بيان

« الأرماس » جمع « الرمس » و هو القبر . و « الإبلاس » اليأس و الانكسار و الحزن . و قال الجزريّ : « المطّلع » مكان الاطّلاع من الموضع العالي ، و منه الحديث : « لافتديت من هول المطلع » أي الموقف يوم القيامة ، أو ما يشرف عليه من

-----------
( 807 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 18 ، كتاب تاريخ نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله ص 223 .

[ 257 ]

أمر الآخرة عقيب الموت ، فشبّهه بالمطّلع الّذي يشرف عليه من موضع عال . و « اختلاف الأضلاع » كناية عن ضغطة القبر ، إذ يحصل بسببها تداخل الأضلاع و اختلافها . و « الضريح » الشقّ في وسط القبر ، و اللحد في الجانب . و « الصفيح » الحجر ، و المراد بردمه هنا سدّ القبر به . 808 [ إنّ ما سيأتي هنا بحوث و دراسات في أحوال البرزخ و القبر و عذابه و سؤاله بمناسبة البحث حول القيامة . ] [ تذييل ] ثم اعلم أن عذاب البرزخ و ثوابه ممّا اتّفقت عليه الأمّة سلفا و خلفا ، و قال به أكثر أهل الملل و لم ينكره من المسلمين إلاّ شرذمة قليلة لا عبرة بهم ، و قد انعقد الإجماع على خلافهم سابقا و لا حقا . و الأحاديث الواردة فيه من طرق العامّة و الخاصّة متواترة المضمون ، و كذا بقاء النفوس بعد خراب الأبدان مذهب أكثر العقلاء من الملّيين و الفلاسفة ، و لم ينكره إلاّ فرقة قليلة كالقائلين بأنّ النفس هي المزاج و أمثاله ممن لا يعبأبهم و لا بكلامهم ، و قد عرفت ما يدلّ عليه من الأخبار الجليّة و قد أقيمت عليه البراهين العقليّة ، و لنذكر بعض كلمات علماء الفريقين في المقامين .

قال نصير الملّة و الدين قدّس اللَّه روحه في التجريد : عذاب القبر واقع لإمكانه و تواتر السمع بوقوعه .

و قال العلاّمة الحلّيّ نورّ اللَّه ضريحه في شرحه : نقل عن ضرار أنّه أنكر عذاب القبر ، و الإجماع على خلافه .

و قال الشيخ المفيد رحمه اللَّه في أجوبة المسائل السرويّة حيث سئل :

ما قوله أدام اللَّه تأييده في عذاب القبر و كيفيّته ؟ و متى يكون ؟ و هل تردّ الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا ؟ و هل يكون العذاب في القبر أن يكون بين النفختين ؟ الجواب : الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل .

و قد ورد عن أئمّة الهدى عليهم السلام أنّهم قالوا : ليس يعذّب في القبر كلّ

-----------
( 808 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 6 ، كتاب العدل و الايمان ، ص 244 .

[ 258 ]

ميّت ، و إنّما يعذّب من جملتهم من محض الكفر محضا ، و لا ينعّم كلّ ماض لسبيله ، و إنّما ينعّم منهم من محض الإيمان محضا ، فأمّا ما سوى هذين الصنفين فإنّه يلهى عنهم . و كذلك روي أنّه لا يسأل في قبره إلاّ هذان الصنفان خاصّة ، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه . فأمّا عذاب الكافر في قبره و نعيم المؤمنين فيه فانّ الخبر أيضا قد ورد بأنّ اللَّه تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنّة من جنّاته ينعّمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الّذي بلي في التراب و تمزّق ثمّ أعاده إليه و حشره إلى الموقف ، و أمر به إلى جنّة الخلد ، فلا يزال منعّما ببقاء اللَّه عزّ و جلّ غير أن جسده الّذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل تعدل طباعه ، و تحسن صورته ، فلا يهرم مع تعديل الطباع ، و لا يمسّه نصب في الجنّة و لا لغوب ، و الكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محلّ عذاب يعاقب به ،

