا له ، بل يكون في تأخّره ملوما مستحقّا للعقاب كالّذين قالوا : كنّا مستضعفين في الأرض ، و يكون مخصوصا بالقادرين على النهوض دون العاجزين ، فانّ اسم الاستضعاف صادق عليهم 804 انتهى .

و أقول : سيأتي شرح هذا الكلام في أخبار كثيرة و أنّ المراد به أنّ المستضعف المعذور في معرفة الامام في زمان الهدنة في الجملة ، إنّما هو إذا لم تبلغة الحجّة و اختلاف الناس فيه ، أو بلغه و لم يكن له عقل يتميّز به بين الحقّ و الباطل ،

كما سنذكر تفصيله إن شاء اللَّه تعالى .

« إنّ أمرنا صعب مستصعب » ، « الصعب » العسر و الأبيّ الّذي لا ينقاد بسهولة ضدّ الذلول ، و « استصعب الأمر » أي صار صعبا ، و « استصعبت الأمر » أي

-----------
( 802 ) النساء : 97 .

-----------
( 803 ) النساء : 98 .

-----------
( 804 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 198 ، ط بيروت .

[ 254 ]

وجدته صعبا . و « حملته و احتملته » بمعنى ، و « حمّلته » بالتشديد ، فاحتمله . و « الامتحان » الاختبار و « امتحن اللَّه قلبه » أي شرحه و وسّعه .

قال ابن أبي الحديد : قال اللَّه تعالى : « أولئك الّذين امتحن اللَّه قلوبهم للتّقوى » 805 يقال : « امتحن فلان لأمر كذا » أي جرّب للنهوض به ، فهو قويّ على احتمال مشاقّه و يجوز أن يكون بمعنى المعرفة لأنّ تحقيقك الشي‏ء إنّما يكون باختباره ،

فوضع موضعها فيتعلّق اللام بمحذوف ، أي كائنة له ، و هي اللام التي في قولك « أنت لهذا الأمر » أي مختصّ به و يكون مع معمولها منصوبة على الحال ، و يجوز أن يكون المعنى : ضرب اللَّه قلوبهم بأنواع المحن لأجل التقوى ، أي ليثبّت و يظهر تقواها و يعلم أنّهم متّقون ، لأنّ التقوى لا يعلم إلاّ عند الصبر على المحن و الشدائد أو أخلص قلوبهم للتقوى أي أذابه و صفّاه . و « وعيت الحديث » أي حفظته و فهمته و الغرض حفظ الحديث عن الإذاعة و ضبط الأسرار عن إفضائها إلى غير أهلها أو الاذعان الكامل به ،

و عدم التزلزل عند العجز عن المعرفة التفصيليّة به ، فيكون كالتفسير لما قبله . و « الحلم » بالكسر ، الأناة و العقل . و « الرزانة » الوقار .

و حاصل الكلام أنّ شأنهم و ما هم عليه من الكمال و القدرة على خوارق العادات صعب لا يحصل لغيرهم ، مستصعب الفهم على الخلق ، أو فهم علومهم و إدراك أسرارهم مشكل يستصعبه أكثر الخلق ، فلا يقبله حقّ القبول بحيث لا يخرج إلى طرف الافراط بالغلوّ أو التفريط بعدم التصديق ، أو القول بعدم الحقّ لسوء الفهم إلاّ قلب عبد شرحه اللَّه و صفّاه للايمان ، فيحمل كلّما يأتون به على وجهه إذا وجد له محملا و يصدّق إجمالا بكلّ ما عجز عن معرفته تفصيلا و يردّ علمه إليهم عليهم السّلام .

و المراد بطرق السماء الطرق الّتي يصعد منها الملائكة و يرفع فيها أعمال العباد ،

أو منازل سكّان السماوات و مراتبهم ، أو الأمور المستقبلة و ما خفي على الناس ممّا لا يعلم إلاّ بتعليم ربّانيّ فانّ مجاري نزولها في السماء ، أو أحكام الدين و قواعد الشريعة و

-----------
( 805 ) الحجرات : 3 .

[ 255 ]

على ما يقابل كلّ واحد منها يحمل طرق الأرض .

و « شغر البلد » كمنع إذا خلا من حافظ يمنعه ، و « بلدة شاغرة برجلها » لم تمنع عن غارة أحد ، و « شغرت المرأة » رفعت رجلها للنكاح ، و « شغرتها » فعلت بها ذلك ، يتعدّى و لا يتعدّى ، و « شغر الكلب » إذا رفع أحد رجليه ليبول ، و قيل :

« الشغر » البعد و الاتّساع ، و قيل كنّي بشغر رجلها عن خلوّ تلك الفتنة عن مدبّر يردّها و يحفظ الأمور و ينظم الدين . و يحتمل أن يكون كناية عن شمولها للبلاد و العباد من الشغر بمعنى الاتّساع ، أو من شغر الكلب ، أو من شغرة المرأة كناية عن تكشّفها و عدم مبالاتها بظهور عيوبها و إبداء سوءتها . و « الوطء » الدوس بالرجل . و « الخطم » بالفتح من الدابّة ، مقدّم أنفها ، و « الخطام » ككتاب ما يوضع في أنف البعير ليقتاد به . و الوطء في الخطام كناية عن فقد القائد و إذا خلت الناقة من القائد تعثر و تخبط ، و تفسد ما تمرّ عليه بقوائمها .

« و تذهب بأحلام قومها » أي تفسد عقول أهلها فكانت أفعالهم على خلاف ما يقتضيه العقل ، فالمراد بأهلها المفسدون ، أو يتحيّر أهل زمانها فلا يهتدون إلى طريق التخلّص عنها ، فأهلها من أصابته البليّة ، أو يأتي أهل ذلك الزمان إليها رغبة و رهبة و لا يتفحّصون عن كونها فتنة لغفلتهم عن وجه الحقّ فيها . 806