الوصية بالزهد و التقوى

عباد اللَّه أوصيكم بتقوى اللَّه فإنّها حقّ اللَّه عليكم ، و الموجبة على اللَّه حقّكم ، و أن تستعينوا عليها باللَّه ، و تستعينوا بها على اللَّه :

فإنّ التّقوى في اليوم الحرز و الجنّة ، و في غد الطّريق إلى الجنّة .

مسلكها واضح ، و سالكها رابح ، و مستودعها ( 2484 ) حافظ . لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم و الغابرين ، لحاجتهم إليها غدا ، إذا أعاد اللَّه ما أبدى ، و أخذ ما أعطى ، و سأل عمّا أسدى ( 2485 ) .

فما أقلّ من قبلها ، و حملها حقّ حملها أولئك الأقلّون عددا ، و هم أهل صفة اللَّه سبحانه إذ يقول : « و قليل من عبادي الشّكور » .

فأهطعوا ( 2486 ) بأسماعكم إليها ، و ألظّوا ( 2487 ) بجدّكم عليها ، و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، و من كلّ مخالف موافقا . أيقظوا بها نومكم ،

و اقطعوا بها يومكم ، و اشعروها قلوبكم ، و ارحضوا ( 2488 ) بها ذنوبكم ،

و داووا بها الأسقام ، و بادروا بها الحمام ، و اعتبروا بمن أضاعها ،

و لا يعتبرنّ بكم من أطاعها . ألا فصونوها و تصونوا ( 2489 ) بها ، و كونوا عن الدّنيا نزّاها ( 2490 ) ، و إلى الآخرة ولاّها ( 2491 ) . و لا تضعوا من رفعته التّقوى ، و لا ترفعوا من رفعته الدّنيا . و لا تشيموا ( 2492 ) بارقها ( 2493 ) ، و لا تسمعوا ناطقها ، و لا تجيبوا ناعقها ، و لا تستضيئوا

[ 273 ]

بإشراقها ، و لا تفتنوا بأعلاقها ( 2494 ) ، فإنّ برقها خالب ( 2495 ) ، و نطقها كاذب ، و أموالها محروبة ( 2496 ) ، و أعلاقها مسلوبة . ألا و هي المتصدّية ( 2497 ) العنون ( 2498 ) ، و الجامحة الحرون ( 2499 ) ، و المائنة الخوؤن ( 2500 ) ، و الجحود الكنود ( 2501 ) ، و العنود الصّدود ( 2502 ) ، و الحيود الميود ( 2503 ) . حالها انتقال ، و وطأتها زلزال ، و عزّها ذلّ ، وجدها هزل ، و علوها سفل . دار حرب ( 2504 ) و سلب ، و نهب و عطب . أهلها على ساق و سياق ( 2505 ) ، و لحاق و فراق ( 2506 ) . قد تحيّرت مذاهبها ( 2507 ) ،

و أعجزت مهاربها ( 2508 ) ، و خابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، و لفظتهم المنازل ، و أعيتهم المحاول ( 2509 ) : فمن ناج معقور ( 2510 ) ، و لحم مجزور ( 2511 ) ، و شلو ( 2512 ) مذبوح ، و دم مسفوح ( 2513 ) ، و عاض على يديه ، و صافق بكفّيه ، و مرتفق بخدّيه ( 2514 ) ، و زار ( 2515 ) على رأيه ، و راجع عن عزمه ، و قد أدبرت الحيلة ، و أقبلت الغيلة ( 2516 ) ،

« و لات حين مناص » ( 2517 ) . هيهات هيهات قد فات ما فات ، و ذهب ما ذهب ، و مضت الدّنيا لحال بالها ( 2518 ) ، « فما بكت عليهم السّماء و الأرض و ما كانوا منظرين ( 2519 ) .