و نار يعذّب بها حتّى الساعة ، ثمّ أنشي‏ء جسده الّذي فارقه في القبر و يعاد إليه ، ثمّ يعذّب به في الآخرة عذاب الأبد ، و يركّب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه ، و قد قال اللَّه عزّ و جلّ اسمه : النَّارُ يُعْرَضونَ عَلَيْها عُدُوا وَ عَشيّاً وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادخِلُوا آلَ فِرعُونَ أشَدَّ العَذَاب 809 و قال في قصة الشهداء : و لا تحسبن الّذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل احياء عند ربهم يرزقون » 810 . فدلّ على أنّ العذاب و الثواب يكونان قبل يوم القيامة و بعدها ، و الخبر وارد بأنّه يكون مع فراق الروح الجسد من الدنيا ، و الروح ههنا عبارة عن الفعّال الجوهر البسيط ، و ليس بعبارة عن الحياة الّتي يصحّ معها العلم و القدرة لأنّ هذه الحياة عرض لا يبقى و لا يصحّ الإعادة فيه فهذا ما عوّل عليه بالنقل و جاء به الخبر على ما بيّنّاه .

ثمّ سئل رحمه اللَّه : ما قوله أدام اللَّه تمكينه في معنى قول اللَّه تعالى : « و لا تحسبن الّذين قتلوا في سبيل اللَّه امواتا بل احياء عند ربّهم يرزقون » ؟ 811 أهم أحياء في الحقيقة على ما تقتضيه الآية ام الآية مجاز ؟ و أنّ أجسادهم الآن في قبورهم أم في الجنّة ؟

-----------
( 809 ) الغافر : 46 .

-----------
( 810 ) آل عمران : 169 .

-----------
( 811 ) آل عمران : 169 .

[ 259 ]

فإنّ المعتزلة من أصحاب أبي هاشم يقولون : إنّ اللَّه تعالى ينزع من جسد كلّ واحد منهم أجزاء قدر ما يتعلّق به الروح ، و إنّه تعالى يرزقهم على ما نطقت به الآية ، و ما سوى هذا من أجزاء أبدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى .

الجواب : هذا المحكيّ عن أصحاب أبي هاشم لأنّ المحفوظ عنه الإنسان المخاطب المأمور المنهيّ هو البنية الّتي لا تصحّ الحياة إلاّ بها و ما سوى ذلك من الجسد ليس بإنسان و لا يتوجّه إليه أمر و لا نهي و لا تكليف ، و إن كان القوم يزعمون أنّ تلك البنية لا تفارق ما جاورها من الجسد فيعذّب أو ينعّم فهو مقال يستمرّ على أنّ البنية الّتي ذكروها هو المكلّف المأمور المنهيّ و باقي جسده في القبر : إلاّ أنّهم لم يذكروا كيف يعذّب من عذّب و يثاب من أثيب ؟ أفي دار غير الدنيا أم فيها ؟ و هل يحيى بعد الموت أو تفارق الجملة في الدنيا فلا يلحقه موت ؟ ثمّ لم يحك عنهم في أي محلّ يعذّبون و يثابون ؟ و فيما قالوه من ذلك فليس به أثر و لا يدلّ عليه العقل ، و إنّما هو يخرج منهم على الظنّ و الحساب ، و من بنى مذهبه على الظّنّ في مثل هذا الباب كان بمقالته مفتريا ، ثمّ الّذي يفسد قولهم من بعد ما دلّ على أنّ الإنسان المأمور المنهيّ هو الجوهر البسيط ، و أنّ الأجزاء المؤلّفة لا يصحّ أن تكون فعّالة ، و دلائل ذلك يطول بإثباتها الكتاب ، و فيما أومأنا إليه منها كفاية فيما تعلّق به السؤال و باللَّه التوفيق .

و سئل عنه قدّس اللَّه روحه في المسائل العكبريّة عن قول اللَّه تعالى : « و لا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللَّه الآية » 812 هل يكون الرزق لغير جسم ؟ و ما صورة هذه الحياة ؟ فإنّا مجمعون على أنّ الجواهر لا تبلى شيئا ، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن و الكافر .

فأجاب رحمه اللَّه بأنّ الرزق لا يكون عندنا إلاّ للحيوان ، و الحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات أخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد ، و تعذّر عليهم كثير من الأفعال إلاّ بها ، فإن أغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا يحصل لهم به اللذات ، و إن افتقروا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء . فأمّا

-----------
( 812 ) آل عمران : 169 .

[ 260 ]

قوله « ما صورة هذه الحياة ؟ » فالحياة لا صورة لها لأنها عرض من الأعراض و هي تقوم بالذات الفعّالة دون الأجساد الّتي تقوم بها حياة النموّدون الحياة التي هي شرط في العلم و القدرة و نحوهما من الأعراض . و قوله « إنّا مجمعون على أنّ الجواهر لا تبلى شيئا » فليس ذلك كما ظنّ ، و لو كان كما توهم لم يمتنع أن توجد الحياة لبعض الجواهر و ترفع عن بعض ، كما توجد حياة النموّ لبعض الأجساد و ترفع من بعض بالاتفاق ، و لو قلنا : « إنّ الحياة بعد النقلة من هذه الدار تعمّ أهل الكفر و الإيمان » لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين ، فكانت الحياة لأهل الإيمان شرطا في وصول اللذّات إليهم ،

و الحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب . انتهى .

و قال شارح المقاصد : اتّفق الإسلاميّون على حقيقة سؤال منكر و نكير في القبر و عذاب الكفّار و بعض العصاة فيه ، و نسب خلافه إلى بعض المعتزلة ، قال بعض المتأخّرين منهم : حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو ، و إنّما نسب إلى المعتزلة و هم برآء منه لمخالطة ضرار إيّاهم ، و تبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحقّ و نحوه ، قال في المواقف : و قال المحقّق الدوّانيّ في شرح العقائد العضديّة :

عذاب القبر للمؤمن و الفاسق و الكافر حقّ لقوله تعالى : « النّار يعرضون عليها عدوّا و عشيّا الآية » 813 .

و قوله : « ربّنا امتنا اثنتين و احييتنا اثنتين » 814 ، و لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة و العشي ، إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة ، و إن كان من أهل النار فمن النار ، فيقال : هذا مقعدك حتّى نبعثك يوم القيامة » ، و قوله صلّى اللَّه عليه و آله : « استنزهوا من البول فإنّ عامّة عذاب القبر منه » ، و قوله صلّى اللَّه عليه و آله : « القبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران » . و نقل العلاّمة التفتازانيّ عن السيّد أبي الشجاع أنّ الصبيان يسألون و كذا الأنبياء عليهم السلام و قيل : إنّ الأنبياء لا يسألون لأنّ السؤال على ما ورد في الحديث عن ربّه و عن دينه و عن نبيّه ، و لا يعقل

-----------
( 813 ) الغافر : 46 .

-----------
( 814 ) الغافر : 11 .

[ 261 ]

السؤال عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من نفس النبيّ ، و أنت خبير بأنّه لا يدلّ على عدم السؤال مطلقا بل عدم السؤال عن نبيّه فقط ، و ذلك أيضا في الّذي لا يكون على ملّة نبيّ آخر .

و اختلف الناس في عذاب القبر فأنكره قوم بالكلّيّة و أثبته آخرون ، ثمّ اختلف هؤلاء فمنهم من أثبت التعذيب و أنكر الإحياء و هو خلاف العقل ، و بعضهم لم يثبت العذاب بالفعل بل قال : تجتمع الآلام في جسده فإذا حشر أحسّ بها دفعة ، و هذا إنكار لعذاب القبر حقيقة ، و منهم من قال بإحيائه لكن من غير إعادة الروح ، و منهم من قال بالإحياء و إعادة الروح و لا يلزم أن يرى أثر الحياة فيه حتى انّ المأكول في بطن الحيوانات يحيى و يسأل و ينعّم و يعذّب و لا ينبغي أن ينكر لأنّ من أخفى النار في الشجرة الأخضر قادر على إخفاء العذاب و النعيم .

قال الإمام الغزّاليّ في الإحياء : اعلم أنّ لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا .

أحدها و هو الأظهر و الأصحّ أن تصدّق بأنّ الحيّة مثلا موجودة تلدغ الميّت و لكنّا لا نشاهد ذلك ، فإنّ ذلك العين لا يصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتيّة ، و كلّ ما يتعلّق بالآخرة فهو من عالم الملكوت ، أما ترى أنّ الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل عليه السلام ، و ما كانوا يشاهدونه ، و يؤمنون أنّه صلّى اللَّه عليه و آله يشاهده ؟ فإن كنت لا تؤمن بهذا ، فتصحيح الإيمان بالملائكة و الوحي عليك أوجب ، و إن أمنت به و جوّزت أن يشاهد النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ما لا تشاهده الأمّة فكيف لا تجوّز هذا في الميّت ؟ .

المقام الثاني أن تتذكّر أمر النائم فإنّه يرى في نومه حيّة تلدغه و هو يتألم بذلك حتّى يرى في نومه يصيح و يعرق جبينه ، و قد ينزعج من مكانه . كل ذلك يدرك من نفسه و يتأذّى به كما يتأذّى اليقظان ، و أنت ترى ظاهره ساكنا و لا ترى في حواليه حيّة ، و الحيّة موجودة في حقّه ، و العذاب حاصل ، و لكنّه في حقّك غير مشاهد ، و إن كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حيّة تتخيّل أو تشاهد .

[ 262 ]

المقام الثالث أنّ الحيّة بنفسها لا تؤلم بل الّذي يلقاك منها هو السمّ ، ثمّ السمّ ليس هو الألم ، بل عذابك في الأثر الّذي يحصل فيك من السمّ ، فلو حصل مثل ذلك من غير سمّ فكان ذلك العذاب قد توفّر ، و قد لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلاّ بأن يضاف إلى السبب الّذي يفضي إليه في العادة ، و الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات و مؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كالام لدغ الحيّات من غير وجود الحيّات .

فإن قلت : ما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة ؟ فاعلم أنّ من الناس من لم يثبت إلاّ الثالث ، و إنّما الحقّ الّذي انكشف لنا من طريق الاستبصار أنّ كلّ ذلك في حيّز الإمكان ، و أنّ من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته و جهله باتّساع قدرة اللَّه و عجائب تدبيره منكر من أفعال اللَّه تعالى ما لم يأنس به و لم يألفه و ذلك جهل و قصور ، بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكن و التصديق بها واجب ، و ربّ عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع الثلاثة . هذا هو الحقّ فصدّق به .

ثمّ قال : و سؤال منكر و نكير حقّ لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « إذا أقبر الميّت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما : منكر و للآخر : نكير ، يقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمنا فيقول ، هو عبد اللَّه و رسوله ، أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللَّه ، فيقولان : قد كنّا نعلم أنّك تقول هذا ، ثمّ يفسح في قبره سبعين ذراعا في سبعين ذراعا ، ثم ينوّر له فيه ، ثم يقال له : نم ، فيقول :

أرجع إلى أهلي فأخبرهم ؟ فيقولان : نم كنومة العروس الّذي لا يوقظه إلاّ أحبّ أهله ،

حتّى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك . و إن كان منافقا قال : سمعت الناس يقولون ،

فقلت مثله ، لا أدري فيقولان : قد كنّا نعلم أنّك تقول ذلك ، فيقال للأرض : التئمي عليه ، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه ، فلا يزال فيه معذّبا حتّى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك .

و أنكر الجبائيّ و ابنه و البلخيّ تسمية الملكين منكرا و نكيرا و قالوا : إنّما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل ، و النكير إنّما هو تقريع الكافر ، و هو

[ 263 ]

خلاف ظاهر الحديث . و الأحاديث الصحيحة الدالّة على عذاب القبر و نعيمه و سؤال الملكين أكثر من أن تحصر بحيث يبلغ قدره المشترك حدّ التواتر و إن كان كلّ منها خبر الآحاد ، و اتّفق عليه السلف الصالح قبل ظهور المخالف . و أنكره مطلقا ضرار بن عمرو و أكثر متأخّري المعتزلة و بعض الروافض متمسّكين بأنّ الميّت جماد فلا يعذّب ،

و ما سبق حجّة عليهم ، و من تأمّل عجائب الملك و الملكوت و غرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذا ، فإنّ للنفس نشآت و في كلّ نشأة تشاهد صورا تقتضيها تلك النشأة ، فكما أنّها تشاهد في المنام أمورا لم تكن تشاهد في اليقظة فكذا تشاهد في حال الانخلاع عن البدن أمورا لم تكن تشاهد في الحياة . و إلى هذا يشير من قال : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا . انتهى كلامه .

و لا يخفى على أحد أنّ ما نسبه هو و غيره إلى الشيعة في هذا الباب فرية بلا مرية . و لا يوجد من ذلك في كتبهم عين و لا أثر ، و قد سمعت بعض كلماتهم في ذلك ، و لعلّه رأى ذلك في بعض كتب الملاحدة من الإسماعيليّة ، و غيرهم الملصقين بهذه الفرقة المحقّة فنسب ذلك إليهم مجملا ، و هذا تدليس قبيح و لا سيّما من الفضلاء .

ثمّ اعلم أنّه روى العامّة في كتبهم عن أبي أمامة الباهليّ أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : « إذا مات أحدكم و سوّيتم عليه التراب فليقم أحدكم عند قبره ثم ليقل : يا فلان بن فلانة فإنّه يسمع و لا يجيب ، ثمّ ليقل : يا فلان بن فلانة الثانية فيستوي قاعدا ، ثمّ ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنّه يقول : أرشدنا رحمك اللَّه ،

فيقول : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا ، شهادة أن لا إله إلاّ اللَّه ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و أنّك رضيت باللَّه ربّا ، و بالإسلام دينا ، و بمحمّد نبيّا ، و بالقرآن إماما . فإنّ منكرا و نكيرا يتأخر كلّ واحد منهما فيقول : انطلق فما يقعدنا عند هذا و قد لقّن حجّته ؟ » فقال : يا رسول اللَّه فإن لم يعرف أمّه ؟

قال : فلينسبه إلى حوّاء .

و قال الشيخ البهائيّ قدّس اللَّه روحه : قد يتوهم أنّ القول بتعلّق

[ 264 ]

الأرواح بعد مفارقة أبدانها العنصريّة بأشباح أخر كما دلّت عليه الأحاديث قول بالتناسخ ، و هذا توهّم سخيف لأنّ التناسخ الّذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلّق الأرواح بعد خراب أجسادها بأجسام أخر في هذا العالم ، إمّا عنصريّة كما يزعم بعضهم و يقسّمه إلى النسخ و المسخ و الفسخ و الرسخ ، أو فلكيّة ابتداء أو بعد تردّدها في الأبدان العنصريّة على اختلاف آرائهم الواهية المفصّلة في محلّها .

و أمّا القول بتعلّقها في عالم آخر بأبدان مثاليّة مدّة البرزخ إلى أن تقوم قيامها الكبرى فتعود إلى أبدانها الأوليّة بإذن مبدعها إمّا بجمع أجزائها المتشتّتة أو بإيجادها من كتم العدم كما أنشأها أوّل مرّة فليس من التناسخ في شي‏ء ، و إن سمّيته تناسخا فلا مشاحّة في التسمية إذا اختلف المسمّى ، و ليس إنكارنا على التناسخيّة و حكمنا بتكفيرهم بمجرّد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر ، فإنّ المعاد الجسمانيّ كذلك عند كثير من أهل الإسلام ، بل بقولهم بقدم النفوس و تردّدها في أجسام هذا العالم و إنكارهم المعاد الجسمانيّ في النشأة الأخرويّة . . .

قال الفخر الرازيّ في نهاية العقول : إن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح و ردّها إلى الأبدان لا في هذا العالم ، و التناسخيّة يقولون بقدمها و ردها إليها في هذا العالم و ينكرون الآخرة و الجنّة و النار ، و إنّما كفروا من أجل هذا الإنكار . انتهى كلامه ملخّصا . فقد ظهر البون البعيد بين القولين . انتهى كلامه . زاد اللَّه في إكرامه .

ثمّ اعلم أنّ مقتضى قواعد العدليّة و ظواهر النصوص الماضية و الآتية أنّه إنّما يسأل في القبر المكلّفون الكاملون لا الأطفال و المجانين و المستضعفون ، و أمّا الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و إن كان المفهوم من فحوى عدم سؤال من لقّن و أمثالهم و ما مرّ أنّه يسأل و هو مضغوط على بعض محتملاته و غيره ممّا يدلّ على رفعة شأنهم عدم السؤال عنهم ، لكن لمّا لم نر فيه نصّا صريحا فالأولى عدم التعرض له نفيا و إثباتا ، و لذا لم يتعرّض له علماءنا رضوان اللَّه عليهم .

قال صاحب المحجّة البيضاء في مذهب آل العباء : اختلف أهل السنة في أنّ الأنبياء عليهم السلام هل يسألون في القبر أم لا ؟ و كذا في الأطفال ؟ فقيل :

[ 265 ]

الأصحّ أنّ الأنبياء عليهم السلام لا يسألون . و قال الصفّار : ليس في هذا نصّ و لا خبر و لا دليل فانتفي ذلك عنهم ، و ما روي عنه صلّى اللَّه عليه و آله من الاستعاذة عن عذاب القبر فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى اللَّه تعالى و قيل : هو تحكّم محض لجواز أن يقال : « آمن الرّسول بما أنزل اليه من ربّه » 815 فكما جاز أن يسأل المؤمن عمّا آمن به فيقال : من ربّك و ما دينك ؟ فكذا الرسول يسأل عمّا آمن به . فعلم أنّ حمل الاستعاذة على المبالغة تحكّم بغير دليل ، و لأنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله صاحب عهدة عظيمة لأنّه إنّما بعث لبيان الشرائع و صرف القلوب إلى اللَّه تعالى فلم لا يجوز أن يسأل عمّا كان في عهدته ؟ حتّى قيل : و سؤالهما الأنبياء بهذه العبارة : على ما ذا تركتم أمّتكم ؟

و الحقّ أنّ الأئمّة كالأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين في هذه الأمور كلّها ، و لم أر في كتب الإماميّة هذه المسألة لا نفيا و لا إثباتا ، و الّذي يطمئنّ إليه قلبي أنّهم مع الأئمّة سلام اللَّه عليهم مستثنون من هذه الأحكام . انتهى .

و قال الصدوق رحمه اللَّه في رسالة العقائد : اعتقادنا في المساءلة في القبر أنّها حق لا بدّ منها ، فمن أجاب بالصواب فإذا بروح و ريحان في قبره و بجنّة نعيم في الآخرة و من لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره و تصلية جحيم في الآخرة . و أكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة و سوء الخلق و الاستخفاف بالبول ، و أشدّ ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجّام ، و يكون ذلك كفّارة لما بقي عليه من الذنوب الّتي تكفّرها الهموم و الغموم و الأمراض و شدّة النزف عند الموت .

فإنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله كفّن فاطمة بنت أسد في قميصه بعد ما فرغت النساء من غسلها و حمل جنازتها على عاتقه حتّى أوردها قبرها ، ثمّ وضعها و دخل القبر و اضطجع فيه ثمّ قام فأخذها على يديه و وضعها في قبرها ، ثمّ انكبّ عليها يناجيها طويلا و يقول لها : ابنك ابنك ، ثمّ خرج و سوى عليها التراب ، ثمّ انكبّ على قبرها فسمعوه و هو يقول : اللّهم إنّي أودعتها إيّاك . ثمّ انصرف .

-----------
( 815 ) البقرة : 285 .

[ 266 ]

فقال له المسلمون : يا رسول اللَّه إنّا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم ؟ فقال : اليوم فقدت برّ أبي طالب إنّها كانت يكون عندها الشي‏ء فتؤثرني به على نفسها و ولدها ، و إنّي ذكرت القيامة و أنّ الناس يحشرون عراة فقالت و اسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها اللَّه تعالى كاسية ، و ذكرت ضغطة القبر فقالت : و اضعفاه فضمنت لها أن يكفيها اللَّه تعالى ذلك فكفّنتها بقميصي و اضطجعت في قبرها لذلك و انكببت عليها فلقّنتها ما تسأل عنه ، و إنّما سئلت عن ربّها فقالت : اللَّه ، و سئلت عن نبيّها فأجابت ، و سئلت عن وليّها و إمامها فارتج عليها ، فقلت لها : ابنك ابنك .

أقول : و قال الشيخ المفيد نورّ اللَّه ضريحه في شرح هذا الكلام : جاءت الأخبار الصحيحة عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم ، و ألفاظ الأخبار بذلك متقاربة ، فمنها أنّ ملكين للَّه تعالى يقال لهما : ناكر و نكير ، ينزلان على الميّت فيسألانه عن ربّه و نبيّه و دينه و إمامه فإن أجاب بالحقّ سلّموه إلى ملائكة النعيم ، و إن أرتج عليه سلّموه إلى ملائكة العذاب . و قيل في بعض الأخبار : إنّ اسمي الملكين اللّذين ينزلان على المؤمن مبشر و بشير . و قيل : إنّه إنّما سمّي ملكا الكافر ناكرا و نكيرا لأنّه ينكر الحقّ و ينكر ما يأتيانه به و يكرهه ، و سمّي ملكا المؤمن مبشرا و بشيرا لأنّهما يبشّرانه من اللَّه تعالى بالرضا و الثواب المقيم . و إنّ هذين الاسمين ليسا بلقب لهما ، و إنّهما عبارة عن فعلهما ، و هذه امور تتقارب بعضها من بعض و لا تستحيل معانيها و اللَّه أعلم بحقيقة الأمر فيها .

و قد قلنا فيما سلف : إنّما ينزل الملكان على من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا ، و من سوى هذين فيلهى عنه و بيّنّا أنّ الخبر جاء بذلك فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه .